تعثر مناورات السعودية من جنيف 3 الى الكويت…تفاقم خيبتها

العميد د. امين محمد حطيط

الدخول في المفوضات او المباحثات لا يعني حتما ان الأطراف ارتضوا الحل السياسي واقتنعوا بان الحل العسكري صعب او مستحيل او ان كلفته تفوق قدرتهم على الدفع والاحتمال فاتجهوا الى أروقة المفاوضات لرسم مخرج من ازمة ما يعانون من اعبائها.

نقول هذا ونحن نطل على مدينتين تنعقد فيهما مباحثات تحت عنوان البحث عن حل سياسي للخروج من الأزمة الأول يتعلق بالشأن السوري والمباحثات حوله تنعقد في جنيف والثاني ينعقد في الكويت ويتعلق بالأزمة اليمنية. و نجمع هنا بين الامرين لان هناك رابط مشترك ووثيق بينهما هو الدور السعودي في كل من الشأنين و ان بمستويين و شكلين متفاوتين ، حيث نجد الدور السعودي الصريح و الواضح لا بل السيطرة hلسعودية على قرار الوفد الاخر الذي يحاور مباشرة او بشكل غير مباشرة الطرف الوطني في الحوار الى الحد الذي باتت التسمية “السعودية” او عبارة “وفد الرياض” لصيقة باسم الوفد الذي يدعي على الاتجاه السوري بانه “المعارضة”  و على الاتجاه اليمني بانه “الشرعية” ( المهجرة او المهاجرة او الفارة من اليمن) الملتجئة الى الرياض التي تتحكم بقراراتها و تسيرها وفقا لأهوائها .

اما الرابط الثاني بين المشهدين وهو جوهر الموضوع هنا وبعد ان نتعدى الاسم او ننطلق منه أصلا للتأكيد على الدور السعودي في العدوان على اليمن والسورية فيتجسد في طبيعة الممارسة السعودية حيث انها في الأول عدوان مباشر شكلت السعودية تحالفا أسمته “تحالف عربي” لتدمير اليمن الذي “نجرأ ” وطالب بحريته والخروج من دائرة الارتهان والتبعية السعودية والتوقف عن لعب دور الحديقة الخلفية لمملكة القهر الوهابي، وفي الثاني عدوان عبر جماعات إرهابية تعتمد الفكر الوهابي التكفيري وتمارس أبشع أنواع الجرائم ضد الإنسانية وضد الإسلام ضد التاريخ والحضارة.

ان السعودية هي الأساس في العدوان على اليمن خدمة للمشروع الصهيوسعودي أميركي الرامي الى تحويل البحر الأحمر بحيرة صهيوسعودية بأشراف أميركي وإقامة حراسة على باب المندب للتحكم به ووضع اليد على اليمن لحماية مملكة القهر الوهابي واستثمار بحيرة نفطية واعدة فيه، والسعودية هي الشريك الأساس في العدوان على سورية خدمة للمشروع ذاته ولكن على الاتجاه الشمالي للمنطقة، ما يعني ان السعودية تلعب دورا أساسيا في المشروع هذا وعلى اتجاهيه الشمالي والجنوبي.

وفي سياق العمل التنفيذي شنت السعودية الحرب الإرهابية على سورية ضمن معسكر عدواني كوني بقيادة أميركية، وشنت حربا تدميرية على اليمن بقيادتها لتحالف أسمته عربيا بأشراف أميركي ودعم إسرائيلي. لكن السعودية و بعد 5سنوات من العدوان على سورية و بعد 13 شهرا من العدوان على اليمن وصلت الى صفر نتائج ولم تحقق ما تريد لا بل ان المشهد يشي بان السعودية تسير بخط انحداري في الميدانيين ، ففي اليمن مارست السعودية القتل و التدمير و نمت في صدور اهل اليمن العداوة و الحقد و الكراهية ضدها ، و في الأرض تتمدد القاعدة وداعش و  منظمات إرهابية أخرى دون ان تقوى ما تسمى قوات الشرعية التابعة للرئيس الفار هادي على السيطرة المستقرة في أي مكان بما في ذلك عدن حيث اتخذها هادي نظريا عاصمة مؤقتة بديلة عن صنعاء التي فر منها بعد ان دخلتها قوات الجيش الوطني و اللجان الشعبية الوطنية اليمنية .

اما في سورية فقد عجزت السعودية مع اقرانها من مكونات العدوان على تحقيق هدفها المركزي الذي عملت و لا زالت تعمل من اجله و هو الإطاحة بالحكومة الوطنية السورية الشرعية التي يقودها الرئيس بشار الأسد و وجدت نفسها مع شركائها في العدوان امام مشهد ميداني يشي بان هذا العجز سيتفاقم يوما بعد يوم ، خاصة و ان القوى المدافعة عن سورية تتنامى و تتحشد و تتعاظم قوتها و قناعتها بان الدفاع عن سورية هو مصلحة وطنية و إقليمية و دولية ، لان نجاح الإرهاب الذي تمارسه السعودية و اقرانها في العدوان ، سيودي بالأمن العالمي و يرميه في المهالك .

وبنتيجة ذلك باتت السعودية تعيش الان حالة العجز في الميدان في كل الجبهات التي دخلتها مباشرة او عبر وكيل، وحال الفضيحة في الدور في رعاية الإرهاب، وحال افتضاح المستور من دورها في احداث 11ايلول 2001 في اميركا، وحال العجز المالي بنتيجة هدرها للأموال على الحروب هدر ترافق مع تخفيضها لسعر النفط كيديا للأضرار بإيران وروسيا.

 هذا العجز المركب ترجم ضمورا في فضائها الاستراتيجي التي كانت تدعي بانه فضاءها الطبيعي ويشمل العالم العربي ومعظم العالم الإسلامي وهو ما قاد السعودية الى حال الجنون الهستيري الذي دفعها “للدفاع ” عن هذا الفضاء لاعتماد أي وسيلة بصرف النظر عن مشروعيتها واخلاقيتها. فبالنسبة للسعودية اليوم كل شيء مباح لها من اجل استعادة المكانة الضائعة وتلميع الصورة المهشمة والتي بان قبحها بعد 80 عام من إخفاء حقيقتها الشريرة وتظاهرها بمظهر “مملكة الخير”.

اما الاستراتيجية التي يبدو ان السعودية اعتمدتها من اجل ذلك (هذا إذا كان يصح القول بان للسعودية استراتيجية او انها أصلا تدرك معنى الاستراتيجيات او تتآلف مع الفكر الاستراتيجي) هذه الاستراتيجية يبدو انها قائمة على خمسة عناصر كالتالي:

1.  شراء فضاء استراتيجي اصطناعي بديل للفضاء الطبيعي الضامر او المهدور. فضاء يتم تحقيقه بالمال او بالسيف. ففي البلدان الكبرى القوية التي لا تستطيع السعودية ترهيبها يستعمل المال ويستغل وضعها الاقتصادي وتغدق عليها الوعود والأموال    ليشتري تأييدها الظاهري على الأقل، وفي البلدان الصغيرة التي تستطيع وضع اليد عليها عسكريا تقتحمها كما فعلت في البحرين. ولكن السعودية تعلم ان هذا الفضاء المصطنع انما هو فضاء وهمي لا يعول عليه وينتهي دوره عندما تنتهي مفاعيل القوة والمال وهذا ما يزيد في رعبها.

2.  المراوغة ومنع الحلول السياسية لأزمات المنطقة الا إذا جاء الحل وفقا لأهدافها او محققا للحد الأقصى الممكن من أهدافها التي لا تنخفض عن مقولة وضع اليد على الدولة كليا او جزئيا وبشكل راجح. اما اسلوبها في ذلك فيعتمد كما يبدو نهج المفاوضة تحت النار. فعلى الاتجاه السوري خرق ممثلوها في جنيف وقف العمليات القتالية وأشعلوا كل الجبهات التي بإمكانهم اشعالها، ثم أعلنوا تعليقهم للمشاركة في المباحثات تحت ذرائع واهية وكاذبة، وفي الكويت وعلى الاتجاه اليمني رفض وفد الرياض اعتماد بيان تثبيت وقف إطلاق النار وتمسك بالطلعات الجوية السعودية خلال التباحث.

3.  تصعيد المواجهة والعمل ضد حزب الله الذي ترى فيه السعودية عنصرا مؤثرا في الساحتين السورية واليمنية وتلقي عليه باللائمة في خسائرها وهزائمها وهي تقوم بهذا بأشراف أميركي او تكامل مع الدور الأميركي في محاصرة حزب الله تعمل ضد الحزب على كل الصعد المالية والإعلامية كما ان الجديد في الخطة الصهيوسعودي أميركية هو ما يتردد عن النية باعتماد الخطط لتجفيف المصادر البشرية للحزب بعد الحصار الإعلامي والتجفيف المالي.

4.  التهويل بالدور او التدخل الإسرائيلي لقلب الطاولة في المنطقة لصالحها. وقيء هذا وبعد ان تبين للسعودية بان تنفيذ إسرائيل الشق الخاص بها في الخطة الصهيوسعودية القائمة على اركان أربعة سبق وفصلناها في مقالات سابقة، تبين لها ان إسرائيل لن يكون بمقدورها الدخول في حرب فعلية ضد حزب الله، فأنها -السعودية -تجهد عبر اعلامها لتسليط الضوء على النظرة الإسرائيلية لسلاح حزب الله وخطره على المنطقة وإسرائيل خاصة وتلوح بان إسرائيل لا يمكن ان تتعايش مع هذا الخطر وأنها ستبادر في القريب العاجل لمعالجة الامر بآلتها العسكرية التدميرية.

5.  استثمار الازدواجية في المواقف الأميركية من أزمات المنطقة وتقديم نفسها على أساس انها العنصر الحربي الكفؤ في خدمة السياسة الأميركية. وهنا نذكر بان اميركا التي تتظاهر بانها اقتنعت بان السياسة هي الحل الوحيد لازمات المنطقة ولذا دخلت في مضمارها وترعى بالاشتراك مع روسيا وبإدارة الأمم المتحدة مباحثات جنيف، فإنها تعمل في الان نفسه وبفاعلية مؤكدة على الاتجاه العسكري أيضا. ولهذا نجدها تسهل عبر تركيا دخول أكثر من 8 الاف مسلح الى الشمال السوري، وتتعهد خطة “الاطباق على حلب ” من قبل الإرهابيين وتسكت عن تهديد وفد الرياض الى جنيف بإشعال الجبهات وتزود الجماعات المسلحة والإرهابية في سورية بأسلحة نوعية جديدة بما فيها المضادة للطائرات.

هي اذن استراتيجية السعودية الانقاذية حسب رايها و الانتقامية الجنونية التدميرية حسب التوصيف الموضوعي تنفذها  بتعاون او تكامل او اشراف إسرائيلي أميركي مباشر من اجل استمرار العدوان على المنطقة حتى تحقيق أهدافه، ولكننا نرى ان حظوظ نجاح هذه الاستراتيجية يكاد يكون منعدما لأكثر من سبب، ويكفي ان نقول ان المعسكر المدافع  يملك من القدرات والطاقات المتعددة الاشكال والعناوين ما يمكنه من اجهاض هذه المناورات كما أجهض سابقتها وقد بدأت دلالات الفشل السعودي الجديد بالظهور تباعا في جنيف والكويت و الميداني السوري كما اليمني .

:::::

“الثورة”، دمشق