إستراتيجيّة الحاضر والمستقبل !

ثريا عاصي

السلفية ممقوته لأنها إذا غشيت عقيدة أو سياسة قتلتها . ليس من حاجة إلى ارتجاع فصول الفاجعة اللبنانية – الفلسطينية 1970 – 1982 من أيلول الأسود في عمان إلى غزو الإسرائيليين للبنان والمنفى التونسي، لنتذكر من هم الذين قامروا في لبنان وفلسطين، بأوطان العرب وخسروا… من هم المتعاونون مع الإستعمار الإسرائيلي الإستيطاني العنصري تحت مظلة الولايات المتحدة الأميركية وكلاب حراستها في أوروبا.
من هم في المقابل الذين تصدوا لمقاومة المستعمرين الإسرائيليين بأسلوب ووسائل تقليدية، فكانوا يقلدون ويكررون المقاومات السابقة، دفاعاً عن وطن مهلهل، منذ أن دخلت دبابات المستعمرين  عاصمته وأبرم حكامه إتفاقية في 17 ايار 1983مع الأخيرين (بعد أقل من سنة من الإحتلال). كشفت أحداث هذه الفاجعة أن هذا الوطن هو كمثل أوطاننا الأخرى، أهله، الناس والحكام، لا يفقهون معنى الوطن ومعنى العيش المشترك. فلقد اتضح أنهم لم يغادروا القبيلة ولم يبرأوا من العصبية! يدخل الغزاة إلى بلادهم على ظهر قبائلهم المتنابذه التي لا تألو كل منها جهداً في البحث عن شيطان تستنصره على القبيلة «العدوة».
من البديهي أني لا أبخس حق المقاومين، وتحديداً مقاومي الحركة الوطنية اللبنانية الذين بادروا منذ اليوم الأول، بل كانوا السباقين إلى مقارعة الأعداء. أنا أقيم عالياً شجاعتهم وعطاءاتهم.
فما أنا بصدده في الحقيقة هو مداورة مسألة المقاومة الوطنية ضد المستعمر حيث لا يوجد وطن، أو ان مشروع الوطن توقف وتهاوى، بما هو توافق على العيش المشترك بين سكان الوطن بإشراف مؤسسات الدولة الوطنية التي تتوكل التشريع والتنظيم والنتفيذ والتطبيق والأمن والدفاع.
بكلام أكثر وضوحاً وصراحة ليس منطقياً أن ننظر إلى عدوان المستعمرين الإسرائيليين على لبنان بمعزل عن القضية الفلسطينية وعن أزمة الخليج التي نتجت عن إفتكاك علاقة التبعية التي كانت تربط بين إيران من جهة وبين الولايات المتحدة الأميركية.
لا بد في هذا السـياق من التذكير أيضاً بأن البيئة الشعبية في لبنان كانت معبأة إلى حد ما ضد الحركة الوطنية وضد الفصائل الفلسطينية . فكانت هذه البيئة بحاجة ماسة إلى معالجة بواسطة الترياق. لا يتسع المجال هنا للغوص في تفاصيل هذا الموضوع.
تأسيساً عليه، كان لازماً وضرورياً ومصيرياً أن تنشأ مقاومة تختلف عن المقاومات السابقة، يتعدى فعلها حدود «الوطن» الذي ضاع في موج العولمة بين المضاربات المالية السعودية من جهة وبين المراهنات على انتصارات المستعمرين الذين «لا يقهرون» من جهة ثانية.
أعتقد أن المقاومة التي أجبرت الإسرائيليين على الإنسحاب من لبنان تتميز عن المقاومات الوطنية «السابقة» وتحديداً الفلسطينية، بكونها أكثر واقعية وذات أبعاد إقليمية استراتيجية. هذا طبيعي استناداً إلى أن المعتدي مستعمر طامع في الهيمنة على «الشرق الأوسط الجديد»، ينجم عنه أن النضال ضد هذا المستعمر يجب أن يكون منتشراً على كل خريطة المنطقة المعنية. بمعنى آخر إن المعركة مع الإستعمار لا تهم الوطنيين في بلادنا وحسب وإنما تهم أيضاً الوطنيين في البلاد المجاورة. أظن أن معرفة جغرافية ساحة الصراع هي من العوامل الرئيسية في رسم الإستراتيجية الملائمة. ولكن هذا المبدأ لا يتسق مع السباق إلى السلطة!
تحسن الملاحظة أخيراً على هامش العلاقة بين الوطن والمقاومة أن الذين يبيـعون بلادهم  بالمزاد والذين يدافعون عن وطن لا يستطيعون التدليل على وجوده، يدعون جميعاً الحرص على الوطن ويشـككون بوطنية المقاومين الذين يتصدون للمستعمرين في لبنان، فذلك بحسب زعمهم يعرض البلاد للخطر، ولكنهم يشككون أيضاً بوطنية هؤلاء المقاومين عندما يدافعون عن سورية التي تتعرض لحرب يشنها المستعمرون وحجتهم أن ذلك قد يجلب على لبنان غضب الأخيرين. ألم يقل الذين سبقوهم أن قوة لبنان في ضعفه؟ نحن أمام خيارين، اما أن يكون الشرق الأوسط لشعوبه وأما أن يكون للولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل. ينبني عليه أن استراتيجية المستقبل تتطلب تقوية العلاقة التي تربط المقاومة بالناس بالإضافة إلى رفع مستوى الوعي بخطورة الإستعمار.

:::::

“الديار”، بيروت

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.