«داعش» أم بلاك ووتر؟

ثريا عاصي

كان للوكالات الأمنية في العراق دور كبير في مجال الأمن والقمع والإرهاب عندما كانت هذه البلاد تحت نير الإحتلال الأميركي مباشرة. إذ بلغ عديد الجيوش الخاصة في العراق، التي كانت مستأجرة من جانب الإدارة الأميركية حوالى 137 الفاً، من جنسيات مختلفة، منهم عشرون ألفاً من الأميركيين. هؤلاء هم في غالبيتهم، عسكريون متقاعدون، تحولوا إلى مرتزقة دوليين . يستخدمهم التحالف الأميركي العسكري ـ الصناعي في عملياته اللاشرعية، الإجرامية حيث تقتضي مصالحه في البلاد الفقيرة. ربما يكون أصل تسميتهم «كلاب الحرب» نابع من الوظيفة المنوطة بهم.
ذاع في العراق بشكل خاص، صيت الوكالة الأمنية، «بلاك ووتر»، التي كان عناصرها يشرفون على سجن أبو غريب، الشهير، لما جرى فيه للسجناء العراقيين من معاملة يندى لها جبين الإنسانية، التي تدل بصورة قاطعة على أن النازية بما هي في جوهرها عقيدة عنصرية فاشية تنتشر في هذا الزمان كمثل الوباء في البلاد المتقدمة و«الديمقراطية» بحسب ظاهر الأمور. من مآثر «بلاك ووتر» أيضاً اقتحام مدينة الفلوجة العراقية بوحشية لا تضاهيها إلا همجية المستعمرين الإسرائيليين في قطاع غزة، واستخدام ذخائر الفوسفور الأبيض ضد أهلها. كان أل سعود آنذاك إلى جانب «بلاك ووتر» فلم يرفعوا صوتهم احتجاجاً، بالضد مما يفعلونه منذ أيام دفاعاً عن «داعش» في الفلوجة. يحسن التذكير في هذا السياق أن عناصر «بلاك ووتر» فتحوا في 16 أيلول 2007، نيران أسلحتهم على المارة، في ساحة النسور في بغداد فقتلوا 28 عابراً مدنياً. يقول بعض العراقيين الذي تعاونوا مع الغزاة، هذا غيض من فيض!
هذه توطئة تسمح لنا بأن نطرح للنقاش فرضية تفيد بانه ليس مستبعداً أن تكون الولايات المتحدة الأميركية «استأجرت» جيشاً من المرتزقة، العرب وغير العرب، جندته وكالة أمنية كمثل «بلاك ووتر»، تناهى إلى العلم أن هذه الأخيرة وقعت عقوداً في بلدان الخليج النفطية، وأوكلت إلى هذا الجيش الخاص مهمة مساندة قوات «سورية الديمقراطية» ميدانياً مثلاً، في «تطهير» منطقة الجزيرة السورية من «داعش»، كما يزعم قادة هذه القوات الديمقراطية الذين يعترفون بأن جنوداً من القوات الخاصة الأميركية يقاتلون في صفوفهم، تحت مظلة جوية أميركية. لماذا تلائم الديمقراطية الولايات المتحدة الأميركية في سورية، ولم تلائمها في تشيلي؟ ربما لأن هذه الأخيرة لم تكن مضمونة من أل سعود ومن العثمانيين الجدد، أو بالأحرى لم يباركها الأخوان المسلمون ومفتو الوهابية ـ الحنبلية!
أظن أن المنطق يجيز لنا أيضاً إقتراح فرضية ثانية، للنقاش، فحواها أن «داعش» احتلت الموصل دون أن تلقى أية مقاومة. يقال أن الجيش العراقي، الجديد الذي تم أعداده على أيدي جنرالات أميركيين انسحب من الموصل قبل وصول الطلائع الداعشية. صارت الجيوش والأجهزة الأمنية العربية تتلقى التدريب والتأهيل تحت إشراف جنرالات أميركية . هذا على ذمة وسائل الإعلام التي أنبأت بأن عدداً قليلاً من عناصر «داعش» دخلت الموصل، حيث استولوا على كميات كبيرة من الأسلحة والأموال. واجتذبوا إلى دعوتهم جنوداً وضباط من الجيش العراقي!
من البديهي اننا لسنا مضطرين إلى منح وسائل الإعلام المذكورة مصداقية مطلقة. ولكن لا مفر من التسليم بأن «داعش» تحولت بعد إحتلال الموصل إلى قوة مخيفة في العراق وسورية ولبنان. وخارج هذه الرقعة أيضاً، في فرنسا وفي بلجيكيا، حيث يوجد عدد كبير من المهاجرين من أصول مغاربية. استطاعت «داعش» إحتلال مناطق شمال غربي العراق وغربه وتمددت إلى منطقة الجزيرة السورية حيث سيطرت على الرقة ودير الزور وصولاً إلى الحدود السورية ـ التركية.
كان مشهد عسكر «داعش»، الملتحين الملثمين، شبه الحفاة، بقمصانهم الأفغانية السوداء، وأرتال مركباتهم اليابانية الصنع، وراياتهم السود، وصور جرائهم البشعة، مثيراً للحيرة والريبة . إذ كيف يتراجع الجيش ويخسر مواقعه أمام عصابات تبدو في ظاهر الأمر كأنها عائدة من عصور غابرة. وما يزيد الإندهاش إلى حد الذهول هو أن الطائرات الأميركية تراقب كما يبدو مجمل المشهد، هنا تلحظ «الحلفاء والأصدقاء» يمدون «داعش» بالأموال والعتاد، ويشترون منها النفط، وهنا تمنع «داعش» من مواصلة التقدم، وفي مكان آخر، في دير الزور على سبيل المثال، تقصف مواقع الجيش تمهيداً لانتشار «داعش».
والغريب في هذه المسألة، أن الخبراء والمحللين «العسكريين»، لا يشرحون للقارئ أو للمشاهد، كيف يستطيع «داعش» طيلة سنتين أو أكثر من الحرب، تأمين الصيانة والذخيرة لمعداته العسكرية الثقيلة فضلاً عن ضرورة تجديد الدبابات وقطع المدفعية، دون مساعدة تأتيه من البلاد المجاورة، أو من الجو، برضى الولايات المتحدة الأميركية؟ هل يكفي أن نسمع من وقت إلى آخر، ان الطائرات الاميركية أغارت على مسؤول داعشي، أو على حقيبة مملوءة بالدولارات تعود لـ «داعش»، لكي نصدق ان «داعش شيء والولايات المتحدة الأميركية شيء آخر»، وان الولايات المتحدة الاميركية لم «تستأجر» في سورية خدمات وكالة «بلاك ووتر» كما فعلت في العراق؟

:::::

“الديار”