مُهاجـِرون و ُمهجـّرون

ثريا عاصي

لا شك في أن الحرب بجميع أشكالها وتجلياتها، تضع الإنسان أمام جملة من الأسئلة الشائكة على رأسها العلاقة التي تربطه بالأفرقاء الذين يحتربون، وبالأفراد الذين يعبرون عن مواقف متباينة قليلاً أو كثيراً قياساً على درجة انخراطهم في الحياة الوطنية، أي بحسب تماسك المجتمع الوطني أو رخاوته.
لا آتي بجديد عندما أقول ان الحروب التي تشهدها بعض بلاد العرب هي حروب يتواجه فيها جزء من أهل البلاد تعاونهم قوى خارجية من جهة مع جزء آخر من السكان تقودهم السلطة وتدعمهم قوى خارجية من جهة ثانية. بتعبير آخر يمكننا أن ننعت الحروب في بلاد العرب بالمختلطة. ينجم عنه أن هذه الحروب تكون في الأغلب خدمة للقوى الخارجية على حساب المصلحة الوطنية.
المسألة في الواقع، هي أكثر تعقيداً. تعرف القوى الخارجية عادة ما هي الأهداف التي تصبو إليها في الحرب، وقد تكون الدولة او السلطة في البلاد التي تدور الحرب على ارضها على علم هي ايضاً، ببعض هذه الأهداف وليس بجميعها. أما جماعات وتنظيمات المتعاونين مع القوى الأجنبية فإنها تجهل عادة كل شيء عن خطط الذين يمدونها بأدوات القتل. تتوهم هذه الجماعات والتنظيمات انها إذا أبادت خصومها من أهل البلاد، ستغنم أملاكهم ومحاصيلهم، كما كان يحدث في عصر البداوة!
أضع هذه التوطئة تمهيدا لتناول موضوع الهجرة في زمان الحرب. فهو من وجهة نظري موضوع مركزي في الحروب التي تشهدها في الراهن بلاد العرب، التي يصر البعض على إلباسها ثوب «الثورة» أو بالأحرى تتويجها أسوة بأصحاب التيجان الذين يتعهدونها، في حين أنها في جوهرها حروب امبريالية، مقررة في معاهد دراسات هذه الأخيرة حيث توضع أيضاً تقنيات تنفيذها بواسطة مساكين وسذج لا يستطيعون فك رموزها ولا التكهن بمقاصدها.
ووضعا للأمور في نصابها الصحيح أقول أن ما يهمني في الواقع هي مسألة المهجرين. أعني، الناس الذين شعروا بأنهم مهددون بالإبادة من جانب أحد فرقاء الحرب، فهربوا. كمثل الأزيديين والصابئة والمسيحيين واتباع بعض المذاهب الإسلامية، في المناطق التي سقطت تحت سيطرة «القاعدة» وداعش، ومن هم على شاكلتهم من «السلفيين والأصوليين». أي جميع الذين يشاركون في الراهن، في الحرب على سورية. إذ يجب تمييز الثورة الحقيقية من الحرب العدوانية. لا تتلازم الثورة الوطنية مع الحرب من أجل تقسيم البلاد أو احتلالها أو تدميرها ! من البديهي أن الذباحين ليسوا ثواراً وأن الذين يعتدون على الناس في منازلهم فيجبروهم على الرحيل ليسوا وطنيين، إلى أي طرف من الأطراف انتموا.
لست إذن بصدد تناول مسألة المهاجر الذي يتخذ بملء إرادته قراره بان ينفصل عن الشراكة الوطنية إعتراضا ًعلى إدارتها وسياستها، ويغادر بلاده الأصلية بحثاً عن شراكة وطنية في بلاد أخرى! بالضد من الذي أجبر على أن يترك بلاده طرداً أو خوفاً من الموت. «الثورة» في سورية تماثل المنازعات القبلية في عصر البداوة. الغاية هي إرجاع السوريين أيضاً إلى عصر البداوة!
إن البحث في مسألة المهجرين يتطلب أيضاً إجابات على الأسئلة التالية:
ـ ما هي المناطق التي أفرغت من أهلها. من هي الجهة التي أخافتهم، أو أجبرتهم أو شجعتهم على سلوك طريق المنفى؟
كما أنه من المفروض أن تتضمن الإحاطة بهذا الموضوع الإطلاع على أوضاع «المنفيين» في المخيمات التي أقيمت لهم، في تركيا والأردن ولبنان. يقول البعض أن هذه المخيمات أعدت قبل أن ينزح الناس. من يدير هذه المخيمات، من يقدم القوت والكُسوة، والمساعدات المالية؟ ماذا يجري في داخلها، هل يتلقى النازحون تعبئة سياسية أو حزبية، أو عسكرية؟ ما هي ميول الذين التجأوا إليها او إلى أي فريق ينتمون أو يناصرون؟
لا بد في إطار هذه المقاربة من أن نفرد للمنشقين السياسيين والعسكريين فصلاً خاصاً. فهؤلاء ليسوا مهاجرين بالمعنى المشار إليه أعلاه، كما انهم ليسوا مهجرين، كونهم يمموا نحو باريس عاصمة المستعمر القديم ونحو الأستانة عاصمة الخلافة سابقا ونحو بلاد «خادم الحرمين الشريفين» يستمدون منه النصح والعون استعداداً «للعودة» على رأس «جيش الثوار»؟ ولكن كيف يمكننا أن نقتنع بمصداقية أشخاص اضطلعوا سابقاً، بأدوار اساسية في السياسة السورية، أمنيا ومخابراتيا وعسكريا واقتصادياً ؟ هل بدّل هواء باريس واسطنبول والرياض ما في أنفسهم فبدلوا وصاروا ثواراً؟
في ختام هذا الفصل لا منأى عن القول ان أخشى ما يُخشى هو أن تتكشف الحقيقة البشعة، أو بتعبير أدق الجريمة ضد الإنسانية، التي اقترفها الذين يشنون حربا على سورية. فلقد هجروا السوريين من بـلادهم إلى لبنان والأردن وتركيا، واتخذوهم رهائن. جندوهم في الحرب ضد بلادهم وأهلهم، ولا شك في انهم سوف يستخدمونهم كورقة ضغط وابتزاز عندما يحين آوان التسوية!

::::

“الديار”