سأحاكم التطبيع 10

 

التطبيع وضع نتنياهو

على حافة “ممثلنا” الشرعي والوحيد!

د. عادل سمارة

 

في كتاب “إسرائيل الأخرى The Other Israel  للمنظمة اليسارية الصهيونية المنتهية “متسبين”  يورد آرييه بوبر مُعد الكتاب كيف كانت شبيبة العصابات الصهيونية في بدايات القرن العشرين تخرب ما تشتريه السيدات اليهوديات من المنتجات العربية حيث ينتظروهن في الأزقة.

 وهذا متوقع من عصابات استيطانية اقتلاعية معادية بالضرورة. لكنه بالنسبة لنا يكشف أن الكيان كان قد جهز نفسه لعداء طويل ضمنه حرب عدم التطبيع مع أهل البلد والأمة بمجموعها.

ضمن هذه السياسة التي هي :

·يومية بالمفهوم التطبيقي للصراع

·واستراتيجية بمفهوم الاقتلاع الشامل للشعب العربي الفلسطيني من وطنه وسحق الحّيز الجغرافي الفلسطيني كله وأبعد.

لذا شهدنا إصرار الكيان على “العمل العبري” أي عدم تشغيل العرب في المشاريع الصهيونية وعدم إدخالهم في النقابة الصهيونية “الهستدروت” ناهيك بالطبع عن احتلال الأرض، احتلال الأرض واحتلال العمل وحصرها يهوديا.

 ومسالة العمل هنا شديدة الأهمية لأنها تكشف فيما تكشف عن تخلف مختلف القوى الشيوعية التي اعترفت بالكيان و/أو دعت لدولة واحدة دون تحرير من موسكو حتى القدس حيث لم تدرك بأن العمل والنقابة العبريتين المنفصلتين تؤكدان أن هذا الكيان لن يتعايش في دولة مع أهل البلاد. وبالطبع، هذا يكشف تهافت شيوعيين عجزة في استخدام مبضع الاقتصاد السياسي. والطريف ان هذا لم يفهمه دُعاة الدولة الديمقراطية بمختلف طبعاتها وعن اي فصيل صدرت وخاصة دولة الصرخة من الأعماق لدولة مشتركة مع المستوطنين. خطورة هذه الدولة –دولة الصرخة –انها بلا رصيد وحتى بلا فصيل! أي انها مشروع استسلام بالمطلق.

يشتمل هذا على اكتشاف تناقضات هائلة في الخطاب الصهيوني، أيضا عجز كثيرون عن فهمه رغم وضوحه. ففي حين كذب الصهاينة والغرب الرأسمالي بأن فلسطين أرض بلا شعب، ألزمت القيادة الصهيونية نفسها بالعمل والنقابات العبرية بمعنى ان هناك عمل ونقابات لأهل الأرض التي يُزعم أنها فارغة.

نعم، ضمن هذه السياسة كان لا بد ان تنكر الحركة الصهيونية وجود شعب في فلسطين، أو/و وجود شعب فلسطيني، وهو ما درج عليه كثير من قيادات الحركة ومن ثم الكيان الصهيوني، وكذلك الأنظمة السياسية للغرب الأمبريالي.

كان اول رئيس وزراء للكيان ديفيد بن غوريون ولاحقا كذلك جولدا مئير ينكران وجود شعب فلسطيني. ولا شك ان هذا الكذب الوقح ما كان له أن يحصل لولا التعمية الإعلامية الراسمالية الغربية بما في ذلك حصة اليهود في هذا الإعلام.

لكن، الوثائق السرية عادة ما تكشف تناقضات العدو، وإن بعد حين.

يكشف ما يلي إقرار جولدا مئي بوجود الشعب الفلسيني.

 

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=10154386988579491&set=a.10151482615274491.1073741826.705424490&type=3

أما الذين لم يتمكنوا من إنكار وجود الشعب الفلسطيني، فقد برروا الاستيطان الصهيوني على أنه “استعمارإيجابي”.

إن زعم وجود استعمار إيجابي هو خطاب في منتهى الخطورة لأنه يحمل نقيضين:

·تبرير الاستعمار الاستيطاني ليمارس كل ما يقوم به الاستعمار غير الإيجابي ولكن بغطاء خبيث خطير

·للإدخال في روع المستعمَر، بأن التطبيع مع الاستعمار الاستيطاني ومنه الصهيوني هو أمر عادي وطبيعي ومفيد وهذا ما يؤسس لاستدخال الهزيمة و/أو الاستقواء بالضعف.

على هذه الأرضية تحديدا، قامت مختلف طبعات التسوية التي صاغها أجانب (اصدقاء كالاتحاد السوفييتي السابق والاتحاد الروسي الحالي) وأعداء كالولايات المتحدة الأمريكية ومجمل الغرب الرأسمالي وعرب وفلسطينيين.

يهمنا هنا المستوى الفلسطيني الذي تمظهر في طبعات عديدة للتسوية أو حل الصراع:

·دولة ديمقراطية (اطروحة فتح والجبهة الديمقراطية) في النصف الأول من السبعينات وهي الأطروحة التي انتهت إلى الاعتراف بالكيان الصهيوني على ثلاثة أرباع فلسطين والمطالبة بدولة في الضفة والقطاع على حدود 1967، والمطالبة بحق العودة. يؤكد بعض قادة فتح ان الحركة كحركة لم توقع اتفاق أوسلو وبالتالي فهي لم تعترف بالكيان. وهذا يطرح إشكالية مفادها: كيف يمكن العودة عبر الحدود التي يمسك بها الاحتلال والقول بعدم الاعتراف بالاحتلال نفسه.

·دولة اشتراكية (أطروحة قديمة للجبهة الشعبية) تم استبدالها ب دولة ديمقراطية في فلسطين التاريخية، ولكن إلى جانب الزعم بعدم الاعتراف  بالكيان حيث تتقاطع مع طرح بعض قادة فتح المذكور أعلاه.

·دولة ثنائية القومية

·دولة ديمقراطية علمانية

·دولة لكل مواطنيها

·دولة مع المستوطنين (مجموعة من المثقفين مستدخلي الهزيمة، أخيرا فريق صرخة من الأعماق وهو نفسه ما خلق اسم “الجبهة الوطنية المتحدة في فلسطين”  للتعايش مع المستوطنين في دولة في فلسطين التاريخية.

لعل أهم فارق بين أطراف الصراع هو على النحو التالي:

·موقف الحركة الصهيونية من الصراع ثابت وهو أخذ كل شيء بالقوة

·موقف الغرب الإمبريالي ثابت أي  دعم موقف الكيان الصهيوني بلا مواربة

·موقف السوفييت سابقا والاتحاد الروسي حاليا ثابت أي ضد تحرير فلسطين وإنهاء الكيان الصهيوني.

·موقف التوابع العرب، ثابت وغير ثابت. ثابت  من باب عدم المشاركة في النضال القومي ضد الكيان وغير ثابت بمعنى المشاركة في تقويض المقاومة والتحالف مع الكيان

·موقف الفلسطينيون وله طبعتان:

o     المستوى الشعبي الذي يعتبر الوطن فلسطيني ويجب تحريره

o     المستوى السياسي والثقافي وهذا متغير ومتعدد، بمعنى

فلسطينيون عرفوا الماركسية بطبعتها السياسية السوفييتية المتعايشة وطبعتها الاقتصادية الهشة في فهم الملكية الخاصة، فاعتبروا الوطن مجرد مكان وعلامة على الملكية الخاصة فنأوا بأنفسهم عن الملكية الخاصة واعتبروا ان العالم في صعود نحو الاشتراكية وبالتالي يكون هناك حل الصراع. هذا ما مررنا به في فترة الفهم المثالي الساذج للفلسفة المادية التاريخية، اي العجز عن فهم الصراع في الحياة وخاصة على مستوى النظام العالمي.

o     فلسطينيون مع الاعتراف بالكيان والتطبيع على خلفيات لبرالية دونية متخارجة

o     فلسطينيون قوميوا الاتجاه يرتفع سقفهم بالصعود القومي وينخفض نحو التطبيع في حالة الهزائم.

o     فلسطينيون من قوى الدين السياسي بدأوا محايدين تجاه الصراع العربي الإسرائيلي ثم نحو منحى م.ت. ف رافضين الاعتراف بالكيان الصهيوني ثم تماهوا مع مواقف أنظمة الدين السياسي (الخليج وتركيا) في الاعتراف بالكيان الصهيوني.  وانتهوا بإلى رؤية الوطم كمجرد مكان.

o     فلسطينيون توصلوا إلى موقف نهائي من الكيان بتبني استراتيجية الصراع مع العدو حتى التحرير ولكن كصراع عربي صهيوني واعتبار أي حديث عن دولة واحدة او دولتين في هذه المرحلة مثابة ضعف وخلخلة كفاحية، وبأن الحل هو في التحرير وإقامة فلسطين الاشتراكية كجزء من الوطن العربي، مع التركيز ان حل  الدولة الإشتراكية هي رؤية في هذه الفترة لا تُطرح كمشروع حالي آني.

وهي رؤية نقوم على : التحريروالعودة للأرض والممتلكات والمنازل (قرى ومدن…الخ) وإلغاء المؤسسة العسكرية الصهيونية والمجمع النووي والكيماوي. واندماج اليهود إثنيا في الوطن العربي الموحد او المتحد.

هذا التشتت في المواقف العربية والفلسطينية مقابل الثبات في الموقف الصهيوني هو الذي زاد تمترس الكيان الصهيوني وراء موقفه المتمثل دائما، والآن خاصة في دولة يهودية نقية وما اسميه دولة لكل مستوطنيها.

 هذا المناخ المتهالك نقل الصهاينة عبر التطبيع بالطبع، إلى الهجوم لاحتلال المواطن الفلسطيني نفسه، ولا شك العربي. لنقرأ هنا فيديو سجله رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو للعالم.

https://www.youtube.com/watch?v=Jz7Jf1Ts3IE&feature=youtu.be

” ساقول ما قد لا تصدقوه، ولكنني سأقوله، أنا رئيس حكومة إسرائيل أهتم  بالفلسطينيين أكثر من قياداتهم، إسرائيل تهتم بالفلسطينيين أكثر من قياداتهم.  طبعا هذا يبدو غريباً. لقد سرقت حماس ملايين الدولارات التي تتبرع بها لأطفال غزة منظمة وورلد فيجين والأمم المتحدة، حماس تسرقها لإقامة ماكينة حرب تسرق المال المخصص لأطفال غزة  لتقتل بالسلاح  أطفال إسرائيل . إذن من الذي يهتم بالفلسطينين أكثر؟

ان حماس تسرق مساعدات هامة وحيوية. نحن نسهل دخول المساعدات، بينما حماس تحرم الأطفال منها. نحن نعالج الجرحى الفلسيطنيين  لكن حماس تمنعهم من العلاج عندنا. حماس تؤذي السلام”.

لا حاجة لشرح كم هو ضعيف إخراج ومحتوى هذا الفيديو، وهو شبيه بالمخطط الذي عرضه نفس نتنياهو قبل سنتين في الأمم المتحدة عن القنبلة النووية الإيرانية. لكن أهمية هذا الفيديو في وصول العدو درجة من التطاول تقارب القول  بأن الكيان الصهيوني هو “الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني”. كيف لا؟ فمن يقرا صرخة التعايش المستسلم مع المستوطنين يتوقع التطاول الصهيوني هذا

وراء هذا التطاول، والثقة الزائدة بالنفس إلى حد الزيف المفرط، تعبر في الحقيقة عن استغلال صهيوني هائل لتهافت التطبيع الفلسطيني والعربي مع الكيان الصهيوني.

يفيد في هذا السياق أن يُرجع كل طرف فلسطيني محتوى مشروعه في الدولة الواحدة او الدولتين، ليرى حدود تقاطع مثلا: الدولة الديمقراطية العلمانية في فلسطين، وبشكل خاص الدولة المشتركة مع المستوطنين كما يطالب فريق صرخة من الأعماق!

أيها السيدات والسادة، نتنياهو لن ينتظركم، هو أمامكم يحدوه امران خطيران:

·     ان يمثل الفلسطينيون كقطيع شكلاني في ظل دولة لكل مستوطنيها بأقل عدد وحقوق ممكنة

·    وأن يكون الكيان مندمجا اندماجا مهيمناً في الوطن العربي.

رُفعت الأقلام وجفَّت الصحف.

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.