ملاحظات للمشروع العروبي

عادل سماره

 

الجزء الثاني

 

“الخروج” الأمريكي وضرورة المشروع العروبي

بغض النظر عن دقة الحديث عن “خروج” العدو الأمريكي من الوطن العربي أم لا، فمن المناسب كلمة في المقدمات المحلية التي أوصلته إلى ذلك. لأن هذا القرار بغض النظر عن مداه ليس وليد لحظته بل نتيجة صيرورة ما تعود إلى الصراع بين حركة التحرر العروبي وبين تمفصلات سايكس-بيكو.

وهو الصراع الذي اتخذ في الوطن العربي معسكرين محليين وحليفين خارجيين:

  • معسكر او منحى التطور المستقل للجمهوريات العربية ذات التوجه القومي التقدمي وإلى حد ما العلماني (مصر سوريا العراق، اليمن ، ليبيا والجزائر) بغض النظر عن التفاوت الزمني لدخول كل من هذه الجمهوريات في هذا السبيل.
  • ومعسكر او منحى التبعية للمركز الراسمالي الغربي تحديداً وهي الأنظمة الملكية  والصحراوية وموئل السلفية الدينية وزعم القرابة لبيت النبي ولاحقا النفطية. ( السعودية ومختلف كيانات الجزيرة العربية والمغرب والأردن) (يمكن الرجوع تفصيلا لكتابي دفاعا عن دولة الوحدة)

والحليفان أي:

  • الحليف الاشتراكي للمنحى الأول
  • والحليف الرأسمالي الاستعماري للمنحى الثاني

من نتائج الصراع بين الثورة العالمية والثورة المضادة، كان تفكك المعسكر الاشتراكي الأمر الذي جعل مأزق المنحى القومي التقدمي حرجا ووضعه هشاً ذلك لأنه فقد أحد مرتكزي بقائه وهما:

  • اعتماد الدولة الجمهورية على الحماية السوفييتية من عدوان غربي رأسمالي مباشر،
  • واعتمادها على القوة الأمنية لتثبيت نفسها داخلياً.

بالمقارنة مع المنحى التابع، فإن انتصار الراسمالية العالمية بعد تفكك الاتحاد السوفييتي منح أنظمة التوابع بقاء واستمرار الضمان الخارجي المفتوح كما حافظت بالطبع على البنية الأمنية القمعية بكل ما بها من سطوة.

 كانت هزيمة 1967،  هي التي اسست لضعف المنحى القومي التقدمي في عدم تحرير فلسطين، رغم تقدمه على المنحى الآخر في الاستقلال والتنمية والحريات  التي لم تعهدها معظم انظمة المنحى الثاني وخاصة في الجزيرة العربية ورغم ان المنحى الثاني لم يساهم في النضال القومي بل ضده.

وعليه، يمكننا ملاحظة ثلاث مراحل في تفوق معسكر التبعية على معسكر الاستقلال والتنمية والعروبة وهي التي ساهمت في الـتأسيس للخروج النسبي الأمريكي من الوطن العربي.

  • هزيمة 1967 التي طالت الأنظمة كما طالت القوى الحزبية القومية والشيوعية التي وقعت في خطيئة الانسحاب إلى الداخل كمهزومة بل مستدخلة للهزيمة وليس الانسحاب التكتيكي لإعادة تجميع الصفوف.
  • ازمة الطفرة النفطية التي زودت انظمة الخليج بالقوة المالية التي اعتمادا عليها انفقت اموالا هائلة لتخريب الوعي الجمعي الذي صار يتيما بعد انسحاب القوميين والشيوعيين، ووضعت مختلف الأنظمة العربية الأخرى بحاجة لأموالها الأمر الذي دفعها إلى واجهة السياسة الرسمية العربية. وعليه، فطالما الشارع إما معها أو ليس ضدها، فقد استفادت من هذه الهدنة وتمت التغطية على تبعيتها للأجنبي، بل هي التبعية التي غدت وكأنها امر عادي أو قدرا. وخلال هذه الفترة تم تقويض الناصرية واحتلال العراق.وهذا مهد للمرحلة الثالثة.
  • وهي خروج حكام الخليج العدواني المباشر ضد الجمهوريات وهو ما تجلى في ما يسمى الربيع العربي وتجسد ضد ليبيا وسوريا واليوم العراق ايضا.

هذا العدوان نيابة عن الإمبريالية والصهيونية، وانخراط هذه الأنظمة عمليا في كامب ديفيد، يفيد بان امريكا توصلت إلى قناعة بأن هذه المراحل الثلاثة قد أجهزت على المنحى الأول الذي لم يبق منه سوى سوريا وأنه صار بإمكان امريكا الاعتماد على تيار التبعية بوجهه القيادي الطائفي السني للسيطرة تماما بل تصفية القومية العربية مقودا بالكيان الصهيوني متحالفا مع العدو العثماني ومحافظاً على أمن الكيان ومصالح الغرب عموماً. وهو ما أتى باحتمال الخروج النسبي الأمريكي من الوطن العربي بمعنى انه انتقل من حماية التوابع إلى تقويتها إلى الاعتماد عليها.

وهذا يفيد بأن قرار ونسبة خروج العدو الأمريكي مرتبط بنتائج الصراع في سوريا وعليها، وهذا يفتح بالطبع على وجوب المقاومة في سوريا ومدها إلى الشارع العربي بأي شكل وثمن.

وعليه، فإن المشروع العروبي، بل الوجود العربي اليوم على المحك لأن اللحظة فاصلة، فإما الانتصار وإما  مرحلة من البهيمية والفاشية والبربرية ضد الشعب العربي بأسره على أن يكون هو القاتل والقتيل.

لم يعد الأمر علمانية أم لا، اشتراكية أم لا، تمكين، مساواة تحرر المراة أم لا، بل وصل حد أن تبقى أم لا.

مرة ومرات، تساؤلي هنا متعلق بما يُشاع عن خروج العدو الأمريكي من المنطقة، من الوطن العربي. هل هو خروج فعلي/ وهو ما لم يعتد عليه الاستعمار حتى المخلوع بالقوة التحريرية، فكيف باستعمار تستدعيه الطبقات الحاكمة كما هو حال معظم الوطن العربي؟ هل هو خروج نسبي؟

وهذا الاحتمال الأوفر حظا.

لكن ربما السؤال الأكثر إلحاحاً هو: لماذا الحديث عن هذا الأمر هذه الفترة؟ هل الأمر متعلق بتعزيز العدوان ضد الصين؟ هل يتعلق الأمر بحرب العدو الأمريكي ضد القطبيات الصاعدة البريكس حيث تمكن من كسر جناح البرازيل وأكثر من نظام تقدمي في امريكا اللاتينية،  والضغط على روسيا، أما جنوب إفريقيا فغارقة في تمرير الفساد الرسمي؟

نعم يتعلق الأمر بكل هذا. ولكن في الحالة العربية هناك ما يجب قوله.

لم يكن الوطن العربي في القرن الماضي بلا حروب داخلية، سواء معلنة بالسلاح أو مُضمرة بالخطاب. وتثبيتا، لما طرحته أعلاه، فقد تمكن العدو الرأسمالي الغربي خلال النصف الأول من القرن العشرين من فرض وتثبيت أنظمة حكم تابعة تجزيئية قطرية متخلفة ومتواطئة. لكن شهد الربع الثالث من ذلك القرن ظهور التيار القومي في الوطن العربي وتمكنه من قيادة الساحة وتحدي الأنظمة التابعة ومواجهة الاستعمار. أي ان المنحى القومي التحرري أو الأول تمكن من قيادة الوطن العربي.

لكن هزيمة 1967 ومن ثم هزيمة الناصرية سياسيا واجتماعيا في مصر، قلبت المعادلة وبدأ معسكر الثورة المضادة في الزحف التدريجي لقيادة الأمة العربية إلى الهاوية التي نراها اليوم.

صحيح أن انتصار المنحى التابع/العميل كان بلا صخب وتدريجي، لكنه حقق  انتصارا لا يخفى.

وعليه، فقد انتقل هذا التيار  او المنحى من الانتصار الهادىء والتحتي إلى الهجوم المفضوح واللامحدود محولا الصراع في الوطن العربي إلى حرب بالوكالة ضد الوطن والشعب معاً. ومن المثير للحنق أن بعض المثقفين من الطابور السادس الثقافي يتغزلون بهذه الوضع تحت شعار “عقيدة أوباما” حيث يغسلون هذا الوحش بانه ليس تدخليا مباشرا، ناسين بأنه الأشد خطرا حيث حول الحرب إلى خسائر تامة عربيا وربح تام غربياً وصهيونياً.وكأن هؤلاء يقرؤون الأمر من مدخل هل القاتل امريكي مباشرة أم لا!

وإذا كان بوسعنا قبل 30 سنة الكتابة بأن الأنظمة الحاكمة في الوطن العربي تخوض عدوانا اي حربا أهلية ضد الشعب في القطر الواحد كل على حدة، فإن سنوات “الربيع العربي” بل ربيع أوباما أعادت إلى الأذهان الصراع بين منحيّيْ التطور والسياسة في الوطن العربي ليكون صراعا متجاوزا للحدود القطرية بل عدوان من وعلى اقطار بأكملها تاخذ حد الإبادة.

لا بل ان العدوان على العراق ثم ليبيا ليست سوى مقدمات متواضعة للمجزرة ضد سوريا.

وهي مجزرة ضد الأمة بأكملها تستهدف راس المقاومة عامة وكل من لا يدخل في حظيرة القطيع التي أعدتها الإمبريالية الأمريكية واعطت قفلها للصهيوني. بل إن دخول السعودية كامب ديفيد يبين أن جبهة تصفية الوجود العربي قد أعلنت عن نفسها حيث قلَّد حكام النفط للكيان قيادة معسكر الصهيونية العربية للكيان الصهيوني وللصهيونية الخليفية العثمانية. فلم يعد هناك ما يُخفى.

 وهذا ما يطرح وجوب العمل على أن تصبح المقاومة راس حربة المشروع العروبي الوحدوي يحتضنها حزب عروبي شامل.