ماذا بعد التصويت البريطاني؟

د. ليلى نقولا

انعقدت قمة الزعماء الأوروبيين في بروكسل على وقع التشنج الذي فرضه تصويت البريطانيين الإيجابي للرحيل من الاتحاد، وكان رئيس الوزراء البريطاني المستقيل دافيد كاميرون مع نظرائه الأوروبيين في اجتماعهم في بروكسل،قد طلب تأجيل التفاوض والرحيل إلى ما بعد انعقاد مؤتمر حزب المحافظين، واختيار رئيس حكومة جديد،أي في نهاية العام الحالي، علماً أن البعض يشير إلى أنّ رئيس الوزراء الجديد قد يماطل، وأنّ طلب الرحيل بموجب المادة 50 قد لا يأتي.

وتماماً كما حصل مع اليونان في السابق، يحاول الأوروبيون تدفيع بريطانيا ثمن استفتاء ذهبت إليه لتحقق مكاسب سياسية وتجعل منه قوة ضغط على الاتحاد الاوروبي، وبالرغم من عدم إمكانية المقارنة بين البلدين، إلا أن التهاون مع بريطانيا سيغري العديد من الشعوب الأوروبية لتكرار التجربة البريطانية، وسيدفع “اليمين” في كل أنحاء أوروبا إلى المطالبة باستفتاء حول البقاء أو الرحيل منه، وقد لا يكون البقاء هو الخيار المفضّل لدى الشعوب الأوروبية التي تأنُّ تحت وطأة الإرهاب واللاجئين والأزمات الاقتصادية.

واقعياً، لم يهضم البريطانيون من البداية فكرة الاتحاد السياسي الأوروبي، بل شكّل لهم منذ الأساس مجرد فكرة اقتصادية، تسمح بتجارة حرّة، وسهولة تنقّل البضائع، ومنافع اقتصادية.. وخارج الاقتصاد لم يقبض البريطانيون كثيراً الإعلانات العاطفية التي روّجت لها كل من فرنسا وألمانيا، كفكرة “كلنا أوروبيون”، لذا لم يستطيع معسكر “البقاء” – بالرغم من كل الظروف التي أحاطت بالعملية، والتي خدمت قضيته، ومنها اغتيال النائبة المؤيدة للبقاءمقتل جو كوكس – الحصول على أصوات كافية لكسب المعركة، بينما خدمت ظروف متعددة مؤيدي “الرحيل” عن الاتحاد الأوروبي.

لم يكن معسكر الرحيل الفائز بالتصويت، أصلاً موحَّداً حول رؤيته لما بعد الرحيل، أو حتى في أسباب المطالبة بالرحيل، فكل له أهدافه، وكل له أسبابه للرحيل؛ منهم مَن كان يعلّق شمّاعة الأزمة الاقتصادية والبطالة على الاتحاد الأوروبي، ومنهم من انطلق من شعور قومي يرتكز على أولوية الدولة الوطنية، ومنهم من صوّت بدافع الخوف من اللاجئين والهجرة غير الشرعية والإرهاب، خصوصاً في ظل إحصاءات وتقارير تشير إلى أنبريطانيا هي الوجهة المفضَّلة للاجئين، وأن العديد منهم أعلن عن رغبتهم بالهجرة إلى بريطانيا والعيش فيها حتى بعد حصوله على الجنسية الألمانية أو سواها من الجنسيات الأوروبية.

ويشير بعض المراقبين إلى أن المجتمع البريطاني، كباقي المجتمعات الأوروبية وحتى الأميركية، بات يعاني من انعدام الثقة بين المواطنين والمسؤولين، وهو ما تجلّى في اعتكاف الشباب عن التصويت بكثافة؛ فقد أشارت الإحصاءات إلى أن فئات الشباب بشكل عام كانت أكثر ميلاً للبقاء من الكبار، لكن نسبة التصويت لمن يحقّ لهم الاقتراع من الشباب كانت متدنية جداً وقاربت الثلث، بينما وصلت نسبة التصويت بين الكبار إلى 75%، وهو ما صنع الفارق لصالح الرحيل.

قد يكون البريطانيون والأوروبيون اليوم أمام معضلة كبيرة عنوانها “ماذا بعد”؟ إذ إن الغموض وعدم اليقين باتا يلفّا المشهد السياسي والاقتصادي في أوروبا برمّتها، وفي الداخل البريطاني في معسكرَي “البقاء” و”الرحيل” سوياً.

ينظر البريطانيون اليوم، خصوصاً مؤيدي الرحيل،إلى استراليا كمثال، ويعتبرون أن استراليا دولة قوية تُعتبر جزءاً من الغرب، وعقدت العديد من الاتفاقيات الاقتصادية الثنائية مع الدول الغربية، ولديها اقتصاد قوي، وتربطها علاقات قوية مع دول الكمنولث، وهي في نفس الوقت ليس جزءاً من إطار أوسع من الدولة الوطنية، يحرمها جزءاً من سيادتها القومية.

بكل الأحوال، وبغض النظر عما ستكون عليه عملية “الطلاق” بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، يمكن القول إن أوروبا برمتها باتت يعاني من أزمات كبيرة تهدد استقرارها واستمرارها ككيان موحَّد، وباتت تحتاج إلى حلول جذرية سريعة لمشاكل الهجرة واللجوء والإرهاب، وفعلياً، يكمن الحل في السياسة الخارجية الأوروبية، خصوصاً في الشرق الأوسط، أي أن على الأوروبيين الدفع نحو حل سياسي في سورية، يجعل من الابتزاز التركي غير ذي جدوى، ويسمح لهم بإعادة اللاجئين الذين رفضت طلباتهم، ويخفف من قدرة الإرهابيين على الحركة.