النهج التفريطي وضياع الحق في فلسطين التاريخية

غسّان أبو نجم

كي لا نقع ضحية نهج جعل التنازل والتفريط برنامجا مرحليا واستراتيجيا.
من المسؤول عن ضياع الحق التاريخي في فلسطين؟
ماذا قدم الكيان المغتصب مقابل هذه التنازلات؟

انها اسئلة كبيرة وعميقة والاجابة عليها اصبحت ضرورة ملحة حتى لا يجد الشعب الفلسطيني نفسه شعب بلا ارض وبلا تاريخ وبلا حقوق ونقع في المحظور.

ولكي نستطيع تتبع هذا النهج ومحاصرته وخلق الادوات والبرامج لايقاف هذا التدحرج والهرولة والتسابق على التنازل المجاني علينا ان نضع الامور ضمن سياقها التاريخي ونلقي الضوء على البدايات الاولى لهذا النهج الذي نذوق وسنذوق الويلات نتيجة لسيادته في برامج ومؤسسات واطر العمل الوطني الفلسطيني.

قد يبدو طرق مثل هذا الموضوع مغامرة سياسيه من جهة وتكتنفه صعوبة مهنية كون الموضوع شائك ومعقد ويطال برامج وشخصيات ومواقف موثقه واخرى تاريخ شفوي في صدور بعض من مارسوا العمل الوطني الفلسطيني ولكن لا باس من المحاولة لتكون طريقا نحو طرق هذا الموضوع وانا على ثقة بان سياتي من هو اجدر واكثر دقة في طرحه ومعالجته.

ولطول المقالة ساقوم بتجزئتها على حلقات املا ان اكون قد وضعت بين يدي من يطلع عليها جزء من هم وطني وقومي في زمان يحاكم فيها الشرفاء فقط لانهم شرفاء مدافعون عن حق هذا الشعب بارضه ووطنه من ابناء جلدته كانوا يوما رفاق دربه.

ساتعرض في هذه المقالة إلى اهم محطات التحول في البرنامج السياسي الفلسطيني عبر محطات تاريخيه في المسيرة النضالية الفلسطينية محاولا وضع المواقف السياسية ضمن اطارها الزمني التاريخي كون السياسة فن متغير ليكون الموقف اكثر موضوعية.

(1)

المحطة الاولى

شكل تغيير البرناج السياسي ل.م.ت.ف وتعديل الميثاق الوطني الفلسطيني بداية التنازل والتفريط الفعلي بارض فلسطين التاريخية لتسقط القيادة الفلسطينية المتنفذه وبعض حلفائها من اليسار خيار الدولة الفلسطينية على كامل التراب الوطني الفلسطيني واعتماد شعار الدولة الفلسطينية على حدود عام ١٩٦٧ لتسقط بذلك ثلثي اراضي فلسطين التاريخية بايدي الصهاينة المغتصبين، ولن ادخل في هذه المقالة بالظروف الدولية والإقليمية التي احاطت بالمنظمة في ذلك الوقت، ولكن ما يهمني هنا النتيجة العملية لذلك الموقف ولتلك السياسات التي اهدرت حق الشعب الفلسطيني بالاراضي المحتلة عام ١٩٤٨، واعترفت ضمنيا ولاحقا علنيا بالاحتلال كصاحب ارض وحق وبالتالي مالك دولة على ارض اغتصبها ورغم محاولات اليمين الفلسطيني تبرير هذه النتيجة وجهود اليسار في صد هذا التدحرج نحو التنازل عبر سلسلة من الخطوات السياسية والتنظيمية مثل تشكيل جبهة الرفض ومحاولات محاصرة القيادة الفلسطينية المتنفذه رغم كل ذلك ظلت الحقيقة القائمة على الارض هي سقوط اراضي عام ١٩٤٨ من حسابات وبرامج قوى العمل الوطني الفلسطيني بدون استثناء وظل الارتباط بها عاطفيا وجدانيا فقط وسقط برامجيا وعمليا في الواقع.

من هنا بدات حلقة التنازلات لتتلوها ارتدادات سياسية لاحقة كاعلان الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام ١٩٦٧ وعاصمتها القدس والدخول في سلسلة حوارات ولقاءات اسفرت بمجملها على تثبيت شرعية الكيان الصهيوني كواقع معترف بوجوده عالميا وعربيا وفلسطينيا واصبح المحتل من اراضي عام ١٩٤٨ حلما وقصيدة حنين في ادبيات هذا الشعب.

(2)
المحطة الثانيه

لقد ادى الجنوح السياسي الفلسطيني نحو مشاريع التسوية السياسية التي تعددت مصادرها واطرافها الى سلسلة من التنازلات حصل عليها الكيان الصهيوني بواسطة اطراف دولية امبريالية لم تتوانى عن اصطياد اي موقف للضغط على م.ت.ف لتحقيق المزيد من التنازلات عبر اعطاءها الوعود والتعهدات التي اثبتت الاحداث انها كاذبة ومخادعه ورغم ذلك اصرت قيادة م.ت.ف على الاستمرار بنهج التنازلات رغم التحذيرات التي وجهها اطراف من اليسار الفلسطيني.

ولم تقف قيادة م.ت.ف عند حد تعديل البرنامج السياسي للمنظمه وتعديل الميثاق الوطني الفلسطيني بل شاركت في العديد من المؤتمرات الدولية والإقليمية التي كانت المحصلة النهائية لقراراتها تثبيت الكيان الصهيوني واضفاء الشرعية لوجوده على ارض فلسطين المغتصبة ولم تكن لهذه التنازلات ان تتم الا عبر صفقات ومحادثات سرية قادها شخصيات فلسطينية مدعومة سرا من اطراف سياسيه كالمحادثات التي كانت تجري في اوروبا والحوارات الاكاديمية التي جرت في الاراضي الفلسطينية المحتلة في اوائل الثمانيات بين شخصيات اكاديمية فلسطينية واخرى صهيونيه بهدف جسر الهوة بين طرفي الصراع كما اعلن اطرافها بعد انكشاف امرهم وهي في حقيقة الأمر محاولات للبحث عن طرق ووسائل لاضفاء الشرعية للمغتصب وما يلفت الانتباه هنا ان معظم المحاورين لم يحملوا الصفة الرسمية بوصفهم محاورين باسم م.ت.ف مما سهل عملية التنصل منهم عند انكشاف امرهم من جهة والتنصل من اي التزام لا يتوافق مع ما يطمح له هذا التيار التفريطي من جهة اخرى.

ولم تقف محاولات هذا التيار الذي بدء يوسع قاعدة تغلغله في اوساط وجسم الحركة الوطنية الفلسطينية لم تقف عند اللقاءات الثنائية واللجان الحوارية عند هذا الحد بل بادر الى تحشيد مجوعات وافراد في جسم الحركة الوطنية ومن كافة فصائل العمل الوطني الفلسطيني لتسييد فكرة الحوار والتفاوض وتحييد دور السلاح بحجة اعطاء دور للعقلاء كما اسمتهم السيدة الامريكية خاصة ان السلاح الفلسطيني تم تشتيته في عدة عواصم عربية بعد اجتياح لبنان مما اعطى للتيار التفريطي فرصة كبرى لتمهيد الطريق امام مزيد من التنازلات والتفريط ..

(3)

المحطة الثالثه

لقد ادى اندلاع الانتفاضة الشعبية في كافة انحاء فلسطين وعلى كامل ترابها الى حالة من توحد الوجدان الشعبي الفلسطيني بين كافة مكونات المجتمع الفلسطيني في حالة فريدة اعادت حالة الوعي الوطني وضرورة وقف الهدر المجاني للمواقف السياسية من قبل فصائل العمل الوطني الفلسطيني وان فلسطين كل لا يتجزء وان المغتصب الصهيوني يجب مقاومته في كل مدينة وقرية فلسطينية من البحر الى النهر وادى هذا التلاحم الى اسقاط شعار الفصل بين ابناء الوطن الواحد(فلسطينيو الداخل وابناء غزة والضفة)لتعيد الانتفاضة الشعبية الى الواجهة اسم فلسطين التاريخية ووحدة الارض والشعب وجاصرت بذلك التيار التفريطي وفرملت حالة الدحرجة التي بدء بها ولو التقط ابناء التيار اليساري وقواه هذه الحالة التي فرضتها الانتفاضة وانتقدت نفسها ومواقفها وتراجعت عن برامجها التي تنازلت فيها عن ارض فلسطين التاريخية لاخذت القضية الفلسطينية منحى مختلف تماما ولكن يبدو ان هناك اطراف داخل اليسار الفلسطيني كانت تلهث خلف التسوية السياسية باعتبارها اسهل واقصر الطرق لتحقيق مكتسباتها الطبقية الضيقه.

ولم تدم الحالة طويلا فبعد ان نجحت الانتفاضة الشعبية على الارض بدء النهج التفريطي باستغلال مكتسباتها لتحقيق تسويه سياسيه ولكن بشروط افضل ورجع الى دائرة الوهم السياسي وكان مؤتمر مدريد عام ١٩٩١ والذي نقل حالة الصراع الى مصاف دولية وتم بحضور دول عربية وعالمية وبدور اوروبي فاعل بالاضافة إلى ممثل عن الكيان المغتصب الصهيوني ليكون بذلك ممثلين اثنين عن فلسطين التاريخية احدهما مفرط والاخر مغتصب ليكتسب المغتصب الصهيوني صفة شرعية فلسطينية عربية عالمية بان له الحق بما اغتصب وان الطرف الاخر الفلسطيني عليه الاعتراف بهذا الحق وكان ما اراد وخرج المغتصب الصهيوني منتصرا وفرض وجوده وشروطه على المجتمع الدولي وخرج الطرف الفلسطيني مهزوما رغم حالة الانتصار الذي حققته الانتفاضة، ليثبت بما لا يدع مجالا للشك ان على كافة اطر العمل الوطني الفلسطيني ان تحاسب نفسها وقيادتها وان تعلن صراحة بانها غير مؤهلة لقيادة هذا الشعب العظيم الذي فقد الآلاف من شبابه بين شهيد وجريح واسير.

يُتبع …

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.