المقاومة من أجل ما يجب أن يكون !

ثريا عاصي

يصعب على المرء أن يتخيل في السنة السادسة للحرب الإمبريالية على سورية، وفي السنة الثلاثين من عمر المقاومة اللبنانية، ان الغاية من التصدي للمعتدين هي العودة بالأوضاع السياسية والإجتماعية والقانونية إلى ما كانت عليه قبل الغزو أو الإحتلال أو الحرب! بكلام صريح وواضح، ان ما يجلب السخرية ويدعو للأسف هو أن تسمع أحدهم «يأمر الناس» قائلاً أن ترجمة تأييد «المقاومة ضد الإحتلال الإسرائيلي» هي في الإقتراع لصالح فلان في الإنتخابات البلدية وفي عدم الترشيح للمنصب الذي يريد هذا الأخير الوصول إليه في المجلس البلدي ! كأن المقاوم قاوم والجندي قاتل من أجل أن يحتل فلان منصباً في المجلس البلدي، أو من أجل أن يصير نائباً «ممدداً» أو «وزيراً»!
لا حرج في القول أن التضحيات التي بذلت والدماء التي أهرقت أثناء الحروب اللبنانية لم تؤت ما كان من المأمول تحقيقه . لا أظن أن الكيان الوطني اللبناني اكتسب صلابة ومعنى نتيجة لتلك الحروب، التي لم ينتصر فيها في الواقع إلا الإسرائيليون الذين استطاعوا محو ظاهرة «المقاومة الفلسطينية» في لبنان. كما انتصر فيها أيضاً بعض الأشخاص الذين تمكنوا من الحلول مكان زعماء سابقين كانوا بحسب رأيي، أقل جشعاً وأفضل خُلقا.
لو سألت مواطناً في لبنان عن رأيه بما جرى منذ 1975 وحتى الآن، لأجابك في اعتقادي، أن الأمور سارت من سيىء إلى أسوأ. وربما أضاف أن المجتمع الوطني تحلل إلى أقصى درجة بحيث صار من شبه المستحيل إعادة تجميع الأجزاء المتباعدة، المتنافرة، التي يتجاهل بعضُها بعضاً.
قد لا يعرف الناس في لبنان إلى أين سيؤدي المنحدر الذي دخلوا فيه عنوة أو اختياراً. ولكن الغريب في هذه المسألة هو أن غشاوة كثيفة ما تزال تحجب الأسباب التي أوصلت إلى الحرب من جهة والتي حالت دون الكشف عن الجهات المسؤولة عن إجهاضها من جهة ثانية، بحيث تبقى النار تحت الرماد. كأن القصد منها هو سفك الدماء وتهديم العمران وتفكيك الدولة. بمعنى آخر كأن غاية هذه الحرب هي جعل لبنان عقيماً قاحلاً ثقافياً، وطنيا وقومياً.
في الحقيقة لا يهمنا كثيراً، في هذه الظروف الحرجة في لبنان وسورية والعراق، أن نقارن بين «السلطة البلدية» في بلدة لبنانية، قبل الحرب وبعد توقفها. من نافلة القول، ان الأحوال ساءت في ظل قوى الأمر الواقع، التي اقتسمت البلاد فيما بينها، طائفياً ومذهبياً إلى مقاطعات خاضعة لنفوذها. بتعبير آخر، إن «الثورة» في لبنان وهي بحسب رأيي أحق من «الثورة التونسية» بلقب «رائدة الثورات العربية الربيعية» هي كمثل المشي قهقرى، إلى الوراء در. ونحيب على «الزمن الجميل». ما قبل «الثورة» يكون عادة أفضل مما يأتي بعدها.
تحسن الملاحظة في هذا السياق، ان هناك أوجه شبه كثيرة بين «الثورات» التي نشهدها في بعض بلاد العرب من جهة وبين الحروب التقليدية التي خاضتها الدول في هذه البلاد الأخيرة ضد الإستعمار الإسرائيلي من جهة ثانية. نتيجة الصراع معروفة سلفاً، عندما يفتقد أحد الطرفين، العقيدة والوعي والوسيلة والأسلوب.
أصل بعد هذا كله إلى المسألة السورية. وهذه من وجهة نظري هي المسألة المحورية في نضال حركة التحرير الوطني ضد تشعـُّب الإستعمار الإستيطاني الإسرائيلي في فلسطين. فما أود قوله هو أن على السوريين حتى ينتصروا على أعدائهم وحتى يفضحوا كذب وخداع المثقفين السوريين واللبنانيين الإنتهازيين، وهم كثيرون، أن عليهم ان يتشبعوا من فكر التحرير الوطني وأن يمتلكوا الوعي بما يمثله الإستعمارالإستيطاني العنصري وأن يعملوا على إبتكار وسائل وأساليب للنضال من أجل التحرير والتحرر تلائم بيئتهم وثقافتهم وقدراتهم.
ووضعاً للأمور في نصابها الصحيح يتوجب القول أن التسليم بأن الامبريالية الأميركية ـ الأوروبية كانت تتربص بسورية وتتحين الفرصة للإنقضاض عليها، كما فعلت في العراق وليبيا، لا يمنعنا من الإعتراف بأن الأوضاع السياسية والإجتماعية والإقتصادية، لم تكن على ما يرام. يستتبع ذلك انه من المستحسن أن يشعر السوريون وأن يلمسوا أن الدرس قد حـُفظ جيداً وان التضحيات لن تذهب سدى.
ينجم عنه أن صورة سورية الجديدة، سورية الوطن والعروبة، الوفية للشهداء، التي تبعث الأمل، تظهر للمواطن السوري من خلال الإدارة وفعاليات الحركة الشعبية في المناطق التي ما تزال في كنف الدولة السورية . من المفروض أن تكون هذه الصورة قد تبدلت عن تلك التي عرفناها قبل الحرب. بكلام أكثر صراحة ووضوحاً إن تحرير سورية يتطلب تشكيل جبهة تحرير وطني أو حكومة تحرير وطني، تتمثل بلجان وطنية من أجل التحرير، في كل بلدة أو حي، تعنى بشؤون الناس، العمل، الزراعة، التموين، التجارة، الأسعار، الطبابة، التعليم، التربية، التعبئة، والتجنيد!
وحدها حكومة تحرير وطني تسلك سياسة تستوحي المساواة والأخوة والعدل والنزاهة إنطلاقاً من وحدة المصير، قادرة على إقناع الناس بأن الوطن ضرورة وجودية وعلى توحيدهم واستنهاضهم من أجل استرداد بلادهم! لا معنى للمقاومة من أجل الذي كان .. شرف المقاومة انها من أجل ما يجب أن يكون !

:::::

“الديار”