في فلسطين المحتلة …كل يوم للأرض

عادل سمارة

في التاريخ دروس لا حصر لها، يواجهنا كل درس على شكل حدث، أي تحدٍ. هذا الذي يأتي دون ان نصنعه، يأخذ طريقه بمعزل عنا لأن له قوة حركته الداخلية، ديناميته الخاصة. يراه الكثيرون كتيما مغلقا صعب الفهم، ويراه البعض مضيئا يحمل مفاتيحا بقدر ما يحمل مغاليقا، ويبقى السؤال: من أنت في فهم الحدث ، التقاطه، الإحاطة به وتوظيفه.

هكذا كان يوم الأرض، اندفع منبجسا من بطن الأرض من التحدي فكان الحدث وكانت الناس في قلبه فأخذته حيث يجب، إلى المواجهة مع الضد الذي خُيّل له أن الارض منبسطة وبطنها خال عقيم.

حدث يوم الأرض، وليس للأرض يوما واحدا، لقد علَّمنا الكثير.

درسه الأول: الأصل أن تبدأ وطنيا كي تبقى وطنياً. فعلى قاعدة البدء وطنياً يمكن أن تنمو وتزهر قناعات فكرية كثيرة لا تضيع معها ولا تضيع بك. أن تبدأ وطنيا، مقولة تتجاوز مجرد كونك “أنا أفكر فأنا موجود-ديكارت”، بل الأهم أن تكون حاضرا أي مشتبكاً. فالحضور هو الذي يعطي الوجود معناه وفعله. الوجود “موجود في ذاته والحضور موجود لذاته” الحضور هو تفعيل الحدث كوجود. وإذا لم يكن أحدا قد فهم ان الأصل ان تبدأ وطنيا عبر مسار النضال الفلسطيني،فإن مذبحة سوريا كانت فيصلا أكد أن من لا يبدأ وطنيا، ينتهي نهباً لمن هم وطنيون في بلدانهم (عتاة الإمبريالية) أو من ليسوا ابدا وطنيين “حراس النفط لغير الوطن”.

ودرسه الثاني: الوطن ليس مكانا. ايضا كشف يوم الأرض عن تناغم حد التطابق بين المنفوية اليهودية “بداوة التنقل والترحال التاريخي” وبين بداوة النفط. تناغم الأصل وتفارق الهدف.

في هذه المساحة المدمَّجة، أحاول توضيح الفالق بين الوطن والمكان. هو الفالق بين الأهلي الأصلي وبين المستعمِر. نحن في الوطن نقاوم من يحاولون اقتلاع الوطن إلى مكان ضمن مشروعه في البحث عن مكان ليقلبه إلى وطن. معتمدا تصنيع خرافات عن وعود إلهية أو امتداد تاريخي سياسي متواصل لممالك هامشية أكلها التاريخ. فاغتصاب الوطن هو الحدث الاستعماري الغربي الممتد والمتجدد بادئا باستهداف الوطن العربي، وها هو يتشكَّل على نحو من الإبادة للأمة جمعاء. وفي مواجهة كل هذا، كان يوم الأرض تاكيد على أن الوطن يبقى ولا يتحول إلى مكان بل يبقى وطنا.ً

لعل هذه كانت مشكلة انبهار إدوارد سعيد بأدورنو الثقافوي اليهودي الذي جادل  لصالح المكان على الوطن. وهو أمر إذا كان لشخص لن يكون لشعب. بل هو أمر أخذته المنفوية التاريخية لليهود ليقلبوها  من تبديل الأمكنة إلى احتلال وطن الغير. وهكذا كان لينقلونا إلى لحظة المكان ويغتنموا مساحة او فضاء الوطن!
في زمن ما، وفي بساطة ما، تخيلنا أن الوطن يمكن أن يكون وطنا لنا ومكانا لهم، فإذا بهم يقتلعوننا حتى من المكان. فكان يوم الأرض.

في القراءة التسطيحية للنظرية الثورية هيأوا لنا بان الوطن يمكن التشارك فيه حتى مع النقيض  عبر نقد للملكية الخاصة التي حقاً نمقتها بما هي لحظة إعلان التوحش البشري. لم ندرك خبثهم باسم النظرية والديالكتيك تحديداً، ذلك لأن الوطن ليس ملكية فردية ولا شخصية ولا خاصة. كثيرون منا أخذتهم حميَّة الوعي الثوري المبتدىء فتخيلوا التعايش  قابلين بالمكان وتاركين لهم الوطن. جدير بنا أن ننقد سلاحنا حين تورط في لحظة الجهل الثوري المتعالم. وهذا يفتح على ما هو أعمق. ألم يسقط “العلماء” السوفييت في وهم ان مستوطنة راسمالية بيضاء ستكون قاعدة اشتراكية في وطن عربي متأخر؟ مفارقة هائلة أن يجهل أهل الاقتصاد السياسي الماركسي أن اغتصاب وطن لا يخلق بلدا اشتراكيا. وحتى لو خلق، فذلك لا يلغي كونه اغتصابا، ولم يخلق. ومع ذلك، بعد “الوعي” لا يزال كثير من “الثوريين” متورط في التطبيع بأسوأ من أنظمة التوابع من أنظمة وقوى الدين السياسي.

 لكن الدرس التاريخي لم يغب، فالوطن لأهله، وحين يحاول انتزاعه آخرون نتمسك بجوهره العام وشكله الخاص. ومن يقرأ النظرية الثورية بغير هذا فذلك شأنه. فلا اقتسام للوطن مع العدو. وهذا إلى أن يقضي التاريخ أمرا كان مفعولا، أقلُّه موت رأس المال والملكية الخاصة.

بين الوهم في فهم النظرية وبين الوعي لها، كان يوم الأرض لينفي تماما زعم التقاسم. كان ولا يزال يرفض ما تورط فيه المتعاقدون ليقول: الوطن نقطة القول الأولى وهي بدء الموقف والوجود والحضور وبعد ذلك بدء اللغة، الحدث يفرز اللغة وتحمل منه المحمول والمعنى.

الدرس الثالث: لا استقواء بالضعف. علمونا بأن التبرع بالوطن يؤكد التطهُّر الثوري من الملكية الخاصة، فإذا بهم يتملكون بالسحت كل ذرة تراب. تماما كما قال ديسموند توتو: وقفنا نصلي مع البيض، وحين فتحنا عيوننا وجدناهم أخذوا الأرض”. أما في حالتنا، فقد أعطاهم كثيرون الأرض لأن هؤلاءعلى كثرتهم يفهمون الحياة العالم بالسلطة والمال وخاصة بالريع.

ذلك التعفف المريض بحصر الوطن في الملكية الخاصة لقطعة هنا او هناك، أوصل كثيرون من بسطائنا إلى الاستقواء بالضعف، فتخلوا عن الوطن معظم الوطن مقابل عملة مضارباتية هائلة هي “السلام” وحين فتحوا ايديهم لم نجد بها سوى الإصبع الوسطى للثورة المضادة.

  حاول من نالوا الوسطى تدارك الأمر فلجأوا إلى نار تعصمهم من الماء ليقولوا : أنتم في ما سرقتموه 1948 فاتركوا لنا قبرا طولها باعُ في المحتل 1967 وبنوا كل جدلهم على أن هذا الكيان “شرعي” في حدود 1948، فإذا به ينظر إلى شمال العراق!

الدرس الرابع: علمنا يوم الأرض بأن: إن لم تعرف النظرية جيدا، تحَّصن في أن تبقى وطنياً. هنا لا يأخذك الثقافويون والأنجزة والجندر وما بعد الحداثة (فوكو وليتارد) وما قبل الإنسانية (وهابية آل سعود القرضاوي والعرعور)  شمالا ويمينا حتى تدور رأسك، فتعانق قاتلك باسم سلام الشجعان، ويكون نسلك عبر  جهاد النكاح ويكون موتك بالتداوي ببول البعير.

والدرس الخامس: علمنا يوم الأرض بأن الأرض عروبية ، كان يوم الأرض عربياً. رفع يوم الأرض  مقام الأرض إلى سدة التاريخ وهي الأحق بذلك. فكان لا بد للفريق العربي في الثورة المضادة ان يعقد التسويات  لتكريس الكيان. صدمة يوم الأرض صدمت من قرر مغادرة الصراع انظمة وقوى. ولكن، كان الهروب إلى “سلام الشجعان-سلام راس المال” أن الوطن العربي نفسه، بين منهوب ومستوْطَن فيه. ظهرت عورات كانت تتستر على تفريطها بالتلهي بفلسطين. وحين اخرجت فلسطن من تحت عبائتها، بانت عورات تمتد من الإسكندرون إلى الأهواز إلى سبنة ومليلية.

أما الدرس السادس في يوم الأرض فكان: الحياة مقاومة. جمرة الشعب تقاوم ولو متخفية تحت رماد السنين. لم يحولها الكيان الصهيوني الإشكنازي إلى رماد، واليوم لم تطفئها سيالة النفط التي ترتد على كل شبر مقاوم.

من عمق المذبحة يكون الورد، ويكون الزهر، ويكون الصد والرد ولو بسكين.

فلا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم المقاومة من أغادير إلى كركوك. وتذكروا، بأنكم لولا أنكم قوة ما، مستقبلا ما لما كان كل هذا التجييش عليكم وضدكم. ولما كان يوم للأرض ليكون كل يوم للأرض.