النهج التفريطي وضياع الحق في فلسطين التاريخية (الجزء الثاني)

غسّان أبو نجم

 

(4)
المحطة الرابعة

لم يكتفي هذا النهج التفريطي بانحنائه امام حالة المد الصهيوني الذي اكتسبه من مقررات مؤتمر مدريد بل حاول ابراز انتصاراته الوهمية في هذا المؤتمر واظهار الطرف الفلسطيني بانه خلق المعجزات وانه اكتسب صفة شرعية ووجود في المحافل الدولية نتيجة فعل الانتفاضة الشعبية على الارض وكأن الثائر ينتظر ان يعترف عدوه بمشروعية نضاله .
ولم يقف هذا النهج التفريطي الذي بدء يمتد افقيا وعموديا في كل فصائل العمل الوطني الفلسطيني عند هذا الحد بل تعداه الى اجراء مباحثات وحوارات جانبية وسريه في العديد من العواصم الاوروبية كمباحثات عبدربه بيلين ومباحثات صائب عريقات ومباحثات ابو علاء ولقاءات ابو شريف وغيرها ليخرج علينا هذا النهج باتفاق اوسلو سيء الصيت والسمعه والذي اعطى بما ما لا يدع للتحليل او التأويل مجالا الحق للمغتصب الصهيوني بامتلاكه كامل الاراضي التي اغتصبها عام ١٩٤٨واعطاه الشريعة في امتلاك ما اغتصبه والاعتراف بكيانه الذي قام على ارض فلسطين مقابل الانسحاب من غزة واريحا واقامة سلطة حكم ذاتي محلي في الاراضي المحتلة عام ١٩٦٧ وتدويل قضية القدس وتولي م.ت.ف ادارة هذه المناطق بالتنسيق مع المغتصب الصهيوني المحتل ضمن لجان تنسيق مشتركة لتتحول الثورة بقيادتها وكوادرها ومؤسساتها الى لجان تسهل ادارة هذه المناطق تحت اشرافه وفي مرمى نيران مدافعه لتسقط اراضي الضفة الغربية تحت نير احتلالين احدهما صهيوني وآخر فلسطيني مثلته الجحافل العائدة من المنفى ومن كافة الفصائل الفلسطينية وكوادرها العاملة بالداخل لتتحول الثورة الى جيش من الفاسدين واصحاب ياقات زرقاء كما سنرى لاحقا.

(5)

المحطة الخامسة

لم يكن اتفاق اوسلو حدثا عاديا او عابرا في تاريخ الصراع العربي الصهيوني بل كان اخطر وابشع ما قام به نهج التفريط وكل من تساوق معه على الاطلاق فلقد شكل الضربة القاضية الفنية لشكل ومحتوى الثورة الفلسطينية اذا حول الثوار المقاتلين الى جيش من الكتبة تنتظر رواتبها عبر الصراف الآلي نهاية الشهر وخلق فئة فاسدة متكسبة تمتلك القرار وتعيث بالارض فسادا وتحولت مؤسسات م.ت.ف الى مكاتب وثيرة ولقد نجح صانعو هذا الاتفاق ورعاته الى تحويل الثورة الى مؤسسة مدنية غارقة بالدولارات وحولت قواها الامنية الى شرطي يحمي مصالحها ومصالح المغتصب الصهيوني.
ولم تقف ارتدادات هذا الاتفاق عند الحدود السياسية فقط بل لقد نجح المفرطون اطراف هذا الاتفاق الى تغيير صورة البطل الفدائي امام ابناء الوطن فى الداخل وخلق وضعا سيكولوجيا لدى ابناء هذا الشعب ومنهم كوادر سياسية متقدمة بانهم كانوا يعيشون وهما اسمه ثورة وثوار وان ما يرونه امامهم ليسوا سوى مرتزقة وليسوا ثوار واصابهم حالة من الاحباط والعزوف عن العمل الوطني المنظم وتحول قسم منهم الى موظفين في اجهزة السلطة.
لقد لعب المال السياسي دورا خطيرا في قلب مفاهيم الجماهير الشعبية اتجاه الثورة ولعبت المؤسسات الاهلية المسيرة وبكل دقة لاغراق المجتمع المدني بالمال وافتتاح مراكز ومؤسسات تساعد على تثبيت هذا النهج ليصبح امرا واقعا لا مفر منه.
لسنا بصدد تقييم اتفاق اوسلو في هذه المقالة بل ما همني هنا ان نهج التفريط والتوجه نحو المزيد من التفريط والتنازلات اصبح نهجا مؤسسيا يمتلك القوتين الاساسيتين السلاح والمال لفرض وجوده على مكونات المجتمع المدني ويمتلك القضاء والسجون لمحاربة معارضيه وتمرير قراراته عبر مراسيم ادارية وانتقل من حالة العمل الفردي او اللجان المفاوضة بالسر والعلن الى مؤسسة تحاور وتنفذ ما يريده المغتصب الصهيوني طبعا بالترغيب تارة وبالترهيب تارة أخرى يساعدها بذلك المغتصب الصهيوني الذي يقتحم ويعتقل ويقتل من يريد وقت ما يشاء.

(6)
المحطة السادسة

ان حالة الانقسام التي ارادها المغتصب الصهيوني والفصل الجيوسياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة سهل عملية الهرولة لدى اطراف الانقسام لتقديم المزيد من التنازلات والتفريط للمغتصب الصهيوني فمن جهة تحاول سلطة اوسلو الاحتفاظ برضى الاحتلال ويحاول قادة الاخوان المسلمين في غزة الى تقديم مقترحات عبر وسطاء عرب قطر تحديدا التي اغرقت قيادتها بالمال السياسي واطراف اقليمية تركيا اردوغان للاعتراف بدولة الكيان الصهيوني وحقه باقامة دولته على الاراضي المحتلة عام ١٩٤٨ مقابل مكتسبات للجماعة وتحقيق سلطتها على قطاع غزة.
ما يلفت الانتباه بكل ما ذكر ان سياسة المغتصب الصهيوني ثابته ومتجهة نحو الصعود بفرض وجوده وشرعية الاعتراف به دوليا والسيطرة الفعلية على كافة اراضي فلسطين التاريخية والفرق هنا انه حصل على موافقة واعتراف النهج التفريطي الفلسطيني ودول عربية واقليمية ودوليه بينما بالمقابل نرى حالة التراجع والانحدار التي قادها هذا النهج ومستمر بها حتى اللحظة والنتيجة ضياع ما تبقى من الارض واحكام قبضة المغتصب الصهيوني على كامل اراضي فلسطين التاريخية وتنكر ويتنكر باستمرار حتى لابسط الاتفاقات التي تنتقص من سلطة سيطرته عليها بل اعلن وبكل صلافة ان لا مجال لتقسيم القدس وانها العاصمة الابدية لدولته المزعومة ويعمل الان في ظل حالة التردي السائدة في الطرف الفلسطيني والتردي السائد على المستوى العربي والإسلامي والدولي الى تحقيق اعتراف بيهودية الدولة الصهيونية ليضع بذلك حدا لكل محاولات المفرطين لتجميل صورة وضعهم وانجازاتهم.
لقد ادت سياسات المفرطين الى ضياع الحق الفلسطيني واسقط نهجهم ابسط حقوق هذا الشعب بالعودة لوطنه واعطى الشرعية للمغتصب الصهيوني بالارض الفلسطينية واسقط هذا النهج حلم الشعب الفلسطيني باقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني كاملا غير منقوص.

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.