تركيا، انقلاب غامض ومَشْبُوه

الطاهر المُعِز

نشرت وكالة “الاناضول” التركية (18/07/2016) أسماء 103 ضباط من مستوى رفيع ومن كافة أنواع الجيوش، اعتقلتهم السلطة بعد الإنقلاب الفاشل، وأعلنت وكالة “رويترز” إقالة ثمانية آلاف شرطي بينهم 103 من ذوي الرتب الرفيعة، وأحيل منهم 41 على المحكمة، كما اعتقلت المباحث 30 حاكماً إقليمياً وأكثر من 50 من كبار الموظّفين، فيما أعلن رئيس الحكومة “بن علي يلدريم” اعتقال أكثر من 7500 شخص بينهم 6038 عسكريا و755 قاضياً و100 شرطي، بعد 72 ساعة من فشل الإنقلاب الذي أودى بحياة 308 أشخاص منهم 100 من المحسوبين على الإنقلابيين، وأحْصَت وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب 18/07/2016) اعتقال 8314 من القضاة والمدّعين العامين والعسكريين وأفراد الشرطة والموظفين الحكوميين، وإقالة 9 آلاف شرطي ودركي وموظف حكومي، واستغلَّ “اردوغان” ورئيس حكومته الفرصة للتلويح بإعادة العمل بعقوبة الإعدام التي أُلْغِيَتْ سنة 1984 (خلال الحكم العسكري)

من جهة أخرى، أشارت تقارير صحفية ونواب من المُعارضة إلى نشاط مُرِيب لشركة “صادات” (SADAT) للاستشارات العسكرية والأمنية، التي أسَّسَها ضباط متقاعدون ويديرها جنرال متقاعد مقَرّب من قيادات حزب الإخوان المسلمين الحاكم في تركيا (العدالة والتنمية)، وتهدف هذه الشركة الأمنيّة “تقديم المساعدة ذات الصبغة العسكرية لكل الدول الاسلامية” بحسب موقعها الإلكتروني، وقامت بتدريب قوات “فجر ليبيا”، وإرهابِيّين قَدِمُوا من مختلف بلدان العالم للقتال في سوريا، بحسب نواب من “حزب الشّعب الجمهوري”،  ونشرت شركة “صادات” على موقعها -منذ الحرب على سوريا- إعلانات باللغة العربية لتوظيف العشرات من الميكانيكيين ممن يجيدون اللغة العربية، للعمل في صيانة المعدّات العسكرية (في الرِّقّة، بحسب بعض الصحافيين الأتراك)، وكانت الوكالات والصُّحف الرُّوسية قد نشرت (أواخر 2015) عددا من البيانات والوثائق بخصوص تقديم نظام تركيا مساعدات مختلفة لتنظيم “داعش” وشراء النفط المنهوب من العراق وسوريا، وتجهيزات وآلات المصانع السورية وقِطَع أَثَرِيّة… كما أنشأت شركة “صادات” ما يُعْرَفُ ب”جمعية الغُرَف العُثْمانية” وتَكَفَّلَتْ بتدريب نحو 20 ألف من شبان حزب “العدالة والتنمية” والمُقَرّبين من أوساط الحزب على استخدام السِّلاح وعلى تنفيذ عمليات اغتيال وتخريب ومهاجمة محلاّت الخ، ما مَكّنَ من تشكيل مليشيات ظهرت أثناء قمع وتفريق تجمعات وتظاهرات نظمها الأكراد والمُعارضون (منها تجمعات انتخابية) وتفجيرات بقيت مجهولة المصدر، وخلال الإنقلاب الفاشل في مدن “ملاطيا” و”أنطاكية” و”اسطنبول”، بحسب نواب من أحزاب المعارضة، وبَثَّت القنوات التلفزيونية التُّركية وكذلك شبكة “سي ان ان تُرك” لقطات مباشرة (خلال الإنقلاب الفاشل) لمجموعات من الشبان المَدَنِيّين مُسَلّحين ببنادق أوتوماتيكية في شوارع إسطنبول، ويلبس بعضهم سُترات كتبت عليها عبارة “شرطة” للتمويه وقاموا بإهانة وسحل وضرب الجنود المَحْسُوبين على الإنقلاب، ويُتَوَقَّعُ أن يعَوِّضَ إردوغان الضباط المُقالين بهؤلاء المُسَلَّحين الذين شكَّلُوا جيشًا مُوازِيًا مُنَظَّمًا ومُنضبِطًا، واستغلال الإنقلاب لفرض هيمنة حزب “العدالة والتنمية”، وإقصاء الخصوم والمُنافِسين وسجنهم وربما إعدامهم، بمساندة قطاع واسع من الرأي العام التُّرْكِي الذي عارض الإنقلاب، لأنه عانى من الحكم العسكري سابقًا، وبمساندة قطاعات واسعة من البرجوازية التجارية والصِّناعِية المُرْتَبطة مصالحها مع الحزب الحاكم، والتي ترغب في استتباب الأمن لتتمكن من الإستثمار، وكذلك قطاعات عديدة مُحافِظَة من المُزارعين وصِغار الحِرَفِيِّين والموظفين والمُقاوِلين (شركات البناء)، خصوصًا في وسط البلاد، ويُمَوِّلُ هؤلاء عَدَدًا هامًّا من الجمعيات والمنظمات والمدارس الخاصّة والدّينية، وهم يُمَثِّلُون القاعدة الإجتماعية والإنتخابية للحزب الحاكم، الذي بَقِي مُحافظا على انتماء الدولة للحلف الأطلسي وعلى العلاقات مع الكيان الصهيوني (رغم بعض التَّهْرِيج) وعلى العداء للشعوب العربية التي بقيت أكثر من أربعة قرون تحت الإحتلال العثماني، وكذلك احتقار الأقليات داخل البلاد…

أعلنت وكالة “بلومبرغ” الأمريكية ومحطة “سي ان ان” الناطقة بالغة التركية  ان التنظيمات الأمنية الموازية للجيش هي التي تمكّنتْ من إفشال الإنقلاب عبر تنظيم وتعبِئة آلاف الشباب من جمهور “العدالة والتنمية” الذين تَدَرَّبوا جَيِّدًا على التصدي (بالسِّلاح) لأعداء (أو خُصُوم) حكومة الإخوان المُسْلِمِين، لتفادي ما حصل لنظام “محمد مُرْسِي” في مصر (رغم الفارق بين الوضع في مصر وتركيا)، وبذلك تمكّن حزب “العدالة والتنمية” من الزَّحْف على أركان السُّلْطة والإستحواذ عليها وتصفية أجهزة القضاء والتعليم والشرطة والجيش، بطريقة مَنْهَجِيّة منذ 2002، وأتاحت محاولة الإنقلاب الفرصة للرئيس “اردوغان” لاستكمال مخططاته وإقرار نظام رئاسي بصلاحيات واسعة، وإصدار قانون جديد يسمح بتسليح المدنيين بحجة “التصدي للأخطار التي تتهَدَّدُ النظام الديموقراطي”، وتحويل مؤسّسات الجمهورية إلى مؤسّسات في خدمة الحزب الحاكم، وبدأت الحكومة مباشرة في تنفيذ هذه المخطَّطات التي كانت تُلاقي مُعارضة قبل الإنقلاب، منها منح سُلُطات إضافية وواسِعة لقوات الأمن والوحدات الخاصة التابعة لوزارة الداخلية، ولأجهزة المخابرات الخاضعة مباشرة للرئيس “رجب طيب أردوغان”، والتي كَلَّفَهَا بإلقاء القبض على آلاف العسكريين (منهم المُسْتَشَار العسكري للرئاسة) والقُضاة والصحافيين والجامعيين، وداهمت الوحدات الخاصة عدداً من المؤسسات، بينها المحكمة الدستورية العليا ومحكمة الاستئناف والتمييز العليا، واعتقلت قرابة عشرة آلاف من القضاة والولاة ومسؤولين كبار في مختلف أجهزة الدولة، كانت أسماؤهم مُسَجّلَة في قوائم إسمِيّة أُعِدَّتْ سلفًا قبل تاريخ الإنقلاب، ويتوقَّعُ تصفية أنصار “فتح الله غولن” الذي ساعد اردوغان في الوصول إلى السلطة (كما أزاح كافة من ساعدوه على البقاء في السلطة)، وتنظيم استفتاء شعبي لتغيير الدستور، ليصبح “اردوغانْ” رئيساً بصلاحيات مطلقة، بعد نجاح مخطط إحكام السيطرة على وسائل الإعلام وضرب القوى اليسارية والليبرالية وأحزاب المُعارضة مثل “حزب الشعب الجمهوري” ورفع الحصانة البرلمانية على أعضاء “حزب الشعوب الديموقراطي” (أغلبية كُرْدِية) وإحالتهم إلى القضاء وبعد أن قتل الجيش حولي ثلاثة آلاف من عناصر “حزب العمال الكردستاني” خلال الأشهر الأخيرة وتدمير العديد من المدن الكُرْدية في جنوب شرق البلاد، وبِذلك يخلو الشارع لأنصار حزب “العدالة والتنمية” ولمليشياتهم المُسَلَّحة التي تدَرّبت منذ 2013 على قمع تجمعات المعارضة والشباب الغاضب في ساحة “تقسيم” (اسطنبول) و”غازي”، وأصبحت اليوم قادرة على التصدّي بالقوّة (المُسَلَّحَة إن اقتضى الأمر) لأي مظاهرة أو احتجاج أو إضراب، وشَكَّلَ ظهور عناصر هذه المليشيات وهم بصدد إهانة العسكر (وما تُمُّثِّلُه مؤسسة الجيش في البلاد) إنْذارًا لكل من يعتزم معارضة حكم الإخوان المُسْلِمين، فيما كانت مُكبّرات الصوت في المساجد تدعو النّاس إلى “الجهاد من أجل الإسلام” (التكنولوجيا في خدمة الإيديولوجيا)…

تَكْمُنُ مشكلتنا كعرب تقدميين في ان تركيا شكلت أحد أعمدة حلف بغداد، ونصيرا للعدوان الثلاثي على مصر (1956) وسندًا قويا للكيان الصهيوني منذ 1949 وقاعدة لحف شمال الأطلسي منذ 1952، ومركزًا عدوانيًّا ضد الجيران العرب، وذلك مهما كان لون الحزب الحاكم، فالإسلاميون حكموا خلال عقد خمسينيات وستينيات القرن العشرين ثم سنة 1996 ومنذ 2002 إلى الآن (2016)، والجيش خلال انقلاباته العديدة منذ 1969 وحزب الشعب الجمهوري الخ، فجميع هذه القوى لها قواسم مُشْتَرَكَة منها العداء للحضارة العربية واحتقار العرب (لأنهم كانوا تحت هيمنة تركيا العُثْمانية)، إضافة إلى وجود أحزاب عربية تنتمي إلى تيار الإخوان المسلمين تُمَجِّدُ الحزب الحاكم في تركيا وتعتبره نموذجا للحكم “الرَّشِيد” ويدْعُون (باسم الإسلام) إلى عودة الإحتلال العُثْماني رغم دور حكم الإخوان المسلمين في تركيا في تخريب بلاد العرب من ليبيا إلى سوريا والعراق وفلسطين، وبخصوص هذا الإنقلاب المَشْبُوه فلا مصلحة لنا في انقلاب قد يأتي بحكام “علمانيين” أطلسيين يناصرون الكيان الصهيوني بدلاً عن حكام “إسلاميين” أطلسيين ويناصرون الكيان الصهيوني أيضًا، ولا حاجة لنا باستبدال إسلامي يناصر الكيان الصهيوني وأميركا بعسكري أو علماني قوميّ يناصر الكيان الصهيوني وأميركا (كان مخطط الانقلاب، القائد السابق لسلاح الجو التركي، ملحقاً عسكرياً في سفارة تركيا بتل أبيب)، ونرجو أن ينشغل الحزب الحاكم والنظام في تركيا بإعادة ترتيب البيت الدّاخِلي، وإعادة بناء الجيش التركي الذي فقد جزءا هامًّا من ضُبّاطِهِ وكوادِره إثر عمليات التطهير المُتَتَالية، ليمْتَنِع النظام التركي عن التّدَخُّل في شؤون سوريا والعراق وفلسطين وليبيا، ولو مُؤَقَّتًا…

البيانات الواردة في هذه الورقة من تقرير نشره معهد “ستراتفور” (المُقَرّب من المخابرات الأمريكية) وبرقيات وكالات “بلومبرغ” و”رويترز” و”أ.ف.ب” ووكالة “الأناضول” (تركيا) ومحطة “سي ان ان” التركية بواسطة ترجمة بيانات أحزاب اليسار التركية، وصحف لبنانية (“السفير” و”الأخبار”)