الكرد وجيرانهم !!

ثريا عاصي

دولة كردية ! ما فائدة القومية إذا لم تكن الغاية منها وضع أسس دعائم دولة مركزية تضمن للمجتمع الذي تمثله أو تدعي تمثيله، الإستقلال والإكتفاء الذاتي، إقتصادياً وسياسياً؟ بكلام أكثر وضوحاً وصراحة هل ان بلوغ مثل هذه الغاية يعد في زماننا، هدفاً واقعياً يمكن تحقيقه؟
نما إلى العلم أن الولايات المتحدة الأميركية أرسلت طائراتها الحربية إلى السماء السورية، تعبيراً عن سخطها على الحكومة السورية التي أعطت الأمر لسلاح الجو السوري بالتدخل في المعارك الدائرة في مدينة الحسكة في شمال شرقي سورية بين الجيش العربي السوري من جهة وجماعات الإنفصاليين الكرد من جهة ثانية، كون هذه الأخيرة في نظر الولايات المتحدة الأميركية قوى صديقة. أي انها تحظى برعايتها، فضلاً عن أنها تتلقى الدعم العسكري والتمويني منها ومن كلاب حراستها المحليين والإقليميين والأوروبيين.
لا أعتقد في هذا السياق، أني أبالغ في القول أن معركة سورية هي في جوهرها معركة أمة   تصبو إلى لم شملها وإلى فرض استقلالها وإلى تحقيق اكتفائها الذاتي، إقتصادياً وسياسياً وثقافياً. جميعنا يعرف كم هي قاسية وطويلة هذه المعركة وكم تتطلب من تضحيات. فهي مستمرة منذ بدايات القرن الماضي ولم تتوقف بعد!
أكتفي بهذا الاستطراد لأنتقل من بعدُ إلى مقاربة المسألة الكردية، التي يخيل إلي أنها تتدحرج  كمثل كرة النار في المناطق الحدودية التركية، السورية، العراقية والسورية. كانت زعامات كردية  تريد دفع الكرد إلى سيرورة في اتجاه معاكس للمبادئ التي ترتكز عليها عادة، القومية بحسب المفهوم  الإستقلالي السيادي سياسياً، إقتصادياً وثقافياً. بتعبير آخر، في الوقت الذي يناضل فيه السوريون من أجل استقلالهم كـأمة ، يحاول زعماء كرد أن يأخذوا أبناء جلدتهم ليس إلى الإستقلال ولكن إلى  التبعية للولايات المتحدة الأميركية. من المرجح أن يكون وراء مسعى هذه الأخيرة إلى بسط سيطرتها  على محافظة الحسكة، بواسطة زعماء الكرد، سببان : تقع مدن الحسكة والقامشلي والرقة ودير الزور في منطقة الجزيرة السورية، شرقي الفرات، التي يطمع الإسرائيليون بضمها إلى مشروعهم  الإستعماري الإستيطاني. هذا من ناحية، أما من ناحية ثانية فمن المحتمل أن يكون باطن الأرض في هذه المنطقة يذخر بمخزون نفطي كبير. الإستعمار الإستيطاني الإسرائيلي بالإضافة إلى وضع اليد على مصادر الطاقة كافيان من وجهة نظري لتسليط الضوء على مساحة كبيرة من ميدان الحرب التي تتعرض لها سورية.
أنا لا أفهم في الحقيقة كيف يستطيع الكردي أن يصير ألمانيا أو مواطناً بريطانياً ولا يستطيع أن يكون سوريا. لماذا كان شكري القوتلي الكردي رئيساً للجمهورية في سورية وكان الدكتور رمضان البوطي الكردي إماماً مسلماً، سوريا؟
أعتقد أن على الكرد أن يتذكروا أن زعماءهم في العراق جعلوا منهم أداة استخدمها شاه إيران والإسرائيليون بقصد إضعاف الدولة العراقية وتخريبها. وأغلب الظن أنه جرى توظيفهم طيلة سنوات الحرب الخمس على سورية، ضد الجيش العربي السوري، ولا شك في انهم عامل ضغط  وابتزاز على  حكومة العثمانيين الجدد في تركيا، الذين أعماهم حلم استعادة أمجاد السلطنة العثمانية عن طريق تزعمهم للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين. فلم يفطِنوا إلى أن مصلحة البلدين تركيا وسورية، الوطنية هي مشتركة في التصدي لتمدد النفوذ الأميركي ـ الإسرائيلي.
يبقى أن نسأل في هذا السياق، عن موقف « الثوار» السوريين من « الثورة » الكردية في الحسكة وفي منطقة الجزيرة. كيف وصلت نار التونسي البوعزيري إلى الكرد الذين انخرطوا في جيش أميركا في سورية؟
وأخيرا لا منأى عن القول أن زعماء الكرد لا يختلفون كما يبدو عن نظرائهم زعماء العشائر العربية لجهة إقحامهم في حروب أميركا وإسرائيل في المنطقة والتسبب بالعداوة بينهم وبين الأتراك والسوريين والعراقيين والإيرانيين. إنهم يوهمون الكرد بأنهم بصدد تكرار نموذج كردي على غرار الإسرائيليين. غاب عنهم أن الأخيرين جزء عضوي من الإستعمار الغربي، وأن علاقة هذا الأخير بالكرد هي أدنى بكثير من علاقته بالأتراك الواقفين منذ عقود على أبواب أوروبا!

:::::

“الديار”، بيروت

 

 

 

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.