ناجي أخر الأحياء

بقلم الإعلامي: خالد الفقيه

شكل الشهيد الشاهد ناجي العلي لوحده ثورةً في عالم الكاريكاتير الصحفي بعد أن إستطاع التميز بما جادت به خطوطه من مواقف تعدت التعليق على الأحداث لقراءة ما بعدها وإستشراف المستقبل فكان نبياً في عصره مورثاً إرثاً إستدلالياً بتنا نلجأ إليه كلما دنت من المآسي أو إكتوينا بنارها لنقنع أنفسنا وربما من باب الهرب والتهرب من حقيقة الواقع الذي نحن جزء منه بقبولنا إرتداداته السلبية وسكوتنا عنا أو حتى مساهمتنا فيها.

ناجي رسم لنا من واقعه الذي عايشه منذ هجر من الشجرة في الجليل الأعلى بقوة النار وقهر الغلبة وتخاذل الأقرباء وبني الجلدة مروراً بالمخيمات وما فيها من ويلات وما مر بها من مستجدات وتحالفات متقلبة إلى بلاد الريع النفطي في الخليج المتفق من صحاريه السائل الأسود وصولاً إلى موته إغتيالاً بكاتم الصوت وهو أمر كان يتوقعه وينتظره وكانت الملهاة المأساة المفجعة في شوارع لندن.

حنظلة وناجي وفاطمة والعمة حنيفة والرجال المتكرشين والرجل الفقير المهزوم في داخله والذي سعى ناجي لتثويره إلى إسرائيل التي دوماً قدمها بالمرأة المغوية أو الجندي والمستوطن ذا الأنف الحاد الدال على الإرهاب وحب القتل والدم، وغيرها من الشخصيات لفتت الإنتباه الفلسطيني والعالمي للرجل الذي لم يهادن ورفض أن يكون في بلاط السلطان خادماً ولا أن يتنقل القلم في كفه من يد لأخرى كما فعل ويفعل “متثقفين” فلسطينيين وعرب كثر قبل ناجي وبعده، بعد الرجل صار التطبيع أمراً مستحباً وأيامه كان مذمة تتجاوز العمالة المباشرة. الرجل دفع ثمن قناعاته دمه وحياته راضياً فعلى للعلى وترك الأرض للأذلاء من بعده ممن تبدلوا وبدلوا قشورهم لا عقولهم لأنهم في الأصل غير أصلاء وإنما إستطاعوا تعميتنا نحن المتبقين على قيد الحياة.

أول مرةً رأيت فيها حنظلة مرسوماً على حائط ومخطوط إلى جانبه لا بد من يافا وإن طال السفر، إستهوتني فكرة معرفة المزيد عن هذا الرسم وكنت وقتها طالباً مدرسياً فبحثت عنه وقرأت عنه ولازمني الموضوع حتى صرت أشتري كل ما يكتب عن ناجي العلي وحنظلة وفي مرحلة الدراسات الجامعية العليا إخترت ناجي وحنظلة وسماً لإطروحتي التي نالت الإمتياز مع مرتبة الشرف في تخصص التخطيط والتنمية السياسية في جامعة النجاح الوطنية وكانت تحت عنوان “التنمية السياسية المرتبة على حركة الوعي في كاريكاتير ناجي العلي” ومن ثم صارت كتاباً صدر عن دار فضاءات بالأردن في أربع طبعات منذ العام 2013 تحت عنوان “حركة الوعي في كاريكاتير ناجي العلي”، وما يهمني هنا ليس الكتابة عني وإنما للتمهيد للمفاجآت التي صادفتها خلال الجمع والبحث للمعلومات عن الشهيد الشاهد وما جاد به والتي أصلتني لدمشق وبيروت وفلسطين والأردن ومن خلا أصدقاء وعائلة ناجي في لندن والبحرين والإمارات.

وكان لي الشرف أن يقدم للكتاب المفكر العربي والصديق الحميم لناجي العلي والذي رافقه طيلة فترة غيبوبته عن الوعي بعد إطلاق النار عليه الدكتور عادل سمارة والذي كتب: ” كنا نشرب قهوة مرة غلاها بيده حيث كانت الأسرة نياماً: أنا الآن متأكد أنهم سوف يقتلونني إن لم أمدح!”. وأضاف: ” إخترقت الرصاصة مجمع الأعصاب معتقدةً أن ناجي العلي سوف ينتهي لحظتها. لكن ناجي العلي بعث حينها. وما زال يناضل وبأقوى عبر كل مواطن ومفكر وباحث عروبي”. وهذه الكلمات ربما تكون كافية للدلالة على الحالة التيشكلها ناجي في حياته والخوف الذي زرعه في قلوب من طالتهم ريشته ومن لاحقهم حنظلته وعراهم، واليوم ورغم مرور قرابة الثلاثة عقود على علياء ناجي للسماء لازال الخوف والرعب يطارد من كانوا أحياءً من عرب وعجم وأعداء أيام كان نبضه سيالاً، أم من إستشرف خيانتهم ولم يجايلوه فتراهم يشعرون به يطاردهم في مستنقعات التطبيع والتنازل. والخوف الأكبر لدى عدوه التاريخي والطبقي الذي يرى في رسوماته تحريضاً على المقاومة.

ولع ناجي بوطنه الذي إتسع ليصل العالم ترجمه في رسمته الأولى والتي كانت  عبارة عن خيمة على شكل هرم وفي قمتها بركان ترتفع منه يد مصممة على التحرير. وقد نشر هذا الرسم في مجلة الحرية عام 1963 التي كان يرأس تحريرها الأديب والإعلامي غسان كنفاني، والتي كانت تنطق بإسم حركة القوميين العرب.

اكتسب ناجي العلي مهاراته وصقلها لوحات كاريكاتيرية من واقعه الذاتي كلاجئ مشرد من وطنه بقهر السلاح، فقير تائه في أزقة المخيمات. استثمر العلي الظرف الموضوعي الذي توفر في لبنان من حيث لقائه بالأديب كنفاني وبأبي ماهر اليماني، وانخراطه في صفوف حركة القوميين العرب، واعتقاله أكثر من مرة في لبنان، الأمر الذي وفر له خميرة أساسية للانطلاق بريشته معلناً تمرده على واقعه وواقع أبناء شعبه المشردين.

كانت رسومات ناجي العلي قبل عام 1969 وخطوطه تأخذ عدة أشكال ذات دلالات رمزية واضحة ترتبط بما يريده هو شخصياً، لكن في هذا العام أوجد رمزه الخاص الذي لازمه حتى وفاته والمعروف باسم حنظلة، والذي قدمه لجمهوره بشرح وافٍ على صفحات جريدة السياسة بتاريخ 13/08/1969. في تقديمه للقارئ، لخص ناجي همومه كمواطن عربي ووجد في ولده كما كان يحب أن يسميه إلهامه.

أغتيل ناجي العلي في لندن أثناء توجهه إلى جريدة القبس الدولية وذلك في شارع ايفز EVES بعد أن أوقف سيارته على جانب الشارع. وتفيد العديد من الكتابات والتحقيقات أن شاباً أسمر البشرة اقترب منه بعد ترجله من سيارته وأطلق الرصاص على رأسه قبل أن يلوذ بالفرار من المكان وذلك صبيحة يوم الأربعاء الموافق 22/07/1987. أدخل ناجي العناية المكثفة في أحد المشافي البريطانية وبقي فيه إلى أن وافته المنية يوم 29/08/1987. تم دفنه في الثالث من أيلول من ذات العام في مقبره بروك وود Brook Wood، ووري الثرى في قبر يحمل الرقم 230190.

الفنان الرسام والنحات اللبناني شربل فارس صنع لناجي نصباً في الذكرى السنوية الأولى لرحيله بعد عمل استغرق عدة شهور. أكمل شربل النصب ووضعه على المدخل الشمالي لمخيم عين الحلوة الذي ارتبط ناجي به وجسده في العديد من رسوماته، إلا أن التمثال الذي بلغ ارتفاعه 275 سم وعرضه 85 سم تعرض للتخريب والتفجير وإطلاق الرصاص عليه ومن ثم الاختفاء عن المكان الذي وضع فيه، وكان هذا بمثابة الإغتيال الثاني للرجل.

نعم رحل الرجل بجسده النحيل ولكن ذكراه ونهجه تخطت الوطني والقومي إلى الأممية، فنم في عليائك فحنظله سيكمل المسير وسيلكز كل من تتسرب إلى نفسه لحظة خوف أو جمود وسيقرع المتخاذلين وسيعري المتأمرين وسيحارب بحجارة الأرض المقدسة المحتلين وسيلاحق المطبعين ليلقي عليهم لعنات الشهداء والجرحى وغضب السيد المسيح الثائر.