سوريا بين التردد والحسم

التناقض التناحري والبرجوازية الصغيرة

المبادرة الوطنية الأردنية

تعيش المنطقة اضطراباً شاملاً (الفوضى الخلاقة) عسكرياً وأمنياً واجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً وحضارياً، حروب معلنة وحروب غير معلنة، حروب خشنة وحروب ناعمة، تداعيات صدام مشروعين متناقضين على هذه الأرض العربية، مشروع التحرر الوطني من جهة ومشروع استمرار وتعميق هيمنة المركز الرأسمالي من جهة أخرى.

حل هذا التناقض التناحري لصالح الأوطان والمجتمعات يتطلب صياغة مشروع ” متلازمة تحرر وطني وتحرر اجتماعي ” وبناء “حامل اجتماعي” يتشكل من كافة الشرائح الوطنية الكادحة والمنتجة، من خلال ممثلي هذه الشرائح الحقيقيين، وقيادة مؤتمنة مبدعة مجتهدة شجاعة مخلصة حاسمة، تمتلك رؤية واضحة وتميز بين ما هو استراتيجي بعيد أو متوسط المدى وما هو تكتكتي قريب المدى، ضمن مفهوم التكتيك في خدمة الاستراتيجي.

مطلع خمسينات القرن الماضي استلمت قيادة معركة الاستقلال الوطني البرجوازية الصغيرة – حركة الضباط الأحرار في مصر وسوريا والعراق- بعدما عجزت البرجوازية التجارية وشيوخ العشائر وكبار ملاك الأراضي – الشرائح السائدة في تلك المرحلة – من إنجاز مهمات هذا المشروع.

 تميزت فترت صعود البرجوازية الصغيرة وقيادتها لهذه المرحلة (ولفترة محددة) بإنجازات هامة – التأميم الإصلاح الزراعي مجانية التعليم والصحة …الخ – ولكنها لم تستطع الحفاظ على هذه المنجزات نتيجة إهمالها المقصود حشد الشرائح الوطنية الكادحة والمنتجة بسبب عدم إيمانها بقدرة وقوة هذه الشرائح في خوض المعركة المصيرية بالرغم من مصلحتها الحقيقية في الصدام مع قوى الهيمنة وصلابة هذه الشرائح في المعارك المصيرية المعهودة والمشهود لها متى أتاحت الفرصة لها، وبسبب خوفها – البرجوازية الصغيرة – من هذه الشرائح على مصالحها الذاتية، فبسبب استفرادها بالسلطة السياسية وتسلطها على المجتمع وعلى كافة القوى الوطنية الأخرى، ونتيجة استحواذها على السلطة المطلقة تمكنت من بناء مشروعها الاقتصادي والاجتماعي الخاص بها، فقدمت مشروعها الذاتي الخاص على المشروع الوطني العام، ولم تتمكن بالتالي من الاستمرار في مقاومة ضغوط المركز الرأسمالي العالمي، لا بل تماثلت مصالحها هذه ، في النهاية ، مع مصالح المركز الرأسمالي إلى حد كبير، ففرض هذا التماثل في المصالح تحولات في بنيتها لتتحول هي بذاتها –البرجوازية الصغيرة –  إلى أداة تابعة.

قادت أوهام البرجوازية الصغيرة – كافة القوى الحاكمة في الدول “التقدمية” – إلى النهاية المأساوية التي تعيشها الأمة العربية في كافة أقطارها:

القيادة المصرية – السادات ممثل هذه البرجوازية الصغيرة، التي نمت وترعرعت في مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية، في ظل الحكم الوطني ، وأبنها الشرعي وامتداده مبارك ومن ثم  السيسي–  قامت بطرد الخبراء السوفيت، قبل حرب أكتوبر 1973، إرضاء للمركز الرأسمالي العالمي، وبدون مقابل ،حيث لم يصدق هنري كسنجر ، وزير خارجية الولايات المتحدة، في ذلك الوقت، الإجراء هذا دون تقديم طلب مقابل من الولايات المتحدة، كما وتراجعت عن السياسة الناصرية المعادية للإمبريالية ، ووضعت السوق والاقتصاد المصري في خدمة المركز الرأسمالي العالمي، وتصالحت مع الصهيونية العالمية، وعقدت اتفاقية ” كامب ديفد ” مع الكيان الصهيوني …الخ. كما وتم الرضوخ المطلق لشروط توافقات واشنطن: خصخصة القطاع العام ورفع الدعم عن السلع الأساسية ، ورفع الدعم عن الفقراء والمهشمين، وإلغاء سياسية خطط التنمية الوطنية…الخ  ففقدت مصر دورها القيادي في العالم العربي ودول العالم الثالث، لا بل تحولت إلى دولة تابعة فاشلة لدولة تابعة.

القيادة العراقية قادت حرباً ضد إيران ، بداية ثمانينات القرن الماضي، تحت شعار حماية البوابة الشرقية، بدعم قوى التبعية الخليجية ودعم أمريكي لهذه  الحرب، انسجاماً مع سياسة  الإدارة الأمريكية المعلنة تحت عنوان ” الاحتواء المزدوج” لهاتين القوتين، ولاحقاً بداية تسعينات القرن الماضي، الوقوع في فخ الإغراء الأمريكي للقيادة السياسية العراقية دخول الكويت ، وما تبعه من حصول المركز الرأسمالي العالمي على فرصة استغلتها لضمان  التحكم المطلق بمصير المنطقة، خصوصاً بعد انهيار المعسكر الاشتراكي،  وتدمير العراق دولةً وشعباً على يد قوى الغزو الأمريكي وقوى التبعية  العربية، وفرض الهيمنة المطلقة العسكرية والسياسية عليها، وما تبع هذا الغزو من تفكيك للدولة العراقية وتفتيت المجتمع العراقي وإعادته لمرحلة المجاميع الماقبل رأسمالية، الطائفية والذهبية والإثنية، وما تبع ذلك من نتائج وخيمة على الأمة العربية من محيطها إلى خليجها، والرضوخ المشين للشروط الأمريكية في توقيع معاهدات الذل مع العدو الصهيوني، والاستسلام التام لإملاءات صندوق النقد والبنك الدوليين- أدوات المركز الرأسمالي العالمي – على الصعيد العربي، والتي بدورها – الإملاءات –  أدىت إلى استنزاف رؤوس الأموال العربية، التي تجمعت من ريع النفط، وتم إعادتها أما إلى جيوب التكتل الصناعي العسكري، أو إلى مؤسسات الطغم المالية العالمية، مما ولد الفقر والجوع والذل والبطالة في كافة المجتمعات العربية، بما فيها الدول النفطية.

القيادة السورية انجازات عظيمة تحققت في النصف الثاني من القرن الفائت، مكّنت سوريا بأن تصبح من الدول القليلة المكتفية ذاتياً، ومن الدول القليلة غير الخاضعة لإملاءات صندوق النقد والبنك الدوليين، مع مطلع القرن الحالي تم تفكيك القطاع العام وتهميش دوره في الدورة والاقتصادية، حيث تناقصت نسبة مساهمته من حوالي 90% إلى 33% في الوقت الحالي ،  وسوف ينخفض إلى النصف من هذه النسبة، أي أقل من 18% ، فيما لو تم إقرار مشروع التشاركية في البني التحتية ، التي بقيت حكراً على القطاع العام، والسماح للفكر الوهابي غزو المجتمع السوري ومنافسة الثقافة الوطنية العروبية في سوريا، وفسح المجال واسعاً أمام دول التبعية تركيا وقطر والسعودية للهيمنة بالوكالة على سوريا، وعقد اتفاقات اقتصادية – 52 اتفاقية – لصالح تركيا وعلى حساب الاقتصاد الوطني السوري الصناعي والزراعي، مما ولد بطالة وفقر لم يعهد المجتمع السوري في تاريخه، والتردد في خوض معركة حاسمة ، منذ بدء المؤامرة الخارجية والداخلية على سوريا، ضد قوى التبعية السورية في مؤسسات الدولة وفي السوق وفي صفوف المعارضة، وعدم خوض معركة ضد القوى الداعمة لها في الخارج، بحجة المرونة وعدم سفك الدم السوري وعدم السماح بحرب ” أهلية ” ، أو بمفهوم آخر السماح بثورة مضادة، وكذلك عدم تسليح الشعب وتمكينه من حماية الدولة والمجتمع، و السماح لمؤامرة الهدنة التي جاءت في أعقاب انهيار العصابات المسلحة في حلب وريفها وتحقيق الجيش العربي السوري انتصاراً أجهض في بداياته، مما ولد حالة من السخط غير المعلن لدى جماهير حلب ومحيطها التي ضحت بما يفوق طاقة البشر، وهي حالة خطيرة قابلة للانفجار في وجه الدولة أذا لم يتم تداركها.

لا تزال البرجوازية الصغيرة تقود معركة التحرر الوطني في المنطقة، ولا يزال نهجها ذاته لم يتغيير، ولا يزال التردد هي السمة السائدة في هذه المعركة الشرسة ، ولا تزال البرجوازية الصغيرة تراهن على وهم الحلول السياسية لهذا التناقض التناحري.

ولا تزال البرجوازية الصغيرة في عقليتها العربية ، تتملص من دورها في معركة المصير هذه ، تحت شعار إذا انتصرت سوريا في هذه المعركة سنتمكن من صد الهجمة على المنطقة، وبعدها سنتمكن من بناء حركة التحرر الوطني، وهو ما ينم عن عقلية سطحية تتاجر بتضحية غيرها، مع عدم احترامها لقوانين الصراع العلمية، وفي مقدمتها شرطية العمل على بناء حركة التحرر الوطني لخوض معركة المصير جنباً إلى جنب مع سوريا، وهو ما يحقق الانتصار النهائي على معسكر الأعداء في الداخل وفي الخارج، هذه المقولة البأسة تذكرنا بمقولة الأحزاب الشيوعية العربية التي اعتقدت “بحتمية انتصار المنظومة  الاشتراكية على المنظومة الرأسمالية” في الصراع العالمي الدائر بين المنظومتين ، ونتيجة لذلك سيتحقق تحررها هي بذاتها من سلطة الامبريالية، ولم تفهم شرطية واجبها ودورها في هذه المعركة، أي ما تقدمه هي ذاتها من روافع لضمان الانتصار النهائي على المعسكر الرأسمالي، بحسب قدراتها.

ملاحظة لا بد منها، أن البرجوازية الصغيرة ليست شريحة متجانسة فهي تضم في صفوفها الأنتلجنسيا الثورية المنتمية الحساسة والمنحازة بدون قيد أو شرط لقضايا الوطن ولمصالح الكادحين والمنتجين وللقيم الإنسانية النبيلة، وهي بوصفها هذا تمقت التخلف والظلم والاستغلال وتناضل بحزم ضد القوى الظلامية في الداخل وضد هيمنة واستغلال المركز الرأسمالي العالمي في الخارج، وهي بهذه الميزات تعتبر جزء أساسي من مكونات حركة التحرر الوطني بالإضافة إلى ممثلي الشرائح الوطنية الكادحة والمنتجة، وهي في الوقت ذاته، تشكل اللاصق الاجتماعي لمكونات حركة التحرر.

حل معركة التناقض التناحري من قبل حركة التحرر الوطني ولصالح مشروعها يتطلب الاعتماد على الذات أولا وثانياً وثالثاً ، من خلال حشد وتسليح كافة الشرائح الوطنية الكادحة والمنتجة في المعركة المصيرية ضد المركز الرأسمالي العالمي واتبعه من صهاينة وعرب، حيث أثبتت التجربة بالملموس وعلى الأرض بفعالية هذا النهج في النبل والزهراء والفوعة …الخ ، التي صمدت على مدى السنوات بالرغم من الحصار المطلق المفروض عليها من قبل المسلحين ، ويتطلب – حل التناقض –  القضاء على مصالح قوى التبعية في الدولة وفي السوق وفي صفوف المعارضة، ويتطلب أيضاً إعادة الاعتبار لنهج تنمية قوى الإنتاج الوطني وبناء الاقتصاد الوطني المنتج المستقل، كدعامة أساس ورئيس لا غنى عنها في معركة المصير الدائرة على الأرض، والقضاء على آفة الفساد وجشع الاحتكاريين.

الدفاع عن سوريا واجب وطني والدفاع عن مصالح الكادحين والمنتجين ركيزة الانتصار وشرطه.

مشروع الهيمنة المعلن من قبل المركز الرأسمالي العالمي قائم على أربع قواعد أساسية:

1. تفكيك الدول وتفتيت المجتمعات لإعادتها إلى عناصرها البدائية الطائفية والمذهبية والإثنية والعشائرية والقبلية.

2. الانتقال من مشروع سايكس – بيكو الذي حكمه قانون فصل الكثافة السكانية عن تمركز الثروات الطبيعية، إلى مشروع فرساي الذي يحكمه قانون تفتيت الكثافة السكانية على أساس العناصر البدائية، المجاميع،

3.  مأسسة المجاميع وخلق مشاريعها الوهمية المتناقضة فيما بينها في الوقت ذاته تكون  جميعها تابعة إلى خالقها المركز الرأسمالي، أي خلق تناقضات وهمية فيما بين هذه المجاميع وتوحيد تبعيتها وإخضاعها لقرار المركز الرأسمالي، وجعلها أدوات موحدة في الوظيفة ومختلفة في الأسلوب والنهج وموحدة في التبعية: لبرالية دينية قبلية أثنية …الخ

4. تعميم صناعة القبول وثقافة القطيع، تزيف الوعي الجمعي وصولاً لقبول لا بل الدفاع المستميت عن بنية المجاميع البدائية، وحروبها العبثية، بحجة الدفاع عن مصالح هذه المجاميع، التي هي في الواقع وفي الحقيقية عناصر معطلة لبناء الدولة الوطنية المنتجة المستقلة، ويتم توظيف النخب التابعة والإعلام التابع لتنمية منظومات المجاميع التابعة وثقافاتها.

5. تفتيت مشروع النضال الوطني وتجزئته إلى عناصر غير مترابطة.

 

” كلكم للوطن والوطن لكم “