تُرْكِيا نموذج سَيِّء لحكم الإسلام السياسي “المُعْتَدِل”

الطاهر المُعِز

منذ تَوَلِّي حزب “العدالة والتنمية” السُّلْطة في تُرْكِيا سنة 2002 أصبح قادة أحزاب الإخوان المسلمين العرب في المغرب وتونس ومصر تقدّم برنامجه ونمط حكمه بمثابة المَرْجَع والنُّمُوذج الواجب اتِّبَاعه “للحكم الرّشِيد” وبمثابة دليل قاطع على إمكانية الجمع بين الدِّين (وهو مجموعة تعاليم لاَهُوتِيّة) والديمقراطية (تعاليم آدميّة وَضْعِيَّة)، وبعضُهُم يدعو إلى عودة “الخلافة العُثْمانِية” بقيادة الخليفة “اردوغان” أو “أوغلو” أو “غول”، ووصَل التقليد بالإخوان المُسْلِمِين في تونس (حزب النهضة الحاكم بالإشتراك مع الدّساترة ورجال الأعمال) إلى إعلان “الفَصْل بين الجانب الدَّعَوِي والجانب السياسي”، وهو ما أعلنته مجموعة اردوغان التي انقلبت بعد سنة 1997 على القائد المُؤسِّس “نجم الدِّين اربكان” (إثر انقلاب عسكري أزاح حزب الرفاه الإخواني من الحكم)، ولم تُنَفِّذْهُ، إذ تستخدم شبكة واسعة من المساجد والأَيِمَّة والجمعيات الخيرية والمدارس الخاصَّة والمؤسَّسَات الدّينية وغير الدّينية لبث الإيديولوجيا الدينية ولاستخدام هذه الشَّبَكَات في دعْم الحزب الحاكم، وهي نفس السياسة التي انتهجها “فتح الله غولن” وشبكته الضخمة “خدمة” التي استفاد منها حزب اردوغان للوصول إلى السُّلْطة، قبل أن ينقلب التلميذ على الأستاذ…

قبل إعلان حالة الطوارئ رسميّا (الإربعاء 20/07/2016) كان حكم الإخوان المسلمين في تركيا يطبقها منذ بضعة سنوات وكادت تبلغ حالة الأحكام العُرْفِيّة التي تعلِنُها قيادات الجيوش بعد الإنقلابات، بواسطة تلجيم الإعلام ومنع مواقع الشبكة الإلكترونية وسجن الصحافيين وطردهم من عملهم بمكالمة هاتفية من الرئيس المُسْلِم اردوغان نفسه، والتضييق على الحرية الشخصية، وطرد وسجن مئات القضاة وإخضاع السلطة القضائية للسلطة التنفيذية (السياسية) وطرد مئات الضباط من الشرطة القضائية التي تُحَقِّقُ في ملفات الفساد التي تورط فيها إردوغان وأُسْرَتُهُ والمُقَرَّبُون منه سياسيا من ساسة ووزراء ورجال أعمال، وشن حرب مفتوحة ضد الأكراد وهدم عشرات المدن والقرى في جنوب شرق البلاد وملاحقتهم في شمال العراق بتآمر من “إخوانهم” الأكراد المُوَالين لحكم أُسْرة البرازاني في كردستان العراق، وأعلن اردوغان نفسه (آب/أغسطس 2014) بعد انتخابه رئيسًا للجمهورية “إن النظام السياسي في تركيا قد تغير وأصْبَحَ نظاماً رئاسياً”، دون انتظار تنقيح ثلثي نُوّاب البرلمان على هذا المُقْتَرَح الدستوري…

من جهة أخرى، كان أفراد المليشيات المُسَلَّحة للحزب الحاكم مُجَهَّزَةً بمختلف أنواع الأسلحة والقوائم الطويلة لمن اعتُبِرُوا مُعَارِضِين لتيار الإخوان المُسْلِمين أو لِسِياسَة الحكومة، وفاق عدد المُعْتَقَلين خلال خمسة أيام، عدد ضحايا الإعتقالات بعد الإنقلابات العسكرية في تركيا، إذ بلغ حوالي 70 ألف (حتى يوم 21/07/2016) من النّقَابِيِّين والإعْلامِيِّين ورجال التعليم والباحثين والقضاة وضبّاط الجيش والشُّرْطة، لتنفيذ سياسة تطهير واسعة، فيما يُشْبِهُ محاكم التفتيش التي نَفَّذَتْها الكنيسة في أوروبا في القُرُون الوُسْطَى ضد كل من يُشْتَبَهُ في مُعارضتهم لتأويل الكنيسة لتعاليم الدّين المسيحي، وضد المُسْلِمين (واليهود) في الأندلس، ونشرت محطات التلفزيون ومواقع الشَّبَكَة الإلكترونية لقطات بالصوت والصُّورة لعناصر هذه المليشيات المُدَجَّجَة بالسلاح وهم بصدد ضرب الجنود (الذي قد لا يكونون على عِلْمٍ بمُخَطَّطِ الإنقلاب) وذَبْحِهِمْ والهتاف باسم الله، وتطبيق حكم الإعدام (دون مُحاكَمة) قبل إقراره قانونيًّا، مع استغلال فرصة فترة الفراغ وغياب القانون وحالة الفوضى لاعتقال وتصفية “العلويين” والأكراد، ورفع الشعارات العُنْصُرية والميز العرقي والاثني، وتميَّزَ حكم الإخوان المسلمين بالإنقلاب على حلفائهم السابقين، الذين ساعدوهم في إعادة تنظيم حزبهم وساعدوهم في الوصول إلى السلطة، من ذلك ان قادة “العدالة والتنمية” يخوضون صراعا مفْتوحًا منذ بضعة سنوات ضد شبكة “خدمة” التي يُدِيرها “فتح الله غولن” (وهو عميل المخابرات الأمريكية وصديق المُنَظّمات الصهيونية الأمريكية ومُدافع “إسلامي” عن الكيان الصُّهْيوني)…

قبل الإنقلاب، كَشَّرَتْ حكومة الإخوان المُسْلِمين عن أنيابها وأظهرت براعة فائقة في خنق الديمقراطية سنة 2013 وشاهد العالم القمع الشديد الذي تعرض له المتظاهرون في ساحة “تقسيم” (اسطنبول) وحديقة “غازي”، وما تعرض له النقابيون من قمع خلال تظاهرات أول أيار (الممنوعة في تركيا) أو خلال إضرابات اسطنبول أو إزمير، وما تعرض له المتظاهرون ضد الفساد (فساد رجال السلطة)… ثم أزاح شق اردوغان في حزبه القادة الذين ساعدوه في ارتقاء درجات السُّلَّم السياسي (عبد الله غول وبولنت ارينتش وأحمد داود اوغلو وغيرهم)، كما اضطر –بسبب حصول مجموعة أزَمَات- إلى مراجعة بعض جوانب سياسته الرَّعْناء فعادت العلاقات الجَيِّدَة بين الحكومة “الإسلامية” في تُرْكيا والكيان الصّهْيُوني إلى أحسن مما كانت عليه سابقًا، بعد تنازل حكومة تركيا عن مطالبها (إثر قتل جنود الإحتلال لتسعة مواطنين من تركيا كانوا في سفينة “مافي مرمرة”) وتشبث الكيان الصهيوني بمواقفه، وتصالح مع روسيا وتَعَزَّزَ الحلف العُدْواني مع السعودية (إضافة إلى قطر، راعي تيار الإخوان المسلمين) في ليبيا واليمن وسوريا والعراق وفلسطين، فيما يتجاهل قادة الإخوان المُسلمين في المغرب وتونس ومصر وفي فلسطين (حركة حماس) وغيرها انتماء تركيا إلى الحلف الأطلسي منذ 1952 ووجود احد أكبر القواعد الأطلسية في تركيا (قاعدة “انجرليك”) والإعتراف بالكيان الصهيوني منذ 1949 ومختلف الطعنات التي لم ينْقُدْها أو يراجعها تيار الإخوان المُسلمين الحاكم حاليا في تركيا، مثل المشاركة في حلف بغداد ومساندة العدوان الثلاثي على مصر والمشاركة النشيطة جدا في تخريب العراق وسوريا وغيرها من البلدان العربية، بهدف الهيمنة على المنطقة…

عُمُومًا يُعْلِن الإخوان المُسْلِمون الولاء للإيديولوجيا قبل الأرض والوطن والأمة، لذلك تتخذ حركة “حماس” مواقف مُسانِدة لتركيا رغم العلاقات الحميمة بين تركيا (مهما كان اللون السياسي للحكومة) والكيان الصهيوني المُغْتَصِبِ لأرض فلسطين، ورغم دور الحكومات التُّرْكِية المُتعاقبة في الحروب والعدوان ضد الوطن العربي، وبخصوص الوضع الحالي في تركيا، فإن الإعتقالات طالت فئات عديدة من المُجْتَمَع فيما يُشْبِهُ تصفية حسابات إيديولوجية (عقائدية) وسياسية واجتماعية وتطهير مؤسَّسَات الدولة من كافة أشكال المعارضة، وطال الإعتقال والطرد من العمل قطاعات التعليم والإعلام والقضاء والشرطة والجيش والبحث العلمي، لتعويض المطرودين والمعتقلين بأنصار وأتباع الدّكتاتور الجديد، بينما جرت العادة أن يعتقل الإنقلابيون من الجيش المعارضين السياسيين لهم من اليسار والنقابات…