لما عادت اميركا الى التلويح بمباحثات جنيف السورية؟

العميد د. امين محمد حطيط

قبل نيف وأربعة أشهر وبقرار أميركي واضح اقفل الباب امام العاملين لإيجاد حل سياسي في سورية، حل يكون من شأنه ان يعزل الإرهابيين ويحشد الطاقات لقتالهم وان يمكن السوريين من إيجاد آلية ناجعة لتطوير نظامهم السياسي بالشكل الذي يحفظ وحدة البلاد ووحدة شعبها.

لقد أقفلت اميركا الباب يومها وأمرت الوفد الذي يمثلها في جنيف (المسمى وفد المعارضة السورية والذي تديره شكلا الهيئة العليا للمفاوضات ومقرها الرياض) أمرته بالانسحاب لانها قررت فتح الجبهات وتنفيذ الخطة ب التي تقضي في نهايتها الى تقسيم سورية مع استنزاف جميع من شارك في الحرب دفاعا عنها حتى إذا خسر الحرب في النهاية لا يكون له القدرة على ردة الفعل وإذا ربحها لا يكون له القدرة السريعة على الاستثمار بل يضطر الى التراخي والتمهل وقتا تستغله قوى العدوان لإفراع النصر من محتواه وتغيير الواقع ولو بعد حين.

واليوم تأتي اميركا وعلى لسان مندوب الأمين العام للأمم المتحدة والذي لا يتحرك الا بقرار أميركي تأتي وتعلن عن النية لاستئناف العمل على المسار السياسي وإطلاق مباحثات جنيف السورية -السورية (وهي حقيقة سورية-اجنبية) وتسارع ما تسمى الهيئة العليا للمفاوضات لإعلان استعدادها للمشاركة فيها فما الذي تغير بين اليوم و15نيسان ابريل الماضي حتى تنزع الاقفال و تفتح الطريق علما بان سورية كانت دائما و لازالت حاضرة لاستئنافها ؟ وهل حققت اميركا أهدافها في الميدان بشكل منحها الأوراق المطلوبة للعودة الى التفاوض؟

لقد عملت اميركا مع ادواتها الإرهابية والمسلحة أربعة أشهر في الميدان ودخلت في معارك كر وفر كادت في بعض اللحظات تدعي انها امتلكت فيها أوراق القوة المطلوبة التي تمكنها من التفاوض بشكل يؤدي الى إنجاح الخطة ب في الأساسيات منها خاصة لجهة فرض التقسيم الصريح او المقنع لسورية وتاليا الحضور الدائم على الأرض السورية بما يطيح بالسيادة السورية والقرار المستقل.

  لكن قوى الدفاع عن سورية التي نواتها القوة السورية الذاتية و جسمها محور المقاومة و قوى الدعم و الاسناد الروسي ، قامت بالرد في الميدان أيضا بمناورات او قتال دفاعي او عمليات هجومية بما جعل مفاعيل العمليات الإرهابية و القتالية التي تديرها اميركا منخفض التأثير محدود المفاعيل ، حيث سجل في غير صالح اميركا أمور هامة منها : توجه قوى من الجيش العربي السوري باتجاه الرقة ما حمل “قسد” التي ترعاها اميركا للتحول الى منبج و العمل هناك 10 أسابيع حتى اخراج داعش منها ، كما سجلت  العملية العسكرية الرائعة التي قادتها سورية و حلفاؤها في منطقة حلب و التي أدت الى احكام الحصار حولها و تهيئة البيئة العملانية لتطهيرها ، ثم كان الفشل في محاولات الإرهابيين فك الحصار و يضاف الى ذلك فشل ما يسمى ” جيش سورية الجديد” في طرد داعش عن الحدود العراقية السورية عن البوكمال وعجزه عن الإمساك بالمعبر الحدودي هناك.

هذا في الميدان ، اما في السياسة و مع اقتراب موعد الانتخابات الأميركية الرئاسية التي  يفصلنا عنها اقل من ثلاثة اشهر ، و التي باتت فيها ورقة الإرهاب و رعاية التنظيمات الإرهابية ورقة أساسية يلعبها الجمهوريون بوجه الديمقراطيين الذين يمسكون بالإدارة الحالية و عطفا على  ما تسببت به محاولة الانقلاب التركية بعد احتوائها ، و ما احدثته من متغيرات في السياسة التركية الداخلية و في نظرة تركيا اردغان الى علاقاتها مع روسيا بعد ان  حملت اميركا و اتباعها المسؤولية عن الانقلاب ، و بعد تطور العلاقات بين روسيا و محور المقاومة   بشكل تحالفي تصاعدي ، ثم مراجعة العلاقات التركية الروسية لما فيه مصلحة البلدين الاقتصادية بشكل خاص ، مقرونا بتفاهم يمنع صدام البلدين في سوريا ، بعد كل ذلك يبدو ان  اميركا باتت ترى   المشهد في سورية وفقا لما يلي   :

1.  عسكريا: لا تملك اميركا الوسائل العسكرية التي تمكنها من احداث نصر مؤكد خلال فترة الثلاثة أشهر المتبقية للانتخابات الرئاسية الأميركية وبالتالي يبدو انها قررت  ان تقود عملياتها العدوانية ضد سورية تحت عناوين ثلاثة:

–     الاستمرار في قضم الأرض في الشمال على يد “قسد ” وسواها ولهذا هللت اميركا لإنجاز اخراج داعش من منبج بالشكل الذي حصل، كما انها تحاول ان تعد لفتح معركة الباب لاقتراب أكثر من حلب او إعادة المحاولة بالتوجه الى الرقة كما كانت خططت سابقا

–    منع الجيش العربي السوري من استكمال معركة حلب باي طريقة من الطرق وهي تسلك في هذا الامر أكثر من مسلك، بدءا بالمطالبة بوقف إطلاق النار وفتح “ممرات إنسانية” للمحاصرين في حلب الشرقية تحت اشراف الأمم المتحدة ما يعني تمكين اميركا من تزويدهم عبر هذه الممرات بالسلاح والتجهيزات اللازمة للاستمرار، ومنها محاولات فك الحصار.

–    استثمار ما تبقى من وجود لداعش في سورية، وما يمكن الاستفادة منه بوجود المجموعات المسلحة والإرهابية من اجل استنزاف محور المقاومة ومنعه من حسم الأمور في جبهات جديدة بما يراكم انتصاراته ويرفع من معنوياته وإلزامه بالتراجع عن المبادئ التي من اجلها دخل معركته الدفاعية القائمة.

2.  سياسيا: تدرك اميركا ان معسكر العدوان الذي تقوده ضد سورية يكاد يكون في أسوأ حال من التفكك والترهل منذ ان بدأ العدوان ويكفيها نظرة على التراجع الأوربي والتقلب التركي والعجز السعودي حتى تعرف انها ليست في الحال المريح لخوض معركة سياسية ناجحة تحقق اهداف العدوان. وبالتالي تعرف ان مفاوضات سياسية حول سورية في الظرف الحاضر ستفضي الى أحد امرين: اما إعطاء سورية وحلفاؤها ما يريدون مما خاضوا الحرب من اجله وهو وحدة سورية ارضا وشعبا وسيادة وقرارا مستقلا، او فشل المفاوضات دون تحمل مسؤولية الفشل. وبين هذين المسلكين لا يمكن للإدارة الأميركية ان تختار التسليم بالهزيمة قبل أيام من الانتخابات الرئاسية.

اذن اميركا اليوم لا تستطيع ان تحسم في الميدان ، و لا تستطيع ان تبتز بالسياسة كما وترفض قطعا الإقرار بالهزيمة لكل ذلك نرى ان السلوك الأميركي خلال الأشهر الثلاثة المقبلة سيكون في اتجاهات ثلاثة : استمرار المراوغة في الميدان استنزافا مع الحؤول دون تحقيق الخصم لأي أنجاز جديد فيه مصلحة للحكومة السورية، المراوغة في السياسة و العودة الشكلية الى المفاوضات التي قد تعقد في أيلول المقبل بعض جلساتها للإيحاء بجدية أميركية ، اما على صعيد معركة حلب فان اميركا ستلقي بكل ثقلها لمنعها ، و ستواجه طبعا إصرارا سوريا مقاوما لاستكمالها مع دعم روسي لموقف محور المقاومة دون الاصطدام بأميركا او اغضابها .

:::::

“الثورة”، دمشق

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.