المسألة الكُرْدِيّة واستغلال الإمبريالية للأقَلِّيات

الطاهر المُعِز

سياق الحرب على سوريا:

تتنزّل الحرب في وعلى سوريا ضمن الخطط الإمبريالية التي بدأتها أمريكا بالعُدْوان على العراق منذ 1991 وتواصلت خلال احتلال العراق (2003) وتخريب وتقسيم البلدان العربية ولا يزال المُخَطَّطُ قيد التنفيذ في ليبيا والعراق واليمن وسوريا، مع بعض التحويرات التَّكْتِيكِيّة التي لا تُخِلُّ بجوهر العدوان وأهدافِه… واضطرّت الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى القيام ببعض التحويرات بسبب مُقَاوَمَةِ الشُّعُوب المُسْتَهْدَفَة، وازدياد قوة الصِّين الإقتصادية ودفاعها عن مصالحها، وبسبب تجاوز روسيا أزمة 1998 المالية والإقتصادية، وبروز مجموعة “بريكس” وطموحاتها في إدخال بعض التحويرات على النظام الرأسمالي العالمي وغير ذلك من المُتَغَيِّرات والتَّوَازُنات الجديدة التي عكسها استخدام روسيا والصّين “حق النّقض” (فيتو) في مجلس الأمن بخصوص سوريا، خلافًا للقرارات التي اتُّخِذَتْ بِشَأْنِ ليبيا، وقبلها كانت العراق وأفغانستان وغيرها…

أصبحت سوريا تمثل إحدى ساحات الصِّراع بين روسيا والحلف الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة، وقد يكون استئناف الطَّيران الروسي القصف شمال حلب رَدًّا على إتمام الأمريكيين بناء القاعدة العسكرية الجَوِّية الثانية لهم في شمال شرق سوريا (في المناطق التي يسيطر عليها الإتحاد الديمقراطي الكُرْدِي)، وردًّا على تكثيف حلف شمال الأطلسي مناوراته قريبًا من روسيا وعلى تنفيذه مُؤَخّرًا مناورات “الزئير القطبي”، وتحليق القاذفات الأمريكية على بعد عشرات الكيلومترات من القواعد العسكرية الرُّوسِيّة غير بعيدٍ من القطب الشمالي أو من بحر البلطيق، وسبق أن قَرَّرَ زعماء “الناتو” زيادة تكثيف الوجود العسكري على الحدود الروسية ونشر خمسة آلاف جندِي إِضَافِي في دول بَحْرِ البلطيق، وفي بولندا، وبلغاريا ورومانيا وفق صحيفة “غارديان” البريطانية بتاريخ 05/08/16، وأعلن قادة روسيا عدة مرات أن التزامهم العسكري إلى جانب النظام السوري يُعْتَبَرُ دِفاعًا عن مصالح روسيا المباشرة (1)…

رَصَدَت الصين دخول حوالي 20 ألف عنصر من “الأيغور” (المسلمين الصينيين) إلى سوريا مع عائلاتهم، عبر تركيا، حيث تكَفَّل الحزب التركستاني الأسلامي وهو أحد فُرُوع “القاعدة” شمال الصين، بعملية التعبئة العقائدية والفكرية والتدريب العسكري لهؤلاء، قبل احلالهم في قرية (الزنبقي) على الحدود مع تركيا، بعد تهجير داعش والنصرة لِسُكّانها، وتَتَخَوَّفُ الصِّين من عواقب انتشار المُسَلَّحِين منهم في “الراموسة” (منطقة حلب) وعودتهم إلى الصين بعد تَمَرُّسِهِمْ على فنون الحرب، أما موسكو فتتخوف من مُخَطّطات التفكيك وتهْدِيد الأمن القومي الروسي، عبر بوابات عديدة، من أوكرانيا والقوقاز ودويلات بحر البلطيق وحدودها مع بولندا وفنلندا الخ، إضافة إلى وجود عددٍ كبير من مُسْلمي روسيا (من الشاشان والقوقاز) الذين تَكَفَّلَت السعودية وقَطَر وتركيا والتنظيمات الإرهابية الموالية لها بجَلْبِهِم وتدْرِيبِهم وتسليحهم وإدخالهم إلى سوريا، لِيُعَزِّزُوا فيالق الإرهاب العالمي، ويَبْقَى موقف الصين وروسيا (وحتى إيران) دفاعِيًّا

أما الولايات المتحدة فإن موقِفَها هُجُومي وعُدْواني، وما حربها على سوريا (الدولة والبلاد والشعب) سِوَى جزء من استراتيجية أشمل ومن مخطط أكبر، يتضمّنُ تفتيت البلدان العربية، ومواصلة الحرب التي بدأت (في مراحلها الحالية) في العراق وليبيا واليمن وسوريا… ومن الأساليب التي استخدمتها الإمبريالية الأمريكية وحلفاؤها من الحلف الأطلسي والرجعيات العربية استغلال النَّعَرات القبلية والعشائرية في افغانستان وباكستان والأقَلِّيات الطائفية (في لبنان) والجهوية في ليبيا والعرقية في العراق ثم سوريا (الأكراد)، وما تأسيس دويلة كُرْدِية في سوريا برعاية أمريكية سِوَى جزء صغير من مخطط “الشرق الأوسط الكبير” أو “الجديد”، الذي بدأ فِعْلِيًّا في العراق حيث تحول الصراع من صراع ضد الإستعمار البريطاني (ثورة العشرين) ومن ثورة اجتماعية (1958) إلى نزاعات مُسَلَّحَة بين “طوائف” ومُكونات الشعب العراقي الذي كان موحَّدًا ضد الإستعمار، وما مخطط الشرق الأوسط الكبير سوى تَتِمَّة أو تَحْدِيث لمخطط “سايكس- بيكو”، وسبَق نَشْرُ دراسات ووثائق وكُتُب أمريكية أو صهيونية منذ عُقُود، تناولت تفكيك الدول العربية، عبْرَ تأسيس دويلات متحاربة، على أُسُسٍ طائفية أو عرقية، أو تألِيب جزء من الشعب ضد جزء آخر مثل العِدَاء غير المُبَرَّر لفقراء المسلمين في مصر ضد فقراء الأقباط، وخصوصًا في مناطق “الصَّعِيد” الفقيرة والمَحْرُومة، وهو ما بدأ الحلف الأطلسي (بقيادة الإمبريالية الأمريكية) تَجْرِبَتَهُ في يوغسلافيا السابقة التي قُسِّمَتْ إلى ما لا يقل عن ست دُوَيْلات “مُسْتَقِلَّة”، بمُباركة الأمم المتحدة، وتقسيم دول الإتحاد السوفياتي السابق إلى دويلات متحاربة أيضًا أو تُناصِبُ بَعَضَها العِدَاء (تشيكيا وسلوفاكيا على سبيل المثال) أو تَسْليط القمع العنصري والإضطهاد ضد بعض الأقليات مثل “المُسْلِمِن” في بلغاريا أو “الغجر” في رومانيا… أما في البلدان العربية المُجاورة لفلسطين فإن الصراعات المُسَلَّحَة بين دُوَيْلاتٍ صغيرة تأسَّسَتْ على قاعدة طائفية تُبَرِّرُ وجود “دولة اليهود” (أو دولة يهودية) “الديمقراطية” التي يتكفَّلُ  الإعلام “الغربي” بالترويج لها وبتسويق “نموذجها الديمقراطي” (المُدجَّجِ بالسِّلاح)، وكان لبنان الذي أُنْشِئ على أُسُسٍ طائفية أحسن مُخْتَبَرٍ لذلك، حيث ظهر جَلِيًّا خلال غزو لبنان سنة 1982 تحالف الكيان الصهيوني مع قيادات الطَّوائف، منها الدروز لمُرُور الجيش الصهيوني من منطقة الجبل التي يتقاسمونها مع المسيحيين المارونيين، فيما تحالفت بعض قيادات المارونيين مع الكيان الصهيوني منذ عقود (أُسْرة الجمَيِّل وأسرة شَمْعُون على سبيل المثال، ولكل أُسْرَة منهما حزب ومليشيا مُسَلَّحة)

الدور الأمريكي في سوريا:

دَخَلت الولايات المتحدة وحلفاؤها من الحلف الأطلسي أراضي سوريا دون موافقة الحكومة، بل ضِدّها، كما تعودت ذلك منذ الحرب العالمية الثانية، ما يجعل من العمل العسكري الأمريكي “عدوانًا عَسْكَرِيًّا موصُوفًا ضد سيادة دولة مُسْتَقِلّة”، لكن “القانون الدولي” و”الأمم المتحدة” وغيرها من المنظمات الدولية تخضع للإمبريالية الأقوى، أي الولايات المتحدة الأمريكية، التي حوّلت شمال سوريا المُحاذي لحدود تركيا (عضو الحلف الأطلسي) والقريب من قاعدة “انجرليك” الضّخْمَة (تركيا) إلى مجموعة من القواعد العسْكَرِية، مستخدمة حجة “مُساعدة الأكراد” -الذين استفادوا من سلاح النظام السوري الذي سلَّمَهُ لهم في بداية سنوات الحرب، للدفاع عن هذه الأراضي ضد المجموعات الإرهابية- فيما أوْكَلت أمريكا مناطق أخرى من سوريا إلى السعودية وقطر والإمارات لتمويل وتسْلِيح المنظمات الإرهابية في منطقة “حلب” (شمال) ومناطق جنوب وغرب سوريا…

عملت واشنطن ما في وسعها خلال السنوات الأولى للحرب ضد سوريا، لتلتقي مصالح أمريكا مع عدد من القوى المتحاربة ومنها مليشيات الأكراد، لتكون أمريكا هي الرّابَح الوحيد من هذه الحرب، وأصبح الأكراد ورقة أمريكية يمكن تسويقها في الأوساط الديمقراطية والتقدمية، ما جعلها تحظى بقبول اليسار الأوروبي والأمريكي، وبمُشاركة اليسار الألماني في القتال مع “الأسايش” بهدف تقسيم سوريا، وطرد العرب والتركمان وغيرهم من “تل أبيض”… ثم أنشأ الجيش الأمريكي قاعدة عسكرية في مدينة “رميلان” التي تخضع لسيطرة قوّات سورية الديمقراطية (قسد) الخاضعة للميليشيا الكردية الإنفصالية (والتي أسَّسَها حزب العمال الكردستاني” (التُّرْكِي)، على الحدود السورية المشتركة مع العراق وتركيا، والتي أصبحت  مقراً لفريق التخطيط العسكري الأمريكي، ونواة لتأسيس فدرالية أو دُوَيْلَة كردية، خاضعة للإمبريالية الأمريكية، عبر “روج آفا”، فيما تحولت “عين العرب” إلى قاعدة عسكرية مشتركة بين أمريكا وبريطانيا وفرنسا واستراليا وألمانيا وغيرها، وانتشر “المُسْتَشَارُون” الأمريكيون في المناطق المحيطة بالحسكة (شرقًا وجنوبًا) ويقدّرُ عدد الجنود الأمريكيين ومُرْتَزَقَةِ الشركات الخاصة المتعاقدة مع وزارة الحرب الأمريكية والمُنْتَشِرَة في شمال سوريا بنحو خمسة آلاف جندي فيما ارتفع عدد المُقَاتِلِين إلى جانب مليشيات الأكراد (الأسايش) إلى نحو 20 ألف مقاتل، وزودتهم أمريكا بأكثر من خمسين ألف طن من العتاد، وتعمل واشنطن ما في وسعها لكي لا تنتقل أجزاء سوريا التي تُسَيْطر عليها “داعش” إلى الدولة السّورية وجيشها وحكومتها، بعد تحريرها، بل إلى مليشيات الأكراد، وربما غيرهم ممن تعمل الإمبريالية الأمريكية على تقديمهم لاحِقًا كقوى “ديمقراطية”، مع منع التواصل الجغرافي بين سوريا والعراق وزرع كيانات أخرى على الحدود بينهما في منطقة زراعية (الحسكة) على مجرى نهر الفُرات وغنية بالمعادن والطاقة (دير الزور)، وتحويل المشرق العربي إلى كيانات يُهَيْمِنُ عليها الكيان الصهيوني ويُبَرِّرُ وجوده ككيان طائفي عُنْصُرِي استعماري، ضمن عدد من الكيانات الأخرى…

أقامت الولايات المتحدة -خلال العامين الماضيين- حلفا مع “وحدات حماية الشعب” الكردية، وأقامت جدارًا يمتد من “المالكية” (شرق سوريا) إلى “عين العرب” (كوباني)، والى “منبج” غرب الفرات عبر سد تشرين، ويملك الجيش الاميركي قاعدتين جويتين في “الرميلان” و”عين العرب”، وتُخَطِّطُ القوات الأمريكية لاحتلال مطار “الجراح” شرق حلب، وهي بصدد إنشاء قاعدة جوية رابعة غرب الفرات، بعد احتلال مليشيات الأكراد مدينة “منبج”، وتُشِيرُ كل الدّلائِل (منها بناء القواعد) ان الجيش الأمريكي يستعد للبقاء في شمال سوريا، لحماية قواعده وحماية المشروع الفيدرالي الكردي في المنطقة ولمواجهة روسيا، من خلال تحالف مماثل للتحالف مع عشائر كردستان العراق، ما يمَكِّنُه ربما من الإستغناء عن تركيا….

ظَهَرَ التحالف الأميركي – الكردي للعيان بعد هجوم “داعش” على “عين العرب” (التي غَيَّرَ الأكراد والإعلام الغربي اسمها إلى “كوباني”) سنة 2014 وحرص قادة أكراد سوريا على إبرازه كتقاطع للمصالح، لكن الإمبريالية الأمريكية وتوابعها هي الطرف الأقوى في هذا التحالف، لذلك اشترطت ثمنًا سياسيًّا لهذا التحالف، مع الحِرْصِ على علاقاتها مع نظام تركيا الذي يقمع الأكراد، ولكنه أحد أعمدة الحلف الأطلسي، وعلاقاتها مع المنظمات الإرهابية الأخرى في سوريا ومع حُكّام الخليج الذين يُنْفِقُون على صفقات الأسلحة وعلى تدريب الإرهابيين في تركيا والأردن ولبنان والعراق، وتحرص واشنطن على الحفاظ على مصالحها (قبل أي اعتبار آخر) من خلال هذه التوازنات، من ذلك إنشاء القواعد العسكرية الأمريكية في مناطق “الإدارة الذّاتِية” والتَّحَكُّم في تسليح وتدريب مقاتلي بِشمركة “روج آفا” و”وحدات الحماية” (بمساعدة مليشيات عشيرة البرازاني في كردستان العراق) والتحكم في تَكتيكات واستراتيجية أكراد سوريا، كما تُمارسُ الولايات المُتَّحِدة ضغوطًا أخرى، من خلال التلويح بجعل الشريط الحدودي بين “جرابلس” و”إعزاز” منطقة نفوذ لتركيا

لا تستطيع “قوات سوريا الديمقراطية” (“قسد”، تحت هيمنة الإنفصاليين الأكراد) القيام بأي بادرة أو فتح أي جبهة دون موافقة (بل قيادة) “التحالف” الذي تقوده الإمبريالية الأمريكية، وأوردت أخبار وكالات الأنباء الأوروبية والأمريكية ان “قسد” لم تحصل على الضوء الأخضر لبدء حملة على مدينة “جرابلس”، لذلك امتنعت عن القيام بها، وان العشرات من جنود وضباط جيش البحرية الأمريكية يوجدون مع ملشيشيات الأكراد (الأسايش) في بلدة “المبروكة” في ريف “الحسكة” الغربي، واتخذوا من محيط مؤسَّسَة الكهرباء مقرًّا لهم، حال دخول الأكراد إلى البلدة، بذريعة “العمل على نزع الألغام”، وساعدوا قوات “الأسايش” الأكراد على التقدم، وعلى التحرش بالجيش السّوري في عدد من المواقع، في “الحسكة” بعد مُطالبة الإنفصاليين الأكراد “بحل وحدات الدفاع الوطني وجميع القوى المؤازرة للجيش والقوى الأمنية، وتسليم محلاتها ومَقَرَّاتِها” إلى الأكراد، ما اعتبره الجيش “مساسًا بسيادة الدّولة” (أصل الخبر من أ.ف.ب 18 و19/08/2016)

نبذة عن تاريخ الأكراد في سوريا:

يُقَدَّرُ عدد الأكراد في تركيا بنحو 22,5 مليون وفي كل من العراق وإيران بستة ملايين وفي سوريا بنحو 2,5 مليون، كانوا قِلَّةً قبل نحو خمسة عقود، بل لَجأُوا إليها في مُعْظَمِهِم من تركيا أثناء حملات القمع الرّهيبة التي طالت مجمل الأقليات في تركيا، منذ أكثر من قَرْن، ولا تتجاوز نسبتهم القُصْوى حاليا في سوريا 7% من إجمالي عدد السُّكَّان رغم تضخيم العدد ومبالغات بعض الأحزاب الكُرْدِية، وكانت الإمبراطورية العثمانية (ثم نظام جمهورية كمال أتاتورك) قد استخْدَمَتْ وَحَدات كُردية منذ 1915 في قمع بقية الأقليات، ويُعْتَبَرُ الأكراد أحْدى القوميات الكبيرة والعريقة في المنطقة، مثلهم مثل العرب والفُرْس (فيما وَفَدَ الأتراك لاَحِقًا إلى المنطقة)، لكنهم لم ينالوا حُقُوقَهُم، بل ذهبوا ضحية الإمبراطوريات الفارسية والعثمانية والقوى الإستعمارية التي قَسَّمَتْهُمْ، ولا ذَنْبَ في ذلك للشعوب التي تعيش حاليًّا في المنطقة، وساهم الأكراد في المجزرة التي ذهب ضحيتها ملايين الأرمن، وسمحت لهم الدَّولة التُّرْكِيّة باحتلال أراضي وقُرى الأرمنيين ونهب مُمْتَلَكاتهم، كما ساهمت وَحَدات كُرْدِية في قمع انتفاضات الفلاحين (منهم الفلاحين الأكراد) بين 1919 و1922، خلال فترة الحصار والحروب التركية الأوروبية

تَدَفَّقَت غالبية الأكراد على شمال سوريا -وبالأخص على منطقة “الجزيرة”- بداية من سنة 1926 (أثناء الإحتلال الفرنسي لِسُوريا) هربًا من مُطاردة الجيش التركي لآلاف العائلات الكُرْدِية المُساندة لتمرد الشيخ سعيد بالو (النقشبندى) في مناطق الأناضول الشرقية، ومنهم عشيرة “الفريكان”، وسمحت لهم سلطة الانتداب الفرنسي بالسكنى، ثم سَمِحَتْ لهم العشائر العربية والآرامية بالتوسّع نحو الجنوب والإستيطان في مناطقها، وبعد ذلك بِعُقُود سَمِحَت لهم حكومة الوحدة (بين مصر وسوريا) بالإستقرار، ووَهَبَتْهُمْ (بدون أي تَمْيِيز) أراضي زراعية وقعت مُصَادَرَتُها من الإقطاعيين العرب بداية من 1959 بعد أن كانوا مُسْتَقِرِّين على عمق خمسة كيلومترات فقط داخل الحدود السورية، بعد لجوئهم من تركيا، وسمح لهم جمال عبد الناصر، بداية من 1958 (في ظل حكومة الوحدة) بالإستقرار في المُدُن، أما تاريخيا فإن المقاطعات الثلاثة لمنطقة “الجزيرة” -التي تمتد من تركيا إلى العراق عبر سوريا- تعود إلى أسماء ثلاث قبائل عربية قديمة، لا يتكلم أهلها سِوى العربية: ديار بكر، شمال الجزيرة وديار مضر، غرب الجزيرة في حوض الفرات الأوسط (الرقة) وديار ربيعة شرق وجنوب شرق الجزيرة من الموصل إلى رأس العين (وفق كِتاب “مُعْجَم البُلْدان” ل”ياقوت الحَمَوِي”)، ووردت نفس المعلومات تقريبًا في مُؤَلَّفَات “ابن شداد” (الاعلاق الخطيرة) و”ابن حوقل” (صورة الارض) والمسعودي (مروج الذهب) وابن قدامة (الخراج)، وغيرهم، وتعرضت بعض المُدُن لتخريب الجيوش الغازِيَة مثل “تيمور لنك” في القرن الرابع عشر، ومنها مُدُنٌ يعود تأسيسها إلى ما قبل الميلاد بعدة قُرُون مثل “الرِّقّة” التي خَرَّبها جيش “هولاكو” مُنْتَصَفَ القرن الثالث عشر…

كانت العشائر الكردية من البدو الرحل تترك هضبة الأناضول في موسم الربيع وتنزل إلى الجزيرة السورية إلى جوار القبائل العربية، وانسجمت معها ومع تقاليد وعادات أهل المنطقة بفعل طول مدة العيش المشترك والمُصاهرة، إلى درجة عدم التفريق بين عربي وكُرْدي لا باللباس ولا باللغة، ثم استوطنت بعض القبائل الكردية الرحل منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر في سهول منطقة “الجزيرة” إلى جانب القبائل العربية، ولكن الأكراد بقوا أقلية صغيرة لا قيمة لها عَدَدِيًّا حتى نهاية الحرب العالمية الأولى واحتلال فرنسا لِسُورِيَا، وكان التدفق الأكبر لقرابة 25 ألف كُرْدِي، عَبَروا الحدود من تركيا إلى سوريا بين سنتي 1925 و1928 (بموافقة سلطات الإحتلال الفرنسي) هرباً من قمع القوات المسلحة التركية، وبلغ عدد الأكراد في سوريا نحو 90 ألف نسمة سنة 1938 وقرابة 250 ألف سنة 1959 بحسب “روبيرت زايدنر”، وبنحو 400 ألف نسمة في عموم سوريا سنة 1962، وفق القيادي والسياسي الكردي الإيراني “عبد الرحمن قاسملو” وقدّرَ ميخائيل م جونتر(Michael M. Gunter) أعدادهم في سوريا سنة 2004 بنحو مليون نسمة، قبل موجة الهجرة الكبيرة من تركيا نحو سوريا بداية من 1974، بعد اشتداد حملات القمع ضدهم وحرق الجيش التركي المحاصيل الزراعية وهدم قرى الأكراد وتَشْرِيدِهِمْ… ورغم تناقض المعلومات فإن مصادر الحركة الكردية تُقَدِّرُ عددهم بنحو ثلاثة ملايين في سوريا سنة 2015 يتوزعون في ثلاث محافظات أساسية هي الحسكة، وحلب، ودمشق، مع تواجد أعداد أقل في حمص وحماة وريف إدلب واللاذقية، ويُقَدَّرُ العدد الحقيقي بنحو 2,5 مليون كُرْدي في سوريا، جاء أكثر من تسعة أعشارهم من تركيا خلال العقود القليلة الماضية

الأكراد في خارطة “الشرق الأوسط الكبير”:

سمح الغطاء الجوي الأميركي بتسويق أحد الأطراف الكُرْدِيّة (حزب الاتحاد الديموقراطي) -الذي أسَّسَه حزب العمال الكردستاني في تركيا- وذراعيه الأمنية والعسكرية (الأسايش) و(وحدات الحماية) كأحد الأطراف الرئيسية لمكافحة الإرهاب وسمح كذلك بتحقيق بعض النجاحات العسكرية ضد تنظيم “داعش”، لكن هذه الإستراتيجية الإنتهازية لحزب الإتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا وخضوعه للشروط الأمريكية أدَّتْ إلى تَدَهْوُرِ علاقاته مع النظام السُّوري (الذي لا يزال يُؤمِّنُ رواتب الموظفين والخدمات الأساسية في مناطق سيطرة الأكراد وغيرهم) كما تدهورت علاقاته مع المكونات الكردية الأخرى، وعلى رأسها “المجلس الوطني الكردي” الذي يعتبر ان الإتحاد الديمقراطي الكُردي أصبح لُعْبَةً بيد أمريكا وورقة من أوراق السعودية التي عرضت (خلال اجتماع رسمي بين الطّرفين) تقديم المساعدة “لوحدات الحماية” ودعمها بالمال والسلاح على أن تستمر في محاربة الجيش السوري في الحسكة، وكانت السعودية قد ساعدت في السابق “وحدات الحماية”، مُشْتَرِطَةً إنهاء حالة التهدئة مع الجيش السُّوري ومحاربته في جميع مناطق تواجد “”الأسايش” و”الوحدات”، بناءً على خطة أمريكا التي أعلنت عزمها إطالة أمد الحرب في سوريا إلى حين تقسيمها والقضاء على الدولة المركزية (راجع التصريحات الرسمية في فقرة أخرى بعنوان “تصعيد أمريكي –كُرْدي في شمال سوريا”)

تعتبر قيادة “وحدات حماية الشعب” الكردية ان العُدوان الأمريكي-الأطلسي الإرهابي على سوريا (إضافة إلى الخلاف الأمريكي-التركي الحالي) يُمَثِّلُ فرصتها التاريخية لبناء مشروع قومي بدعم أمريكي، تَجَسَّمَ في التوسع العسكري الأمريكي وبناء أربعة قواعد جوية في مناطق السيطرة الكردية والتَّغْطِية الأمريكية (الإعلامية والسياسية والعسكرية) على حملات التَّطْهِير العرقي وتهجير المسيحيين والإعتداءات ضد السكان غير الأكراد التي تُمارسها مليشيات الأكراد التي تحوَّلَتْ إلى جيش قِوَامُهُ نحو 40 ألف مُقاتل، في ظل عجز الجيش السّوري على نشر مزيد من القوة العسكرية في الشمال الشرقي للبلاد وعدم قدرة الدّولة السّورية على مُنافسة القُدْرَة المالية للأكراد المدعومين أمريكيًّا، فبينما تُسَدِّدُ الدولة نحو 20 ألف ليرة سورية شهريا (40 دولارا) لأعضاء وحدات الدفاع، يحصل عناصر وحدات الشعب الكردية على ثلاثة أضعاف هذا المبلغ (60 ألف ليرة)، ويصل راتب عنصر شرطة “الاسايش” الكُرْدِية الى أربعة أضعاف هذا المبلغ (80 ألف ليرة أو ما يعادل 160 دولارا)، وفضلاً عن ذلك حصلت وحدات حماية الشعب (الكردية) على المساندة السياسية والعسكرية من حزب العمال الكردستاني في تركيا، الذي انضَمَّ إلى الحلف الأمريكي، وأصبحت قياداته تُراهِنُ على مساندة الإمبريالية الأمريكية لكيان كردي في شمال سوريا بين أرياف حلب والرّقّة والحَسَكَة، حيث انتشرت القواعد العسكرية والمُسْتَشَارُون العسكريُّون الأمريكيون الذين لا يعتزمون الرَّحِيل في المستقبل المنظور، والذين يُؤَمِّنُون حاليا الغطاء الجوي والاستخباري والقوات الخاصة لعمليات “قوات سوريا الديموقراطية” التي تُهَيْمِنُ عليها المليشيات الكُرْدِيّة، وأعلنت قيادات سياسية كردية “إن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة التزم بحماية منطقتنا”…

فشِلَتْ الجهود السّورية والرُّوسِيّة في التهدِئة فاستمرَّت الاشتباكات في مدينة “الحسكة” بين الجيش السوري و”وحدات حماية الشعب” الكردية (بدعمٍ أمريكي مُبَاشِرٍ على الأرض وبواسِطَةِ الطَّيَران)، فيما استغل الجيش التُّرْكِي الفُرْصَةَ لتوْسِيعِ القصف المدفعي، مستهدفاً مواقع “قوات سوريا الديموقراطية” على نهر الساجور، الفاصل بين ريف “منبج” الشمالي ومدينة “جرابلس”، فيما أعْلَنَ رئيس حكومة تركيا بن علي يلدريم رفض حكومته “إقامة كيان كردي في شمال سوريا”، مع التذكير بالتحالف الوثيق القائم بين نظام الإخوان المسلمين في تركيا وزعماء عشائر اقليم كردستان العراق المَدْعُومِين أمريكيًّا

 تضَخُّم الدور الكُرْدِي في سوريا:

تمكنت القوات الكردية -بدعْمٍ عَسْكَرِي أمريكي- من التمدد في المناطق الشرقية والشمالية الشرقية والسيطرة على أجْزاء من الشريط الحدودي مع تركيا، والسيطرة على “منبج”، ضمن مشروع تأسيس كيان كُرْدي داخل سوريا ومُنْفَصِلٍ عنها تحت تسمية “فيدرالية” كُرْدِية (بقيادة الإتحاد الديمقراطي الكُرْدِي)، واحتلت مليشيات “الأسايش” -بِدَعْمٍ من قوات رديفة أخرى ومن الطيران وما لا يقل عن 300 من الخبراء ومُسْتَشَاري القوات الخاصَّة للجيش الأمريكي بحسب قناة “سي ان ان” 18/08/2016- مدينة ومُحيط “الحسكة” التي يقْطُنُها سوريون من السريان والأكراد والأشوريين والكلدانيين وطبعًا العرب الذين يُشَكِّلُون أغلبِيَّةً، وشَنَّتْ عناصِرُها هجمات على الجيش السّوري، وطَالَبَتْ “بحل قوات الدفاع الوطني وجميع التشكيلات الأخرى الرديفة للجيش السوري في الحسكة بما فيها قوات الدفاع الذاتي، وسحب جميع القطع العسكرية الموجودة وتسليم المقار الأمنية وقيادة الشرطة، بالإضافة إلى الاعتراف بالفيدرالية الكردية وتسيير شؤون المدينة…”، علمًا وان الحكومة السُّورية واصَلَتْ شراء إنتاج المُزارعين وتَسْدِيدَ رواتب الموظفين في المناطق التي تُسَيْطِرُ عليها القوى المعادية لها، ومنها القوات الكُرْدِية، وأسفرت هذه الإستفزازات عن تبادل القصف والعمليات العسكرية التي تَسَبَّبَتْ بسقوط الضحايا من المدنيين وبنزوح مئات الأُسَر من أحيائها، فيما زار “صالح مسلم” زعيم حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي (في سوريا) كردستان العراق للتشاور مع مسعود البرزاني ومع قائد التحالف الاميركي، الجنرال “شون ماكفرلاند” وطالَبَ بتعْزِيز الوجود العسكري الاميركي في الحسكة وفي القاعدتين الأمريكيتين (داخل سوريا) في “الرميلان” و”عين العرب”، كما طالب بتعزيز بقية قوات الحلف الأطلسي والقوات العسْكَرِيّة الغازية (الفرنسية والانغليزية والالمانية…)، وأعلنت وزارة الحرب الأمريكية (19/08/2016) تَدَخُّلَ الطيران الأمريكي إلى جانب قوات الإنفصال الكُرْدِيّة في تَصْعيد جديد ضد وحدة وسلامة اراضي سوريا، الذي تسارعت وتيرته (الإنفصال) منذ عبور قوات الأكراد غربي الفرات والسيطرة على منبج بعد عين العرب، وربط مدن عفرين ومنبج وعين العرب بهدف اقامة شريط كردي متواصل جغرافياً على طول الحدود مع تركيا، ومحاولة اجتثاث وجود الدولة السورية في الشرق والشمال السوري وكذلك اجتثاث الأُسَر العربية بإضرام النار في أراضيها وممتلكاتها ومنازلها، في دير الزور والحسكة والقامشلي، بمساعدة واشنطن التي أرسلت مروحِيّات وطائرات مُقاتِلة جديدة إلى قواعد أمريكية في المنطقة المحيطة بالحكسة، والعشرات من عناصر سلاح مشاة البحرية “المارينز” إلى قرية “المبروكة” (ريف الحسكة)، بذريعة “نزع الألغام”

قام الإعلام الغربي بإخراج مسرحية إبراز نساء مقاتلات في عملية استعراضية في عين العرب، جعلت اليسار الأوروبي (خصوصًا الألماني، غير المعروف بنضالاته التحررية والإجتماعية خلال العقود الثلاثة الأخيرة) والنسويات ينْشرون نفس الصور بنفس التعليقات التي صاغها الإعلام العسكري الأمريكي في مُختبرات وكالة المخابرات المركزية، والتقى مرة أخرى هذا اليسار المَشْبُوه مع الإمبريالية في مواقفه المُعادية للشعوب وللأمة العربية (وقبلها كانت افغانستان ومالي وافريقيا الوسطى ورواندا وغيرها)، وقبل بضعة أشهر كافأت الإمبريالية الفرنسية مليشيات كرد سورية، ومكنتهم من افتتاح مكتب لهم في باريس بإشْراف “برنار هنري ليفي”، هذا “الديمقراطي” و”التقدُّمِي” العريق الذي مَهَّد للعدوان على أفغانستان وعلى ليبيا والذي وصف الجيش الصهيوني بأنه لا يُضاهيه جيش في العالم في احترامه لحقوق الإنسان وفي أخلاقياته وتعامله الإنساني” مع الأعداء الفلسطينيين والعرب

تصْعِيد أمريكي- كُرْدي في شمال سوريا:

أظْهَرَت الخطة المالية لوزارة الحرب الأمريكية للعام 2017 أن أمريكا اختارت الحرب الطويلة وإدامة النّزاع المُسَلَّح كاستراتيجية، تعتمد إعداد ودعم وتمويل وتدريب الفصائل الإرهاببية العاملة في سوريا، والتي حازت ثقة الجيش الأمريكي، ومنها مليشيات الأكراد وحلفائها، ورصَدَتْ وزارة الحرب في ميزانية العام القادم 2017 مبلغ 250 مليون دولار “لتمويل مُعِدّات وتدريب مُقَاتِلين في سوريا” تحت عنوان “تمويل عمليّات طوارئ خلف البحار”، وسَمحت أمريكا للسعوديّة منذ تشرين الأول/اكتوبر 2013 بتوفير صواريخ “تاو” أمريكية الصُّنع لنحو 42 مجموعةً إرهابية منتشرةً في سوريّا ووصَلَت الدُّفْعَة الأولى في شباط/فبراير 2014، فيما تتعامل المُخابرات الأمريكية مباشرة مع نحو 13 مجموعة إرهابية في سوريا، ولَخَّصَ “روبرت مَالِّيه” -أحدُ مساعدي الرئيس الأميركي- في حديث إلى مجلة “فورين بوليسي” استراتيجية “الحرب الطويلة” بقوله “إنّ واشنطن مستعدة لعمل كل ما بوسعها لكي لا ينجح النظام السوري، وسنواصل تقديم الدعم للمعارضة السورية، لكي لا ينتصر النظام”، وسَبَقَ أن كَثَّفَتْ أهم المجموعات الإرهابية منها “جبهة النُّصْرة” نشر تصريحات إعلامية لأهم زُعَمَائِها الذين ظهر بعضهم على شاشة القناة الأمريكية “سي ان ان” لطمْأَنة واشنطن حول “عدم وجود أي نية لاستهداف مصالح (الغرب وأمريكا)”…

جرت العادة أن يُكَثِّفَ الإعلام الغربي والنَّفْطي الخليجي دعايته حول “انتهاك حقوق الإنسان وقتل الأطفال وقصف المُسْتَشْفَيَات”، كُلَّمَا تقدم الجيش السّوري وحقق بعض الإنتصارات في إحدى الجَبَهَات، وتتعَدَّدُ بموازاة ذلك الدَّعَوَات إلى اجتماعات دبلوماسية وجولات مفاوضات من أجل وقف إطلاق النّار ووقف تقدُّمِ الجيش السوري، وضغط “الحليف” الرّوسي عدة مرات على الحكومة السُّورية (التي لا يمكنها امتلاك قرارها المُسْتَقِل وسيادتها كاملة ما دامت تحتاج دعم إيران وروسيا) لكي توقف تقدم جيشها وتُرْسِلَ مُمَثِّلِين عنها إلى جولات مُفاوضات عبثية جديدة، استغلّها الإرهابيون والقوى التي تدعمهم للتزود بأسلحة جديدة وإعادة انتشار قواتها، وفي منطقة “الحسَكَة” فشِلَتْ كل اتفاقيات الهُدْنَة بين الجيش السُّورِي (أي الدَّوْلَة) ومليشيات الأكراد (الأسايش ووحدات الحماية) التي حرصت قياداتها على عدم إعلان موافقتها على أي هِدْنَة، واستغلت الوقت لإعادة تنظيم صفوفها والهجوم على مواقع الجيش ومباني الدولة، بدعم عسكري أمريكي (استخبارات واستشارات وسلاح…)، وتَدَخَّلَتْ روسيا في محاولة للتهدئة، وجَرَتْ جولة من المفاوضات بين الضُّبَّاط الروس وقيادات “وحدات حماية الشَّعْب” الكردية في قاعدة “حميميم” الجوية قي “اللاذقية” (التي تستخدمها روسيا منذ أكثر من ستة أشهر)، للبحث في طبيعة العلاقة المُسْتَقْبَلِيّة مع مُؤَسَّسَات الدولة السورية في عدد من المناطق ومنها أرياف  شمال حلب، ومنطقة “الحسكة”، لكن قوات الأكراد المَدْعُومَة أمريكيًّا خرقت كل الإتفاقات والهُدنات بعْدَ ساعاتٍ قليلة من فض الإجتماعات وخَطَفَتْ مُوَظَّفِين حكوميين، بل رفعت من سَقَفِ مطالبها إثر كل جولة مُفَاوَضَات، ومن هذه المَطَالِب “استثْناء الأكراد من الخدمة العسكرية” واستبدال قيامهم بهذا الواجب بالتجنيد في إطار “سلْطة قوات سوريا الديمقراطية” وطالبت ب”اعتراف دمشق بالإدارة الذّاتِية” الكُرْدِيّة (أي قَطْعِ الصِّلَة بمُؤسّسَات الدولة والإنفصال عن الوطن المُشْتَرَك مع بقية السُّورِيِّين) ما جعل السعودية ومَشْيَخَات الخليج تُكافِئُها وتَعِدُهَا (عبر قنوات رسْمِيَّة) بمزيد من الدّعم المالي والعسكري، من أجل إشعال المواجهة مع الجيش السوري وإنهاكه في عدة جبهات وفي نفس الوقت، أما سُكّان مدينة “الحَسَكَة” (أول المَعْنِيِّين بأمر مدينتهم) فقد نزحت أعداد كبيرة منهم من داخل المدينة نحو الأرياف القريبة…

تزامن التصعيد الكُرْدِي مع خوض الجيش معارك على جبهات عدة في آنٍ معاً، أبرزها معارك مدينة حلب، والسيطرة على طريق “كاستيلو”، لِقَطْعِ الإمدادات عن المنظمات الإرهابية من تركيا، وتحقيق الجيش بعض الإنتصارات جنوب “حلب”، ما يعني قيام تحالف موضوعي على الأرض بين كافة المُنظَّمات الإرهابية كيفما كانت التَّسْمِيَة (النصرة أو الوحدات أو جيش سوريا الحر…) واستهداف الجيش لتشتيت قواه، وفي نفس الإطار، تلَقَّتْ الفصائل الإرهابية التي تدعمها تركيا (مثل “الجبهة الشَّامية” و”فيلق الشَّام”) إشارة الإنطلاق لاحتلال المناطق السّورية التي تقع على الحدود التركية (منها جرابلس ومنبج وحتى الحسكة)، بغطاء مدفعي من الجيش التركي، مع ضَمَان صمت أمريكا بِشَأْنِ قطع تركيا الطريق  أمام مشروع الفدرالية الكردية، في عملية ابتزاز أمريكي تمارسها مع كافة حُلَفَائِها (باستثناء الكيان الصهيوني)

من جهة أخرى، اتهم “الائتلاف” السوري حزب “الإتحاد الديموقراطي” الكردي بافتعال “الحريق الذي استهدف مبنى محكمة “منبج” وتسبب في “إتلاف وثائق وسجلات الملكية العقارية التي تعود للمدينة وريفها”، معتبراً إياه “عملاً مدبراً بهدف تغيير التركيبة السكانية للمدينة” (أ.ف.ب 14/08/2016)، لكن مدير المصالح العقارية أوْضَحَ أن المصالح العقارية في دمشق تحتفظ بنسخ عن الوثائق والقيود العقارية في مختلف المحافظات، وهي آمنة

 

خاتمة:

قَطَفَ حلف الناتو ومليشيات الأكراد و”قسد” ثمار تضحيات الجيش السوري وحلفائه منذ خمس سنوات، في مناطق عديدة من البلاد، حيث دامت المعارك في مدينة “منبج” عدة أسابيع بدعم أمريكي قوي وانتهت بإخراج قوات “داعش” من المدينة التي تأسست قبل أكثر من أربعة آلاف سنة، وهي من أعرق المُدُن الآرامية في سوريا، وبعد طرد داعش منها، تؤكد أوساط “وحدات حماية الشعب” أن “منبج” ستكون جزءاً من الفدرالية التي أعلنت عنها مؤخراً، وهو ما من شأنه أيضاً أن يضاعف من منسوب الغضب لدى العشائر العربية التي تشكو على الدوام من انتهاكات (قوات سوريا الديمقراطية) “قسد” لحقوقها وممتلكاتها…

منطِقِيًّا، لا يُمْكِنُ لأي قُوَّةٍ سياسية أو عسْكرية تدعمها قوات حلف شمال الأطلسي (ناتو) وشيوخ نفط الخليج (عرب أمريكا) ادّعَاء الديمقراطية، خصُوصًا إذا كانت المخابرات الأمريكية هي مَصْدَرُ المعلومات والأخبار والتوجيه العسكري (بالتعاون مع مخابرات قوى استعمارية عريقة مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا)، لكن الغريب أن أقمار وصواريخ التجسس وطائرات أسلحة الجو والتقنيات المُتَطَوِّرَة لهذه المخابرات لا تتَمَكَّنُ من مُشاهدة  أرتال “داعش” المتألفة من 500 سيارة عسكرية على طول ستة كيلومترات وبداخلها 3500 إرهابي بأسْلِحَتِهم وعتادهم، باتجاه الرقة…

إن “تَحْرِير” أي منطقة في سوريا من قِبَلِ الناتو وعملائه المحَلِّيِّين يُعْتَبَرُ تَغْيِير احتلال بآخر، سواء كانت هذه المنطقة تُسَمّى الغوطة أو حماة أو دير الزور أو حلب… تُشَكِّلُ عِصابات “قسُد” (قوات سوريا الديموقراطية) و”النصرة” و”داعش” نفس الخطر على سوريا وشعبها، ما دامت مدعومة من الإمبريالية وحلف شمال الأطلسي… لقدْ هَجَّرَتْ مليشيات الإنفصالِيين الأكراد (بمساعدة أمريكية) سُكَّان القرى العربية في ريف حلب والرِّقة وكذلك القرى السريانية والآشورية واليزيدية، وهم أقدم سُكّان هذه الأرض

تُنَفِّذُ الإمبريالية الأمريكية خطة “الفوضى الخلاّقة” ضمن برنامج “الشرق الوسط الكبير” اعتمادًّا على قوى مَحَلِّية وبأخف الأضرار وعلى قوى الحلفاء من الحلف الأطلسي والإتحاد الأوروبي، وغيرها، ولبلوغ أهدافِها وتفتيت الدول والبلدان، تُشَجِّعُ أمريكا –بل وتختلق- أشكالا مَذْهَبِيّة داخل الدين الواحد (سُنَّة وشِيعَة) وطائفية وعشائرية (في عَصْر العولمة والطموح إلى جعل العالم “قرية واحدة”) وبعد استخدام “داعش” و”النُّصْرة” في سوريا، تسْتَخْدِمُ اليوم ورقة الصراع العرقي أو الاثني أو القومي بين العرب والأكراد وبين العرب والأتراك وبين العرب والفُرْس، وحَرَّكت الإمبريالية من جديد أكراد إيران (التي تدعم حكومتها النظام السُّورِي) بعد أكثر من عقدين من الهُدُوء على هذه الجبهة، واعتادت الإمبريالية اللعب على النَّعَرَات وابتزاز جميع من تتعامل معهم، حكومات أو أحزاب أو مُنَظَّمات، لِتَخْتَصِمَ كل األأطراف مع بعضها وتُحَقِّقَ الإمبريالية هدف تعميم الفوضى وخلق كيانات صغيرة، لا تَمْلِكُ مُقَوِّمات الحياة، ويُمْكِنُ للإمبريالية التَّحَكُّمُ فيها بِسُهُولةٍ، بِذَرِيعة “حمايتِها” من جيرانها الذين يُصْبِحُون الأعْدَاء الرَّئِيسِيِّين، فيما تُصْبِحُ الإمبريالية “حامية الأقَلِّيات وحقوق الإنسان والنساء والأطفال…” لكن خارج حدودها، أما داخل حُدُودِها فقد قضت القوى الإستعمارية الأوروبية منذ زمان على السُّكّان الأصلِيِّين في أمريكا الشمالية والجنوبية واستراليا ونيوزيلاندا وغيرها، ولا زالت العُنْصُرِية مُتَفَشِّيَة ضد المواطنين السُّود في أمريكا وضد المواطنين من أصول عربية أو افريقية في بلدان الإتحاد الأوروبي، ولم تَعْترف ولم تعتذر الإمبرياللية يومًا عن الجرائم العديدة والمجازر التي ارتكبتها قواتها المُسْتَعْمِرَة منها مجازر مدغشقر والجزائر والهند وغيرها، ولا زالت المناهج المدرسية تَمْتَدِحُ الإستعمار العسكري وتعتبر الشعوب غير الأوروبية “مُتَخَلِّفَة” والحضارات الأخرى غير ذات بال الخ

لِذَا وجب التشْكِيك في كل خطط وبرامج الإمبريالية الأمريكية وَمُحاربة تطبيقاتها على أرض الواقع، لأنها بطبيعتها مُناهِضة للبشرية وللتطور وللعدالة والمساواة

(1)          راجع “روسيا، تحالف الضّرورة” – الطاهر المُعِز (حزيران 2016)

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.