سأحاكم التطبيع 4

ماذا…حين يبرر الفلسطينيون التطبيع السعودي

د. عادل سمارة

هل حان وقت مراجعة فترة من زمن المقاومة؟ وهل المراجعة هي رفاه وفائض وقت أم ضرورة؟

نسوق هذا الحديث اليوم إثر زيارة وفد سعودي إلى الكيان الصهيوني وما رافق ذلك من جدل بين مع وضد وما بين،  سواء في الوطن العربي أو بين الفلسطينيين.

إن مجرد وضع التطبيع في خانة  الاجتهاد وتعدد التفسيرات يعني أن القضية الفلسطينية غدت في بازار التنازلات بعد أن كانت تقوم على “لا صلح لا اعتراف ولا مفاوضات”. هل تغيرت المعطيات والحق ومن ثم  الزمن مما يجعل التناقض التناحري مع الاحتلال تفكير قديم؟

ليس التطبيع صناعة عربية فلسطينية وحسب، بل إن صانعها الرئيسي هو الكيان الصهيوني نفسه ولكن بطريقته. واقصد هنا أنا التطبيع الفلسطيني يرقص كالطفل في حضن عدوه . ولعل عضوية فلسطينيين في الكنيست بعد حرب 1948 ومن ثم الجسور المفتوحة التي “دشنها” وزير الحرب الصهيوني موشيه ديان إثر حرب حزيران هي الرحم الذي ولدت منه مختلف أنواع التطبيع .

اما على صعيد المقاومة، فحتى وصول الليكود للمرة الأولى إلى رئاسة الحكومة الصهيونية، لم يكن هناك أي شكل علني للمقاومة داخل الأرض المحتلة 1967. لم يكن مسموح رفع العلم ولا حتى كتابة نعي في صحيفة باسم تنظيم أو تهنئة…الخ

من المفارقة أن الليكود وهو الأشد فاشية هو الذي “تساهل” في بداية الأشكال العلنية لبعض نشاطات  المقاومة.

وأعتقد ان هذا كان مدخلا لتشجيع الأنشطة غير المسلحة من جهة، وهو الذي تنامى تددريجيا على حساب العمل المسلح.

يمكن أن يرد البعض بأن هذه المساحة العلنية على انها  ثمرة النضال الفلسطيني وهو ما يحسمه بالطبع ما ترتب عليها من تقوية للنضال الجذري  أو توسيع للنضال المرن والمريح.

 وبالطبع انسجم تنامي النضال غير المسلح هذا مع التوجهات البيروقراطية لمنظمة التحرير في الخارج والممولة من الريع الخليجي وهي التوجهات التي أتت ايضا على حساب الكفاح المسلح.

لكن النقلة النوعية للعمل العلني كانت بعد اتفاق أوسلو وتكوين سلطة الحكم الذاتي حيث شهدنا اشكالا علنية للمقاومة هي نفسها التي أخذت اشكالا من التطبيع إلى جانب المقاومة مما جعل المسألة رمادية وجعل من السهولة بمكان أن يقوم المرء بتطبيع ما دون أن يبدو ذلك تطبيعا او مناقضا للمقاومة. وأبرز تلك الأنشطة الانتخابات السياسية سواء لرئاسة السلطة أو لمجلس الحكم الذاتي “التشريعي”.

 وعليه، صار مفهوم التطبيع ملتبساً مع وجود السلطة باعتبار الضفة والقطاع حالة يراها البعض استقلالا ويراها البعض الآخر تحت الاحتلال.

كما انعكس هذا الإلتباس على الفهم العربي للتطبيع إذ لم يعد يُنظر إلى مجيىء عرب او دعوة عرب إلى الأرض المحتلة تطبيعا، بل يراه البعض نضالا!

وإذا كان الفلسطينيون يعتبرون أن هذه العلنية مكسبا أُخذ رغما عن الاحتلال، فإن الإحتلال يرى أنه أزاح الصراع إلى حالة من الميوعة قطعت مع الشكل المباشر للصراع دون منطقة رمادية بين العدوين.

كما ان اتفاق أوسلو أعطى الأنظمة العربية كذلك،   فرصة التطبيع مع الكيان الصهيوني بشكل مباشر او غير مباشر حيث لم يعد التطبيع العربي مرتكزا على اتفاق كامب ديفيد مع مصر ، السابق على اتفاق أوسلو بل أصبح مبرره اعتراف قيادة المنظمة بالكيان .

وهكذا، وجدنا انفسنا بين حالتين من الإلتباس في فهم ومن ثم الموقف من التطبيع:

·       في المستوى الفلسطيني، صار بوسع اي تنظيم أن يشارك في انتخابات الرئاسة أو مجلس الحكم الذاتي وأن يقول بانه لم يمارس التطبيع، وينسب التطبيع للسلطة فقط!

·       كما صار بوسع اي نظام عربي أن يمارس التطبيع قياسا على التطبيع الفلسطيني.

بل قياسا على الزعم الفلسطيني بعدم التطبيع صار بوسع عرب أن يمارسوا التطبيع بمعزل عن أية مرجعية فلسطينية .

ولكن، لو افترضنا أن بوسع احد رسم خط فاصل بين التطبيع وعدمه من جهة، أو القول بأن التعريف الفلسطيني للتطبيع هو المعيار المعتمد، فإن الفلسطينيين انفسهم اصبحوا في وضع أضعف من أن ينقدوا اي تطبيع عربي.

لكن فقدان الهيبة الفلسطينية كان مردها إلى:

·       هبوط السقف النضالي الفلسطيني عبر العلنية في الأرض المحتلة

·       وضعف الكفاح المسلح أو حتى العنفي.

·       وتنامي الحاجة الرسمية والشعبية الفلسطينية للمال، الأمر الذي مكَّن الأنظمة العربية النفطية من السيطرة على قرار القوى السياسية الفلسطينية الكبرى.

في هذا المناخ، لم تعد هناك مرجعية فلسطينية موحدة، واصبح كل فصيل كما لو كان دولة قائمة بذاتها، وهنا لا اقصد فتح وحماس وانقسامهما، بل مختلف الفصائل الفلسطينية.  هذا المناخ الذي فتح الطريق لكل فصيل أن يبني علاقات خارجية وخاصة مع الأنظمة العربية وحتى مع غيرها بطريقته وحسب مصالحه ورؤيته، وبكلام آخر :”استدوال التنظيم” ناهيك عن نمو ظاهرة الأنجزة في التنظيم الواحد أو أنجزة التنظيم  وخاصة اليسار (أنظر كتاب عادل سمارة  Imprisoned Ideas وخاصة فصل NGOization of Palestinian Left , 1998)

وهو التطور الذي انتهى إلى عجز الفصائل وبالطبع السلطة الفلسطينية عن نقد التطبيع الرسمي العربي وحتى تطبيع أفراداً عربا.

تمظهر هذا الوهن الفلسطيني مؤخراً في عجز الفلسطينيين عن نقد العلاقات التطبيعية للسعودية مع الكيان الصهيوني سواء حينما دخلت السعودية كامب ديفيد عبر وضع جزيرتي تيران وصنافير تحت إدارتها والتزام السعودية بالمرور الآمن لسفن الكيان من هذه الممرات وصولا إلى زيارة أكثر من مسؤول سعودي (سابق او حالي) للكيان وتصريحات سعوديين بأن على الفلسطينيين إنهاء المقاومة إلى زيارة جنرال سعودي سابق للمؤسسة الرسمية الصهيونية.

بعض المنظمات الفلسطينية نقدت التطبيع السعودي وبعضها صمت وبعضها حاول التقليل من الأمر…الخ. لكن المحصلة الحقيقية تقول بأن الباب إلى الكيان صار مفتوحا، أما الفلسطينيين فقد أخذوا يصوغون اعتذاريات للسعودية نيابة عنها!

ولا شك أن هذا التبرير الفلسطيني هو نتيجة تزايد اعتماد المقاومة على التمويل الخليجي خاصة وهو التمويل الذي كلما ازداد الشكل السياسي والإعلامي والمؤسساتي الفلسطيني كلما صار هذا التمويل قيداً اشد يحول دون ا ي اعتراض فلسطيني على التطبيع العربي.

تأخذنا هذه التطورات السلبية إلى التذكير بأمرين خطيرين في مستوى الرسمي والشعبي العربيين:

·       فالمستوى الرسمي العربي التابع من جهة والمنتهي إلى  التورط في الفتنة الطائفية والتذابح البيني واصطناع معظمه العداء لإيران يدفع باتجاه اندماج الكيان الصهيوني في الوطن العربي اندماجا مهيمناَ.

·       أما المستوى الشعبي فقد تم استلاب بعده القومي ليتصاغر إلى الحد الأدنى من الانتماء من جهة، ومن جهة ثانية، تصغير الواقع العربي ، الوطن العربي إلى صورة في الشاشات الفضائية بحيث ينفعل المتفرج ويشتبك ويفرح ويحزن ويفرغ عواطفه ومواقفه في الشاشة ثم يعود لحياته اليومية المنفصلة عن الواقع العام. إنه فصام يجسد لا إبالية نجد تفسيرها في اللامعقول.

ذات وقت كتب إدارد سعيد بأن على الفلسطينيين الذهاب إلى “تفكير جديد” في الصراع. وهو امر، لم أجد  من تفسير له غير ما يجري فلسطينيا وعربيا اليوم، أي الذهاب إلى حضن الكيان بدل الذهاب إلى تحرير الوطن.

لقد جاءت الانتفاضة الثالثة لتقول بلغة الشعب البسيطة بأن الانتفاضة بأبسط أسلحتها أكثر فاعلية من المؤسسات والوزارات والأنظمة والأوسمة  وبانها لا تحتاج لأي مال مما يؤكد أن النضال الشعبي السري البسيط عملي أكثر فاعل أكثر واصيل أكثر. إنه الحبل السرِّي مع التحرير والعودة، نعم إنه تواصل التفكير العتيق! والذي لا تفكير ولا فهم غيره للصراع.

ملاحظة: قد  يعززالفيديو التالي محتوى هذه المقالة

 

https://www.youtube.com/watch?v=XY3BnBfJtcY

 

قلب الحدث – الانتخابات المحلية والعواصف الخارجية – 25 – 7 – 2016

youtube.com

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.