الانتخابات النيابية السورية: دلالات ورسائل

العميد د. امين محمد حطيط

عندما حددت الحكومة السورية منذ أكثر من شهرين موعدا لأجراء الانتخابات النيابية لم يرق القرار السوري لكثير من الأطراف المتدخلين والمتداخلين في الازمة السورية وكانت ردود فعل هؤلاء بمعظمها سلبية تتفاوت بين الرفض والاستنكار وعدم الاعتراف بمشروعيتها ونتائجها لأكثر من سبب ساقوه، وبين الامتعاض الذي ابداه البعض لأنه خشي على العملية السياسية من التأثر بالتصرف السوري ما قد يؤدي الى نسفها او عرقلتها بشكل كبير.

لكن سورية ومعها المخلصون الحريصون عليها وعلى وحدتها رأوا في الانتخابات تدبيرا طبيعيا واستحقاقا دستوريا ملزما يخطئ او يقصر من لا يلتزم بمقتضياته، ولذلك مضت في اجراء هذه الانتخابات التي هي في الأصل شأن سيادي سوري لا يحق لاحد التدخل فيه.

لقد شاء المعترضون و المستنكرون لأجراء الانتخابات ان ينتجوا في سورية فراغا دستوريا في السلطة التشريعية التي هي ام السلطات ، من اجل ان يسهل عليهم اقامة ما يسمونه المرحلة الانتقالية التي يتساوى الجميع في سورية في المشروعية او عدمها و لا يبقى هناك أي ترجيح  لسلطة انبثقت عن الشعب بانتخابات شعبية من جهة و من جهة أخرى جماعة صدرت الى سورية بقرار خارجي من اجل انشاء هيئة الحكم الانتقالي التي تتخطى الشعب في وجودها و لا تراعي المصالح الوطنية و السيادة الوطنية في سلوكها و ممارساتها .و بالتالي كان رفض اجراء الانتخابات فصلا من فصول العدوان على سورية يهدف الى اسقاط السلطات الشرعية في الدولة و احداث فراغ دستوري فيها يمكن المعتدي من املائه كما يريد متخطيا الإرادة الشعبية . لذلك كان اجراء الانتخابات تحديا كبيرا للحكومة والشعب السوري على حد سواء وعلى أكثر من صعيد وعنوان.

فهي تحدي استراتيجي مضمونه التأكيد على ان شيئا لا يمنع سورية من تطبيق دستورها النافذ وممارسة ما يفرضه على كل الأطراف، وفي هذا تأكيد سوري على ان الحرب فشلت في تحقيق أهدافها بأسقاط الدولة وتعطيل قرارها المركزي المستقل تمهيدا للإجهاز على الدولة المركزية وتشتيتها بين امارات وأقاليم ومناطق حكم ذاتي او مناطق امنة يمارس الأجنبي فيها نفوذه وسيطرته.

وهي تحدي أمنى مضمونه تختبر فيه القدرات والثقة بالنفس ويتطلب شجاعة في المواجهة مع الإرهابيين والمسلحين واستعدادا للتضحية إذا فرض الموقف او الظرف ذلك. خاصة وان قرار وقف العمليات القتالية لا يشمل الجماعات الإرهابية، وان الجماعات المسلحة التي وافقت على الالتحاق بالعملية السياسية والتزمت علانية بوقف العمليات امتهنت خرق القرار وارتكبت أكثر من جريمة وتساوت في ذلك مع الجماعات الإرهابية في سلوكياتها الاجرامية ولذلك لم يكن مستبعدا من هؤلاء جميعا إطلاق قذيفة او ارسال سيارة مفخخة او انتحاري بحزام ناسف ليستهدف مركز اقتراع هنا وتجمع انتخابي هناك. لكن الحكومة السورية من جهة والشعب السورية من جهة أخرى واجهوا التحدي وقبلوا المخاطرة من اجل الوطن وذهبوا الى الانتخابات جميعا لأنهم نظروا اليها شأنا مكملا للمواجهة الميدانية ومتكامل معها للدفاع عن سورية.

وهي تحدي اداري تنظيمي، اذ ان تنظيم مثل هذه الانتخابات وادارتها في الظروف التي تعيشها سورية على صعيد انتشار الشعب السوري بتأثير الحرب –العدوان عليها، ان تنظيمها امر معقد يفرض على منظم العملية الانتخابية اتخاذ التدابير التي تفسح المجال امام جميع من هو مقيم في سورية من السوريين لممارسة حقه والاضطلاع بواجبه الانتخابي. فعلى الأرض السورية 85% على الأقل من السوريين بعد ان نزح الى الخارج و لأسباب شتى ما يتراوح بين 10% و ال15% منهم  حسب ما تقول الأمم المتحدة (النازحون الى خارج سورية هم ما بين 3 الى 4 ملايين وفقا لبيانات الأمم المتحدة)  و ان الجماعات الإرهابية تسيطر على مناطق يقطنها ما بين 7% الى 10 % من الشعب السوري و  ان ما يلامس  نسبة 80% من الشعب السوري يقيم في المناطق التي تؤمن الدولة فيها الامن بقواتها الشرعية ، لكن ربع هؤلاء تقريبا  هم خارج امكنة اقامتهم الاصلية من الذين اصبحوا بسبب الإرهاب نازحين في وطنهم او مهجرين من بيوتهم الى بيوت اخوة لهم في المواطنة في الداخل السوري ، هذا الواقع المتمثل بانتشار الشعب السوري في الداخل و الخارج فرض نفسه على منظم الانتخابات الذي تصدى له بحكمة و حرص لتمكين من يستحق ان يمارس حقه و واجبه الانتخابي متمثلا قول الرئيس الأسد بان “الوطن هو لم يثبت فيه و يدافع عنه” .

رغم كل هذه التحديات مضت سورية في تنفيذ قرارها الدفاعي الكبير، وحققت في تنفيذه انتصارات متعددة العناوين. انتصار استراتيجي تحقق بمجرد ان مضت سورية قدما في التنفيذ، وانتصار أمنى عسكري حيث انها اجرت الانتخابات في ظل بيئة امنية مسيطر عليها من قبل القوات الأمنية والعسكرية ما أدى الى اجرائها دون أي حادث او اعتداء أمنى يذكر رغم انها المهلة مددت الى منتصف الليل. وهي انتصار اداري وتنظيمي حيث انها اثبتت بان الدولة العميقة التي بناها الرئيس حافظ الأسد في سورية واستمر في تعميقها الرئيس بشار الأسد هي دولة مؤسسات قادرة على مواجهة التحديات مهما كانت طبيعتها وصعوباتها وقادرة على التكيف مع الظروف بما يحمي الدولة ومصالحها.

كما انها اثبتت بان الشعب السوري بالأغلبية المألوفة والمقبولة في الأنظمة الديمقراطية ملتف حول دولته مدافع عن شرعيته و قراره المستقل فعندما تأتي نتائج الانتخابات و تظهر ان نسبة تتعدى ال57% ممن لهم حق الاقتراع ذهبوا الى مراكز الاقتراع و ادلوا بأصواتهم فان ذلك يشكل طمأنينة لسورية بان أحدا لن يستطيع ان يفرض عليها نظام حكم يناسب مصالح الخارج ، لان من اقترع في سورية بالأمس انما اقترع لسورية الواحدة القوية اولا ثم للمرشح الذي اختاره ليمثله في مجلس الشعب و في هذا مسألة هامة و رسالة بالغة العمق و الدلالة توجه لمن يريدون ان يفرضوا على سورية نظام حكم يشرع الأبواب للخارج للتدخل في الشؤون السورية الداخلية عبر إقامة فيدرالية الطوائف التعطيلية او فيدرالية الأقاليم التقسيمية او فيدرالية السلطات المشتتة للقوة الوطنية ، رسالة تقول ان سورية او بالأحرى الشعب السوري لن يستبدل دولته المركزية القوية بدولة مفتتة واهنة ، و هو يريد الإصلاح و التطوير سواء لجهة التخفيف من الأعباء عبر اللامركزية الإدارية او تحفيز الانماء عبر تشجيع المبادرة الفردية .

اما الرسالة الأخرى فهي لما يسمى مجتمع دولي تحاول اميركا دائما ان تهيمن عليه وتصادر قراره، رسالة مضمونها ان الوفد الذي يمثل الشرعية السورية والذي ذهب الى جنيف انما يعمل محصنا بالقوة اللازمة وعلى اتجاهين:

–    قوة في الميدان تجسدها الإنجازات العسكرية الهامة التي حملت فصيل من فصائل الإرهاب والتسلح غير المشروع (ما يسمى احرار الشام) للقول بانه لا يثق بان مباحثات جنيف ستحقق شيئا من مصالح الجماعات المسلحة لان الميدان هو لصالح الدولة السورية وحكومتها.

–    وقوة وتفويض شعبي تجسد في صناديق الاقتراع، قوة جعلت الوفد أكثر تشددا بالتمسك بالمبادئ والقواعد التي ترعى المصالح الوطنية السورية. وهي مصالح محكومة بخطوط حمر أربعة: وحدة الأرض سورية، ووحدة الشعب السوري وسيادته ومرجعتيه الوحيدة، قوة الدولة وفعاليتها، الموقع الاستراتيجي لسورية في المنطقة وتحالفاتها.

وبهذا تكون الانتخابات السورية شكلت معركة من المعارك التي تخوضها سورية في إطار حربها الدفاعية، وسجلت فيها انتصارا تعانق مع انتصارات الميدان وإنجازات الحراك السياسي والدبلوماسي السوري الناجح، ما يؤكد ان العدوان على سورية لم ولن يحقق أهدافه وان سورية الواحدة القوية باقية كما يشاؤها شعبها ويدعمها فيه حلفاؤها دولة قوية مستقلة لا تتنازل عن حق ولا تفرط بمصلحة وطنية.

:::::

“الثورة”، دمشق