سوريا- اقتصاد الإرهاب و”الدراسات” الْمَسْمُومَة

الطاهر المُعِز

دأبت بعض مراكز الدراسات والأبحاث (المزعومة غالبا) على نشْر “تحاليل” ممْهُورَة بأسماء أساتذة جامعيين وباحثين في مراكز ووظائف مرموقة، بِهَدَفِ تبْرِير سياسات الإستغلال الطبقي (للشركات متعددة الجنسية) أو العُدْوان الإمبريالي أو تأْيِيد موقف عُدْواني، اعتمادًا على “دراسات” مدفوعة الأجر لِباحِثين حقيقيين، لكنهم مأجورين وعلى استعداد دائم لخدمة رأس المال والإستعمار…

نشرت وكالة “طومسون -رويترز” يوم الثاني من حزيران 2016 مُلَخَّصًا لدراسة أنجزها “مركز دراسة (أو تحاليل) الإرهاب”، وهو مركز نَكِرَة، لكن الدراسة تحمل توقيع ثمانية باحثين، أَيَّدُوا كل الأكاذيب التي أوردها الجيش الأمريكي وحلفاؤه منذ أكثر من سنتين بخصوص ما يحدُثُ في سوريا (والعراق بشكل ثانوي)، وادّعى التقرير “إن الضّربات المُتتالية للتحالف الدولي أتت أُكْلَها، فتقلصت الأراضي التي يسيطر عليها تنظيم “داعش” بنسبة 25% بينما تقلّصَت الموارد بنسبة 16% من 2,9 مليار دولار سنة 2014 إلى حوالي 2,4 مليار دولار سنة 2015…

تتجاهل هذه “الدراسة” ذِكْرَ الجيش السوري (وحلفائه) والقصف الرُّوسي الذي كان ناجعا ضد “داعش” بعد أن تَوَسَّعَ نُفُوذ الإرهاب تحت القصف الأمريكي وارتفعت موارده وتطورت أسلحته وتكتيكاته العسكرية وإدارة مواردِه، ما يُشير إلى وجود قوى كُبْرى وراء “داعش” (مثل الخبراء الأمريكيين ومُرْتَزَقة “بلاك ووتر”)

تُشِيرُ مصادر أخرى مُخْتَلِفة ان النفط يمثل 25% والغاز 15% من ميزانية “داعش”، أكبر تنظيم إرهابي في العراق وسوريا، وأدى انخفاض أسعار النفط وقصف الطائرات الروسية للبنى التحتية النفطية إلى انخفاض إنتاج النفط من 33 ألف برميل يوميا منتصف 2015 إلى 21 ألف برميل يوميا بنهاية آذار/مارس 2016، وانخفضت الإيرادات من بيع النفط بنسبة 40% من نحو مليار دولار إلى 600 مليون دولار، وانخفضت إيرادات الغاز بنسبة 30% إلى نحو 350 مليون دولارا، واضطرت قيادة الإرهابيين إلى خفض الرواتب بنسبة 50% وزيادة الضرائب و”الزكاة” والغرامات على حوالي ستة ملايين شخص يعيشون في مناطق سيطرة الإرهابين، وخصوصا غير المُسْلِمِين، وخَسِرَ “داعش” مناجم الفوسفات جنوب “تدمر” التي استعادها الجيش السوري (بمساعدة الطيران الروسي)، وخَسِرَ بذلك نحو 250 مليون دولارا (أو حوالي 10% من موارده)، وتُسَوِّق التنظيمات الإرهابية المواد الأولية والإنتاج الزراعي في مناطق سيطرتها وفي تركيا والأردن ولبنان، بدعم ظاهر أو خفي من الحكومات، إضافة إلى المُتاجرة بالبشر (بيع النساء الأسيرات) والمخدرات والآثار المنهوبة من المواقع السورية والعراقية التي احتلتها، ومن بيع الكهرباء، وارتفعت إيراداتها من هذه الموارد من 16% من إجمالي الموازنة سنة 2014 إلى 38% من إجمالي الموازنة سنة 2015…

ورد في دِراسة أخرى نَشَرَتْها شركة (آي إتش إس) الأمريكية (مكتب تحاليل ودراسات) في شهر نيسان/ابريل 2016 ان العائدات الشهرية لتنظيم “داعش” انخفضت من 80 مليون دولارا شهريا منتصف سنة 2015 إلى 56 مليون دولارا شهريا في شهر آذر/مارس 2016 وانخفض عدد السكان في المناطق التي يحتلها بنحو الثُّلُث، وتراجعت مساحة سيطرته بنسبة 22%، وتدّعي مُخْتَلَفُ هذه الدراسات ان الفضل في هذا التراجع يعود إلى القصف الأمريكي

استنتاجات أهملتها الدراسات الأمريكية و”الغربية”:

بدأ القصف الأمريكي-الأطلسي دون موافقة الحكومة السورية، ما يُعْتَبَرُ عُدْوانًا عسكريا على سوريا (والعراق)

بعد نحو 15 شهر من القصف المُتَكَرِّر للتحالف الأمريكي الأطلسي تعاظمت قوة “داعش” وتَدَعَّم نفوذه في سوريا وفي العراق، وكثيرَا ما ألقت الطائرات الأمريكية “بالخطأ” أسلحة متطورة في المناطق التي يسيطر عليها الإرهابيون

دَمَرَت الطائرات الأمريكية البنية التحتية ومحطات توليد الطاقة والجسور والسدود والأراضي الزراعية وقتلت آلاف المدنيين (اعترف الجيش الأمريكي بقتل نحو 500 “مدني”)

قصفت طائرات العدو الصهيوني مواقع الجيش السوري كُلَّما اقترب من أهداف استراتيجية للتنظيمات الإرهابية التي يُعالج العدو الصهيوني مُصَابيها في مُسْتَشْفَيَات فلسطين المُحْتَلَّة

خسر تنظيم “داعش” مؤخرا مناطق استراتيجية بفعل الهجوم المُعاكس للجيش السوري بمساعدة حلفائه (روسيا وإيران وحزب الله اللبناني وغيرهم)

تغيرت تكتيكات الإمبريالية الأمريكية بعد تحرير “تدمر”، فارتفع عدد خبراء الجيش الأمريكي على الأراضي السورية (دون موافقة الحكومة السورية) وأصبحت الإمبريالية الأمريكية تستخدم الأقليات، وفي مُقَدِّمَتِهم الأكراد للقتال نيابة عنها (بأسلحة ودعم أمريكيين) واستباق الجيش السوري للسيطرة على مناطق استراتيجية مثل منطقة “الجزيرة” ومحافظات “الحسكة” و”الرقة” و”دير الزُّر”، حيث النفط والغاز والحبوب، إضافة إلى قربها من العراق وتركيا، وأنشأ الجيش الأمريكي قاعدتين عسكريتين في المناطق التي احتلها الأكراد، فيما كثفت السعودية وأخواتها من إرسال الأموال والسلاح الأمريكي المتطور (مثل صواريخ “تاو” الأمريكية) إلى منظماتها، خصوصا في ريف حلب وفي الجنوب (الغوطتين وريف دمشق ودرعا)

سوريا مُخْتبر للعلاقات الدولية:

وجب التذكير ان المخطط الأمريكي طويل المدى ولو نجح ستكون هذه مرحلته الأولى، وما انفك قادة الجيش الأمريكي يكَرِّرُون ان الحرب ضد الإرهاب ستدوم ثلاثة عقود، ما يؤكد على ضرورة إفشال هذه المرحلة من هذا المُخَطَّط الجَهَنَّمِي الذي سيعيدنا إلى ما قبل مرحلة الإستعمار المباشر وإلى ما قبل التقسيم الإستعماري البريطاني-الفرنسي (اتفاقيات “سايكس-بيكو” 1916، مباشرة قبل “وعد بلفور” 1917)

بعد التدخل الروسي الذي يرمي إلى تَبَوُّأ مكانة في المفاوضات الدائرة في جنيف أو في فيينا، اتفقت أمريكا وروسيا على تقاسم النفوذ في سوريا وتقسيم البلاد وتَفْتِيتِها

أكّدَ الموقف الروسي ضرورة التعويل على القوى الذاتية قبل أي دعم خارجي، إذ أعلنت حكومة روسيا بوضوح ومنذ البداية انها تدافع على مصالحها، وسحبت طائراتها من ساحة المعركة لما اعتقد حُكَّامُها انه يمكنهم التفاوض مع أمريكا من موقع أفْضَل، لتخفيف العقوبات والحظر ومُقايضة سوريا ب”أوكرانيا”، ومن جهة أخرى تدعم حكومة روسيا مع الولايات المتحدة بعض الفصائل الإرهابية منها ما سميت “قوات سوريا الديمقراطية” وما سمي “الجيش الحر” التي لا تختلف أهدافها عن أهداف باقي الفصائل الإرهابية، فيما تدعم أوروبا وأمريكا “جبهة النصرة” (فرع “القاعدة” في سوريا)، بل نشطت حكومة روسيا (رغم التكذيب المائع) في إعداد دستور يُشَرِّعُ تفتيت البلاد على أسس عشائرية وطائفية ويُنْكِرُ على سوريا عُرُوبَتَها وحقها في استرداد أرضها المُحْتَلّة، تَوَدُّدًا للإمبريالية الأمريكية كي تُخَفِّفَ الضغط الإقتصادي والعسكري على حدود روسيا (في بولندا ودويلات البلطيق وأوكرانيا وجورجيا وآسيا الوسطى…)، وبِشَكْلٍ عام فإن روسيا أظهرت تخاذلها في الدفاع حتى عن مصالحها القومية، خوفا من بطش أمريكا، فساندت القصف الأمريكي الأطلسي ضد ليبيا (رغم تعارض ذلك مع مصالحها) وامتنعت عن تسليم إيران منظومة صواريخ “إس 300” -التي سددت إيران ثمنها- خوفا من رد الفعل الأمريكي، رغم الطبيعة الدفاعية لهذا السلاح

أظهر سير المعارك على مدى أكثر من خمس سنوات ان تحالف النظام السوري مع نظام إيران وحزب الله والحزب القومي السوري الإجتماعي، هو تحالف مبدئي، بقطع النظر عن موقف كل منا من نظام إيران (نظام إسلام سياسي، رأسمالي، عنصري وتوسُّعي) وحزب الله، حزب ديني لكنه وطني مُقاوم قاد معركة تحرير جنوب لبنان وتطهيرها من الإحتلال الصهيوني الذي سحب جيوشه بدون شروط، وتُشَكِّل هذه القوى قوة مضادة للهيمنة السعودية الخليجية في الوطن العربي (في الوقت الراهن على الأقل)

بخصوص النظام السُّوري، لا زالت سوريا هي البلد الوحيد الذي يدخله العرب بدون تأشيرة، واستفادَ عشرات آلاف الطلبة العرب من التعليم المجاني في جامعات سوريا (وكذلك العراق خلال حكم حزب البعث) وكانت لهم نفس حقوق الطلبة السوريين، وكذلك الشأن للاجئين الفلسطينيين الذين لهم نفس حقوق وواجبات المواطنين السوريين…

محاولة تمييز “الخيط الأبيض من الخيط الأسوَد”:

من حقنا ومن واجبنا نقد السياسة الإقتصادية (الطبقية) للنظام السوري، خصوصا منذ بداية القرن الواحد والعشرين والتي أشرف عليها “عبد الله الدّرْدرِي” تحت عنوان “اقتصاد السوق الإجتماعي”، ومن حقنا ومن واجبنا التنديد بقمع وسجن المواطنين (غير العُمَلاء) ولكن من واجبنا مساندة الجيش السوري النِّظامي دفاعا عن وحدة الأراضي (رغم تقسيم “سايكس-بيكو”) في وجه العُدْوان الأمريكي-الخليجي-الصهيوني، ومن أجل تحرير الجولان المُحتل (والذي “مَنَحَهُ” أو تبرع به قادة الإخوان المسلمين والتنظيمات الإرهابية إللإحتلال الصهيوني)، وهي على أي حال مُساندة نَقْدِية وليست مُسَانَدة مُطْلَقَة، وتقْتَصِرُ هذه المساندة على المُهِمَّات ذات الطابع الوطني، ضد العدوان الإمبريالي الصهيوني الرجعي العربي (بقيادة صهاينة العرب أو عرب النفط)

بخصوص الأكراد، ذكرنا في مقال سابق ان وجودهم في سوريا حديث العهد، ولجأ أكثر من تسعة أعشارهم من تركيا أثناء حملات التقتيل والقمع الدموي ضد الأقليات في بداية القرن العشرين، وبقوا في منطقة حدودية بعمق خمسة كيلومترات داخل الأراضي السورية، إلى أن سَمح لهم جمال عبد الناصر أثناء الوحدة بين مصر وسوريا بالسكن في الأراضي السورية (سنة 1958) ولذلك كان النظام السوري يرفض منحهم الجنسية قبل التراجع سنة 2011 (يقدر عددهم حاليا بنحو 2,5 مليون نسمة مقابل 22,5 مليون في تركيا وستة ملايين في كل من العراق وإيران) وكانت سوريا تؤوي قادة حزب العمال الكردستاني المطاردين في تركيا، ولكن الحكومة أمرت بعض القادة ومنهم “عبد الله أوجلان” بمغادرة أراضيها تحت ضغط أمريكي وتركي، وفي مرحلة “شهر العسل” مع نظام الإخوان المسلمين في تركيا، حيث تنازل النظام السوري عمليا عن الأراضي السورية التي منحها الإستعمار الفرنسي إلى تركيا (لواء الإسكندرون) وفتح الباب على مصراعيه للشركات والسلع التركية، مجانا ودون مقابل… عقد قادة أكراد سوريا مجموعة من الإتفاقات مع الحكومة السورية، سرعان ما ناقضوها ونكثوا عهودهم بعد اتصالاتهم بالإمبريالية الأمريكية التي وعدتهم بالنسج على منوال عشائر أكراد العراق وتمكينهم من الإنفصال بعد تسليحهم، مع السيطرة على الموارد الطبيعية من نفط وغاز ومياه ومناجم، مُقابل قواعد عسكرية أمريكية على الأراضي التي يسيطرون عليها واحتكار الشركات الأمريكية لموارد المنطقة، وأظهرت التجارب ان الإمبريالية قادرة على “شِراء” قيادات الأقليات المُضْطَهَدَة والتلاعب بها وان هذه القيادات قادرة على خيانة شعوبها والتحالف مع الإمبريالية ولعب دور رِجْعِي يُناقض مصالح من يَدَّعُون تَمْثِيلَهم، وهو حال قيادات الأكراد في سوريا والعراق (مثل بعض القيادات الفلسطينية)، لذا فإن مواقف المُسَانَدَة تُبْنَى دائما (بدون استثناء) على أساس برامج ومواقف وممارسات من نَدْعُو إلى مُساندتِهم، وليس لِمُجَرَّد انهم يمثلون أقليات أو فئات مُضْطَهَدَة، وكم من حركة تحرر انقلبت إلى نظام استغلالي قمعي بعد الإستقلال، أو حتى قبله مثل قيادة منظمة التحرير الفلسطينية التي أصبحت تؤمِّنُ أمن المستوطنين، بدلا من جيش العدو

خاتمة:

دشّنت الإمبريالية مرحلة جديدة منذ انهيار الإتحاد السوفياتي وشكلت يوغسلافيا مُخْتَبَرًا لسياسة العدوان “غير المُبَرَّر” من أجل تفتيت الدول، بهدف السيطرة (مُنْخَفِضة الثمن) على كيانات صغيرة وقيادات عميلة، ثم قادت الجيوش الغربية بدعم الجامعة العربية (العِبْرِية) عدوانا ضد العراق في 1991، قبل احتلاله سنة 2003 بعدما أنهكته العقوبات والحظر والتقسيم (انفصال الأكراد في الشمال) وتقسيم السودان سنة 2005 (اتفاقيات الإنفصال التي أصبحت نافذة في تموز 2011)

منذ 2011 أصبح العدوان العسكري الخارجي يعتمد على قوى الإسلام السياسي المُسَلّح إيديولوجيا بنظريات الإرهاب وعسكريا بالسلاح الأمريكي، والمدعومة خليجيا بالمال والسلاح والمُرْتَزَقَة والإيديولوجيات الوهابية والسَّلَفِية، وتكتفي قوات التحالف الأمريكي-الأطلسي “الغربي” بالقصف الجوي وبتواجد الخُبَراء العسْكَرِيين وراء خطوط النار وبتزويد الإرهابيين بالمعلومات وبوسائل الإتصال الحديثة وتدريب المُقَاتِلين، ونجحت هذه الإستراتيجية في ليبيا ثم في اليمن وهي في طور التنفيذ في سوريا وقد تطال عديد البلدان العربية مثل مصر والجزائر، في حال ما نجحت هذه الاستراتيجية في سوريا، وهنا تَكْمُنُ أهمية إفشال هذا المخطط في سوريا، دون التعويل على حليف غير ثابت وغير مضمون مثل روسيا، وفي كل الحالات فإن الإمبريالية (الأمريكية أو الأوروبية أو غيرها) لا يمكن لها أن تكون نصيرا للشعوب وللفقراء والطبقة العاملة، ومما يُؤْسَفُ له ان تنظيمات “يسارية” مثل اليسار الألماني ومختلف الإتجاهات التروتسكية تساند العدوان الإمبريالي الأمريكي الأطلسي منذ العدوان على ليبيا إلى العدوان على سوريا، بل شارك بعض اليسار الألماني في القتال إلى جانب تنظيمات انتهازية كُرْدِية تحت قيادة الإمبريالية الأمريكية، ولا زالت أدبيات الأممية الرابعة (تروتسكية عالمية) تعتبر الإرهابيين المُغْرِقِين في الرجعية “ثُوَّارًا” ولم يُعْرَف عن اليسار الألماني مثلا نضالات تُذْكَر ضد الإضطهاد والإستغلال في ألمانيا، ولكنه أرسل مقاتلين ومقاتلات ضد الجيش النظامي في سوريا، كما لم يُعْرف عن هذا اليسار الأوروبي والأمريكي مُناهضة الصهيونية ومساندة حق الشعب الفلسطيني (واللاجئين منه بشكل خاص) في تحرير واسترجاع وطنه من الإحتلال الإستيطاني الصهيوني، وتُعْتَبَرُ القضية الفلسطينية مِقْيَاسًا لمدى جِدِّية أي منظمة تنتحل صفة التقدمية واليسار في العالم…