هل البلديات مقدمة لمشروع أكبر؟

د.عادل سمارة

 

ساحاكم التطبيع 9

صدفة أم لا  قررت سلطة الحكم الذاتي إجراء انتخابات بلدية في تشرين الأول القادم مما يثير اسئلة عدة قد يكون اولها  إلى الوسطاء الذين حاولوا مؤخرا اجتراح مصالحة بين فتح وحماس؟ إن لم يدركوا سلفاً، أعتقد انهم يدركون الآن أن قرار الانقسام لا رجعة عنه سواء من المقتتلين أو من مرجعياتهم الإقليمية والدولية. لا حكام الخليج ولا امريكا ولا تركيا ولا الكيان يسمحون بالمصالحة. وهكذا، وصل الوضع الفلسطيني إلى انسداد مفاده: أن من يستطيع الانقسام لا يستطيع الالتحام (بمعنى استعادة اللُحمة). ذلك لأن الانقسام كان هدية لكل هؤلاء.

كانت مشاركة فصائل م.ت.ف انتخابات البلديات عام 1976، امر طبيعي طالما تمت دون اعتراف بالكيان، ولأن المعركة كانت حينها بين النظام  الأردني  و م.ت.ف على تمثيل الفلسطينيين من جهة وضد روابط القرى ومشروع بيرس من جهة ثانية. وكانت النتائج لصالح الحركة الوطنية.

لكن، على ماذا او مع من تتنافس الفصائل اليوم؟ ليس فقط مع بعضها.

ما جرى ويجري في البلديات وغرف التجارة والنقابات ومجالس الطلبة واتحادات النساء…الخ، هو صراع بين الفصائل وبين “مستقلين”…الخ على المواقع وهو ما ينسجم تماما مع اتفاقات أوسلو، بمعنى أنه لا وجود لمشروع وطني جامع، وهذا يفترض خلق مشاريع أخرى،مشاغل أخرى،  هي مشاريع مكاسب فصائلية بحتة ومحضة. وهي انشغالات البطالة منها اشرف، لكنها تتولد بسبب البطالة النضالية.

من حق القوى السياسية تحصيل مكاسب هنا وهناك. ولكن لا بد ان يكون لها هدف، او استراتيجية مركزية، لا تضيع في حمأة الصراع على أمور تفصيلية. أين هو الهدف الرئيسي؟

في ضياع كهذا، تتوفر فرصة لمجموعات انتهازية وخطيرة تذهب أو تهرب إلى الأمام فتدفع الخلل الوطني إلى تبني مشاريع عميلة بالمكشوف مثل صرخة من الأعماق التي:

·       تطرح تعايش مع المستوطنين في دولة “ديمقراطية” أي استسلام بالمطلق واستجداء العدو لقبولهم عرايا حفايا

·       تستغل هبوط المستوى الكفاحي للفصائل فتمسح تاريخ هذه الفصائل

·       تدعو للتعايش مع المستوطنين في وقت يقوم فيه هؤلاء بحرق الفلسطينيين.

·       وفي وقت التطبيع الرسمي العربي وخاصة السعودية.

هذه الصرخة، باسم “الجبهة الوطنية المتحدة في فلسطين، هي فيس-بوك كتبها بعض الصبية وبعض مثقفي استدخال الهزيمة. لكنها مؤشر على امر خطير، بمعنى أن لا أحد سال من هي واين هي! هذا ناهيك عن وجود كثير من مثقفي الطابور السادس الثقافي يطرحون طرح فريق الصرخة وإن بتسميات أخرى (أنظر مقالتي ساحاكم التطبيع رقم 7 في نشرة “كنعان” الإلكترونية، بتاريخ  8 آب (أغسطس) 2016، على الرابط التالي:

https://kanaanonline.org/?p=24083

 

هناك حتى الآن ثلاث كتل فصائلية للبلديات:

·       كتلة فتح

·       كتلة حماس

·       وكتلة تحالف مجموعة قوى تسمي نفسها القوى الديمقراطية.

هذا الصراع على المجالس البلدية يطرح تساؤلا جديا:

هل تم إنجاز، أم تجاوز المشروع الوطني واصبحت قامة القوى في مستوى البلديات؟ للبعض نعم وللبعض لا.

هنا تبرز مسألتان غاية في الأهمية:

الأولى: هناك فارق كبير بين تسييس البلديات وبين أساس عمل ودور البلديات. ما الذي يمكن ان يقدمه عضو حزب للبلدية ربما كان فاشلا في قيادة خلية حزبية؟ ذلك لأن البلديات هي القاعدة المجتمعية الأساسية إذا ما تم تخريبها يكون قد تم نسف المجتمع من اساسه سواء بالفساد، الرشوات، عدم الكفاءة عدم القدرة الفنية، وحتى البلطجة…الخ وطبعا التطبيع الذي يسري في دماء كثيرة ومنها المجالس البلدية.

لعل الوضع الطبيعي ان تلجأ القوى إلى التحالف مع شخصيات مجتمعية اقتصادية ثقافية قديرة لتدعمها في البلديات. لكن ما حصل حتى الآن أن رجالا ونساء من القوى تحولت إلى قطط سمان. واليوم هذه الشخوص تكافح بشراسة لجعل المجالس البلدية فصائلية لأهداف عدة منها عدم فتح ملفات السرقات والفساد والتطبيع في البلديات.

والثانية اخطر: وهي أن الانتخابات البلدية طالما هي صراع فصائلي، فهي تكشف أن حكومتي رام الله وغزة تحاول كل واحدة قياس قوتها كمقدمة لانتخابات ما يسمى المجلس التشريعي الذي هو من تمفصلات اتفاق أوسلو التطبيعي بامتياز.

ولكن الأمر لا يقف عند انتخابات مجلس الحكم الذاتي.

بداية، فإن أية انتخابات تشريعية ورئاسية تحت الاحتلال هي مثل اتفاق اوسلو غير شرعية ونتائجها غير شرعية اي السلطة ومجلس الحكم الذاتي مما يجعل كامل هذه السلطة ومؤسساتها غير شرعية ليس فقط لأنها تجاوزت مدتها (الشبه قانونية) أو  لأنها  تحت الاحتلال وباوامره بل لأنها تعترف بأن 78 بالمئة من فلسطين هو “إسرائيل” وهذا التطبيع الأقصى بل تعميق استدخال الهزيمة وتأبيده. سيرى البعض هذا القول تجنياً، ليكن له ذلك، ولكن عليه أن يُجيب: فلسطين وطن من؟

لكن هذه “الشرعية” غير الشرعية ذاهبة بالوطن إلى ما هو أخطر اي استكمال مشروع التسوية، أي أوسلو في الحالة الفلسطينية،  عبر ما يلي:

تنافس فتح وحماس على السلطة (بمؤسساتها الثلاثة التشريعية والقضائية وطبعا التنفيذية) لتوظيف هذه السلطة في مشروع الفدراليات المقترح بأكثر من سيناريو:

·       فدرالية اردنية فلسطينية تأخذ شكل حيز جديد هو استطالات جغرافية، من جنوب الأردن  الى جنوب الضفة ومن شمال الأردن لشمال الضفة وكذلك الوسط.

·       تتحول السلطة في الأردن إلى شبيهة بسلطة الحكم الذاتي أي سيطرة شرطية مخابراتية أمنية لا سيادة جغرافية بمفهوم قومي.

·       هذه الفدرالية مفتوحة على الكيان الصهيوني وهو دولة حقيقية، وهما ليستا كذلك، مفتوحة سياسيا واقتصاديا على الكيان الصهيوني.

·       مفتوحة بنيوبا حيت يتم تشريك البنية التحتية ماء كهرباء، طرق،مشاريع (قناة البحرين وادي السلام…الخ وكل هذه ستكون اليد الطولى فيها ماليا وسياسيا ووعسكريا للكيان الصهيوني.

·       هذا الشكل الأولي للفدرالية/ات، أما الشكل الأخطر فهو فيما لو هُزمت سوريا نكون أمام فضاء تطبيعي هائل للكيان الصهيوني يمتد من جنوب سوريا عبر الأردن إلى شمال العراق والمناطق المحتلة في فدرالية قبائلية سنية تكون بكل اتساعها فضاء جغرافيا للكيان المتماسك الوحيد اي الكيان الصهيوني ليندمج في الوطن العربي اندماجا مهيمناً.

·       وإن أمكن يوما ما تصالح السعوديين والهاشميين او سحق احدهما للآخر نكون أمام فدرالية سنية/وهابية  باسم القومية العربية كما هو تحالف الحرب على اليمن. وحينها الويل للعرب المسيحيين فما بالك بالشيعة..

إذن الفوز في البلديات يفتح الطريق للفوز في الانتخابات للمجلس  ولرئاسة السلطة. ومن يفوز يصبح مؤهلا للدخول في الفدراليا/ات المطروحة.

وقد يقول البعض إن هذا ينطبق على سلطة رام الله، وليست سلطة غزة. وهذا غير صحيح، فحركة حماس منذ الراحل احمد يسين وحتى آخر تصريحات خالد مشعل مستعدة قيادتها السياسية للاعتراف بالكيان الصهيوني مقابل دولة على كامل حدود 4  حزيران 1967 ، طبعا سلطة الحكم الذاتي مع دولة زائد/ناقص حدود 1967. ناهيك عن أن البعدين الإيديولوجي والتحالفاتي لحماس يزكيان ذلك:

·       الإيديولوجي لأن قوى الدين السياسي تفضل الإيديولوجيا على الوطن.

·       والتحالفاتي: لأن حلفائها من قطر حتى تركيا هم في حلف مع الكيان الصهيوني.

وفي النهاية، إذا كان القطبان الرئيسيان من حيث الوزن الانتخابي والتحالف الإقليمي/الدولي، يدفعان باتجاه الانتخابات والتنافس بينهما، وإذا كانا باتجاه الانخراط في التسويات الفدرالية، فما شأن وموقع الفريق الثالث أي الديمقراطي؟

هل يمكننا القول بان مجرد تورط الكتلة الثالثة  في انتخابات البلديات كمقدمة لانتخابات مجلس الحكم الذاتي والرئاسة  هو قبول غير مباشر بما تؤول إليه الأمور باتجاه الفدراليات؟ ستكون هذه الكتلة مجرد زيادة “مشروعية” الكتلتين الأخريين مما يعني ان شرف المقاطعة افضل حتى براجماتيا وتكتيكيا. هذا مع ان بوسع الكتلة الثالثة تنسيب مرشحين من البلد ودعمهم، وهذا ابعد عن التورط السياسي الخطير، وأقرب إلى مزاعمها بأنها أقرب إلى الجماهير حسب الرطانة اليسراوية.

قد يجادل البعض بان بعض فصائل الكتلة الثالثة هي ضد الاعتراف بالكيان؟ وهذه مسألة شديدة الإلتواء. فالمشاركة في انتخابات اوسلو السياسية هو اعتراف باوسلو وحتى توظيف نفعي له ومنه بغض النظر عن الخطاب العالي على أرجل من قش.

قد يكون هناك فارق بين تنظيم يفتخر بانه مع الاعتراف بالكيان منذ ما قبل 1948، وبين تنظيم فيه قطاعات ترفض ذلك. نعم هناك فارقا، ولكن هذا الفارق لا تحميه الحماسة، بل الوعي الثوري النقدي.

ملاحظة: كنت سأتحدث في هذا مساء الخميس الماضي على قناة فلسطين اليوم مشاركة مع د. موفق محادين، لكن عُطلا غير فني حال دون ذلك!

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.