مفاوضات جنيف السورية… بازار اسرائيلي تركي سعودي؟

د. ليلى نقولا

تنطلق المفاوضات السورية في جنيف بالتزامن مع الانتخابات التشريعية السورية التي تحصل في التوقيت ذاته، وبالتزامن مع استئناف القتال على محاور عدّة، أهمها في حلب، التي أشعلها المسلحون؛ كما يحصل عشية كل مفاوضات.

وبغض النظر عن نتائج الانتخابات، فإن انطلاقها يعطي إشارة إلى أن النظام السوري ما زال مُمسكاً بمفاصل أساسية في البلاد، ومازال قادراً على تحدّي الضغوط الدولية التي طالبته بعدم إجرائها، وهددت بأنها تعطّل المفاوضات وتقوّضها، وتشير إلى أنه مازال يتمتع بهامش من الحرية السيادية ضمن تحالفه مع الروس والإيرانيين وحزب الله.

واقعياً وفعلياً، يبدو أن هذه الجولة من المفاوضات السورية في جنيف لن تكون مؤشراً لأي تقدُّم في حل الأزمة، كما أن قراءة المشهد السوري بين المفاوضات وعودة المعارك إلى الجبهات تشي بأن أي قراءة تفاؤلية لن تكون ممكنة قبل الحسم في الميدان، ولو كان الأميركيون جادّين في رغبتهم في الحل السياسي.

أما في ورقة دي ميستورا التي سيحاول فرضها على أساس أنها هي الأساس الذي سيتم حوله المفاوضات، فنجدها خطرة جداً، ففيها ما يلي:

1-      ادعاء دي ميستورا أن ورقته تتضمن “نقاط التوافق بين وفدي السلطات السورية والمعارضة في جنيف”، وفيها عبارة “مازال الشعب السوري ملتزماً بأن يستعيد مرتفعات الجولان المحتلة بالوسائل السلمية”، علماً أن أي قارئ سياسي مبتدئ يدرك أنها عبارة “إسرائيلية”، ولا يمكن تصوُّر أن يكون السوريون أنفسهم قد قدّموا مثل هذا الشرط لدي ميستورا، فالجولان ليس ضمن المفاوضات السورية – السورية أصلاً، ولا يمكن لأي شعب أن يتنازل مسبقاً عن حقه في تحرير أرضه “بكافة الوسائل الممكنة”، وهو ما يكفله له القانون الدولي بالأساس، وبدون منّة من أحد.

2-      في ورقة دي ميستورا أيضاً عبارة “سورية دولة ديمقراطية غير طائفية”، وهي عبارة بعيدة كل البُعد عن “علمانية الدولة السورية” التي أقرّها بيان فيينا بشكل واضح وصريح، وشددت عليه الحكومة السورية. وفي هذا البند الذي دسّه دي ميستورا، رغبة تركية – سعودية واضحة وأكيدة، لأن سورية العلمانية هي نقيض للحكم السعودي القائم على حكم مذهبي متشدد، كما أن ذلك إحباط لكل جهود أردوغان في نسف العلمانية في تركيا، وتعكس التخوُّف التركي الذي يسوقه أردوغان من أنّ فرض العلمانية في سورية هو خسارة له، ومعناه نهاية حكم الأحزاب الإسلامية في تركيا.

3-      عبارة “سيجري تمكين جميع اللاجئين والنازحين من العودة إلى ديارهم بأمان، إذا كانوا يرغبون في ذلك”، وهي العبارة التي تمسّ لبنان بشكل أكيد، وستشكّل تقويضاً لاستقراره فيما لو تحققت، فتركيا لا تبدو محرَجة في طرد اللاجئين السوريين من أرضها بالقوة؛ كما أعلنت منظمة العفو الدولية، ولا الأوروبيون محرَجون بذلك بعد الاتفاق الذي عقدوه مع تركيا، ولا الأردن الذي يعيش فيه السوريون في مخيمات تعلن المنظمات الدولية عن تناقص المساعدات يومياً عنها.

4-      أما توقيت انطلاق المفاوضات الذي أصرّ عليه دي ميستورا، بعكس رغبة المفاوض الحكومي السوري، الذي أبلغه أنه لن يستطيع الحضور بسبب الانتخابات التشريعية، فمؤشر على أن الأمم المتحدة، ووراءها الغرب، لا تتعامل بواقعية مع التطورات السورية، ولا مع موازين القوى السورية الفعلية، وتحاول أن تكسب بالسياسة ما لم تستطع أن تحققه في الميدان. في أبسط أسس علم المفاوضات والعلاقات العامة، أن يحدد موعداً لمفاوضات يستطيع فيها الأطراف القدوم إلى الجلسة، وأن تناسب الجميع دون استثناء، لكن دي ميستورا بإصراره على التوقيت “المقدّس” أراد أن يُظهر قدرته على فرض شروط على المفاوض الحكومي السوري تُظهره بموقف الضعيف والخاضع للشروط الدولية، وهو ما لم يتحقق له.

في المحصلة، قد يكون التسرُّع الروسي بفرض وقف العمليات العدائية قبل استكمال الحسم العسكري على الحدود التركية – السورية هو الخطأ الأكبر الذي تمّ ارتكابه في الميدان السوري، ولو تمّ تصحيحه نوعاً ما بطرد “داعش” وتحرير تدمر والقريتي. لكن يتمّ التأكّد يوماً بعد آخر أنه من دون إلحاق هزيمة كبرى بالمجموعات الإرهابية الموجودة على الحدود الشمالية، وإغلاق الحدود التركية مع سورية، لن يكون هناك تقدُّم في المفاوضات، ولن يكون هناك أي بصيص أمل في حل سياسي في سورية، وأي مراهنة على انخراط جدّي أميركي في التسوية السلمية بالضغط على تركيا والسعودية، هو نوع من الأوهام التي يبددها يومياً الوقت المهدور في انتظار رحيل أوباما من البيت الأبيض.