«داعش» وأردوغان واللاعب الأميركي !

ثريا عاصي

لم يكن إذن نائب الرئيس الأميركي جون بايدن يروي قصة خيالية عندما قال ان تركيا والسعودية والإمارات تقدم الدعم إلى جماعات «داعش». أموالاً وسلاحاً وعديداً. كان الوصول إلى «داعش» يتم عبر البوابة التركية. كل الطرق من وإلى «داعش» كانت تمر في تركيا. أعتقد أن ذلك كان معلوماً من المراقبين جميعاً، عسكريين وإعلاميين وسياسيين، ومفكرين. ولكن كان مسكوتاً عنه في وسائل الإعلام العربية. أما في نظيراتها الغربية فكان العثور على تلميحات إلى وجود علاقة تربط بين «داعش» من جهة وبين حكومة أردوغان في تركيا من جهة ثانية يحتاج إلى مواظبة على المتابعة.
كان التوافق أعم على أن قطر والسعودية تتكفلان بتمويل جبهة النصرة، فرع القاعدة في سورية، ولكن وسائل الإعلام لا تتناول هذا الموضوع إلا لماماً وباختصار شديد. للدولار النفطي هيبة  وسلطة ودور في بعص البلدان الأوروبية حيث توجد جاليات  كبيرة من أصل عربي!
ينجم عنه أن المرء يخرج بانطباع بأن المسألة الرئيسة بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية ولكلاب حراستها في أوروبا، ليس الإرهاب الذي تجسده «داعش» وجبهة النصرة وإنما ضرب الكيان الوطني في سورية وتكسير جغرافيتها وتمزيق نسيجها الإجتماعي.
يحضرني تصريح لوزيرة خارجية الولايات المتحدة الأميركية أثناء ولاية الرئيس كلينتون، أعتقد أن اسمها مادلين أولبرايت، فحواه أن التخلص من الرئيس العراقي صدام حسين يبرر الحصار المفروض على العراق والتضحية بآلاف الأطفال العراقيين ! وكان قبل ذلك مسؤول الأمن القومي  الأميركي بريجينسكي في عهد الرئيس فورد قد قال في رد على مساءلته عن مسؤولية بلاده في خلق  جماعات المتشددين الإسلاميين في أفغانستان الذين تسبب إقتتالهم في وقوع مجازر كثيرة وفي خراب البلاد، قال هذا الرجل، ولكننا اسقطنا الإمبراطورية السوفياتية. هذا لم يكن صحيحاً لأن امبراطورية السوفيات كانت متداعية وكان إنهيارها متوقعاً لأسباب داخلية بنيوية !
ما أود قوله أن هذا الغرب الامبريالي، المتغول، يكذب عندما يذرف الدموع على الناس المحرومين من القوت ومن الدواء ومن المدرسة. ففي أغلب الأحيان يتحمل هذا الغرب الامبريالي قسطاً كبيراً من المسؤولية في انتشار الأوبئة القاتلة وفي إتلاف الزرع وفي ترسيخ الجهل والخرافة وفي دعم الظلم والعسف. لدينا أمثلة لا تحصى تثبت أن الولايات المتحدة الأميركية وكلاب حراستها الأوروبيين لا يترددون في ارتكاب الجرائم الشنيعة وفي استخدام الإرهاب من أجل الوصول إلى غاياتهم. لا ألمّح هنا فقط إلى الماضي الإستعماري ولكني أزعم أن ما يجري في بلاد العرب منذ تسعينيات القرن الماضي إنما هو في جوهره إعادة استعمار لهذه البلاد، ولكن باسلوب ووسائل جديدة أشد وحشية كونها تعرض شعوب هذه البلاد إلى نوع من الإبادة غير المباشرة بعد اختطاف نخبها أو بالأحرى تصيّدها، واستعبادها!
من البديهي أن «داعش» وجبهة النصرة اللتين تحاربان في سورية منذ عامين أو أكثر، تضمان في صفوفهما مقاتلين غير سوريين وتتلقيان إمدادات عسكرية ومؤناً وألبسة وأموالاً من خارج سورية.  لا شك في أن الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية المتعاونة معها، الذين يضعون هذه الجماعات على لائحة الإرهاب يعرفون جيداً الدول التي تقف وراءها. وهي كما نعلم جميعاً، دول  ترتبط بعلاقة تبعية بالولايات المتحدة الأميركية. ماذا تريد السعودية من سورية؟
بكلام أكثر وضوحاً وصراحة، توعز أميركا إلى دول المنطقة بمساعدة «داعش» والقاعدة في سورية من ناحية ومن ناحية ثانية تستصدر من مجلس الأمن قراراً بضرورة محاربة «داعش» والقاعدة في سورية بصفتهما جماعات إرهابية. أما ترجمة هذا التناقض على الأرض فهو الإبقاء على نوع من التوازن بحيث يتم استنزاف جميع الأفرقاء واستهلاك كميات كبيرة من السلاح والذخائر، التي تتحمل كلفتها الدول الخليجية طبعاً، إلى أن يقبل أحد الأطراف أو الطرفان معاً، شروط الولايات المتحدة الأميركية التي تسعى كما هو معروف إلى نشر الفوضى التي نجد نماذج عنها في الجزائر العراق، لبنان، ليبيا، اليمن، مصر، سورية. لمصلحة من يعمل الذباحون ؟

:::::

“الديار”، بيروت

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.