احياء ذكرى الأربعين لرحيل المناضل تيسير قبعة

شهادات في نضاله وتضامن مع فلسطين

نظّمت عائلة وأصدقاء ومحبّي المناضل الفلسطيني تيسير قبعة لقاءً في ذكرى أربعينه في فندق غولدن توليب، أُلقيت خلاله شهادات بتاريخه النضالي الحافل وصفاته القياديّة، وذلك بحضور ممثل رئيس مجلس النواب نبيه بري، السفير السوري علي عبد الكريم علي، النائب عاصم قانصو، الوزير السابق بشارة مرهج، الأمين العام للتنظيم الشعبي الناصري الدكتور أسامة سعد، رئيس حركة الشعب ابراهيم الحلبي، رئيس حركة الشعب سابقاً نجاح واكيم، رئيس المجلس الأعلى في الحزب السوري القومي الاجتماعي محمود عبد الخالق، ووهيب وهبة ممثل رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي علي قانصوه، وممثل عن السفارة الإيرانية، د محمد خواجة ممثل عن حركة امل، وممثل عن رئيس الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط، كما حضرت الدكتورة صفية أنطون سعاده، كريم مروه، نديم عبدالصمد، عصام نعمان، صلاح صلاح، أبو أحمد فؤاد، وعائلته وحشد من الإعلاميين والصحافيين والكتّاب وأصدقاء المناضل الراحل.

استهلّ إحياء الذكرى بالنشيدين الوطني اللبناني والفلسطيني، وقدّمت اللقاء الإعلامية والشاعرة نوال الحوار، ثم تلاها بعدها كلمات وشهادات في مناقبية الراحل تيسير قبعة من قبل: السفير السوري علي عبد الكريم علي ، طلال سلمان ، نجاح واكيم ،عاصم قانصو ، زاهي وهبة، أسامة سعد، د. حسن حمادة، سركيس أبو زيد، بشارة مرهج، عبد الحسين شعبان، ثريا عاصي، فايز الشوابكة الأمين العام للاتحاد البرلماني العربي .

وفي الختام، ألقت كلمة العائلة ابنته رانيا قبعة، توجّهت فيها بالشكر للأصدقاء والمحبين، “الذين كان لهم الأثر الكبير بما قدّموه من تعاطف وحب خفّف عنّا تجشّم عناء الفراق”.

علي عبد الكريم علي

وألقى السفير السوري علي عبد الكريم علي كلمة، جاء فيها: “لم يغب وهو الأقوى حضوراً بيننا، قبل أن ألتقيه عرفته من أصدقائه ورفاقه من السير التي تتوالى على ألسنة محبيه، وعندما التقيته قبل شهور قليلة من رحيله وجدت فيه القامة التي رسمها محبو تيسير قبعة”. وقال: “في تلك الأمسية التي شرّفني فيها تيسير قبّعة وأسرته في دارة السفارة في بيروت تعلّمت منه كيف يكون حبّ الوطن، كيف يكون الانتماء لقضية. وجدتُ في هذه القامة التي كان قد هدّها المرض رجلاً يأبى الاستسلام. فيه شجاعة تخترق كل آلام المرض الذي كان يعانيه، في تلك الأمسية أصغيت إلى تيسير قبعة كيف يعشق سورية. كيف يعشق دمشق. كيف يرى في سورية ضمانة الأمة. كيف يرى في سورية فلسطين التي يحب ويرى في فلسطين سورية التي يحب. كلاهما في وجدان تيسير قبعة كان مفردة متلألئة في حروف متعدّدة يلوّن فيها ويعدد الصفات”. وأضاف: “تعلّمت من تيسير قبعة كيف رغم كل النكبات والانكسارات والخيبات والإحباط المتوالية على امتداد هذا التاريخ المليء بالصراع كيف يمتلك اليقين والثقة بأننا إلى النصر سائرون، وأننا رغم كل هذه الانكسارات والهزائم هو على يقين بأن هذه الأمة ولادة، كما أنجبت كباراً في وكباراً في المقاومين وكباراً في المبدعين هي ولّادة دائماً”، وقال: “رايته وهو يتألم على سورية اليوم التي تواجه كل هؤلاء شذّاذ الآفاق. رأيته يقول باليقين سورية اليوم ستخرج رغم كل هذه الجراح، لقد التقيت رأيسها الدكتور بشار الأسد ووجدت فيه هذا الرجل الذي يرى بعين الثقة واليقين إلى مستقبل سورية ومستقبل الأمة. إنّه وسورية ضمانة لفلسطين، وضمانة للقضية التي فُطرنا على الإيمان بها وعلى افتدائها”.

لذلك في غياب وفي وداع هذا الرجل الكبير أقول لأسرة تيسير قبعة، لمحبّي تيسير قبّعة، إنّ سورية التي أحبها تيسير وأحبّته كثيراً، سورية وفلسطين وكل القضايا التي آمن بها تيسير قبعة ستنتصر، ونحن مع ذكراه الجميلة سنحفظ صورة تيسير التي ستقاوم كل معاني الغياب والنسيان، ومثله لا يغيب ومثله لا يموت”.

حمادة

وقدّم الدكتور حسن حمادة (صفته الرسمية) سرداً استذكارياً حول مسيرة معرفته بالراحل في محطّات متنوعة، وقال: “معه يتألّق الثوري العاقل.. النزيه، المهذّب، المحبّ، وهو ليّن كالحرير لكنّه صلب كالفولاذ، عانى ما عاناه من تراكم التكتيكات التي طبّقت سياسة التنظيمات في محيطنا القومي”. أضاف: “لقد جمع القائد تيسير قبعة بين الفكر الثوري والعقل المؤسساتي كما تثبت كتاباته في السياسة والدستور، يطبع ذلك خصال الصدق والنزاهة واحترام الشعب والإخلاص للقضية، والحب الجامح لفلسطين”.

كما وشدّد الدكتور حمادة على أهمية عدم ضياع البوصلة التي هي القضية الفلسطينية، فقال: “الموضوع الأهم هو الحفاظ على البوصلة، فالبوصلة لا تخطئ: فلسطين. نقضيض فلسطين هي “إسرائيل”، لا مجال للتوفيق ما بين ما بين فلسطين و”إسرائيل”. لا يمكن لعاقل أن يؤيّد القاتل والضحية في آن، وحده النفاق يقدّم تبريراً لذلك، ولا خير يُرجى من سياسات تُبنى على النفاق، وفي مقدمتها سياسات الصهيونية العربية”. وأكّد حمادة أنّ “الأمر نفسه ينطبق على سورية، ونحن في السنة السادسة من الحرب الأطلسيّة – الصهيونية، وخلفها الأدوات لمحو سورية من الوجود. إنّها الحرب التي لم تُبقِ قناعاً واحداً إلّا وأسقطته. إنّها دورة جديدة من دورات الحملات الاستعمارية ضدّ بلادنا، نموذج ما حدث مع فلسطين هو النموذج الذي يُعمّم. تدمير، تهجير، لجوء ذليل وشتات، وحروب داخلية لا تتوقّف، وعنصر الدين وتجارة سلاح دمار شامل في يد الاستعمار الأنكلو ساكسوني”.

عبد الحسين شعبان

وأدلى أيضاً المفكر العراقي د. عبد الحسين شعبان بشهادته قائلاً: “سأظلّ أتذكّر ذلك الاسم وتلك الصورة التي ارتسمت في ذاكرتي منذ نحو نصف قرن من الزمان وأستعيدها باستمرار، وأستحضر تلك السجايا التي استجمعتها من علاقة مديدة، لأنّ تيسير قبّعة قامة وقيمة. قامة لأنّه ظلّ مرتفعاً، ولم يهبط حيث الصغائر، وقيمة لأنّه مثّل قِيماً سامية، وخصوصاً في فترات التراجع والانكسار وتبديل الأسماء والصور”. أضاف: “كان تيسير قبعة يحمل الكثير من عناصر القوة في شخصه، سواء جوانبها المعنوية والروحية أو في جوانبها الماديّة، خصوصاً بتوفّر الإرادة والوعي، وبقدر ما كان ثورياً وفدائياً وصلباً وحازماً، فقد كان في الوقت نفسه دافئاً وحميماً ورقيقاً ومرناً، وإذا كان له خصوم كثيرون، فلم يكن له سوى عدو واحد العنصرية الصهيونية. لقد كان تيسير قبعة واضحاً في حبه وفي كرهه، غير مخادع أو مخاتل، وكان من أكثر الصفات التي يمقتها هي الغدر والجحود، وتلك فروسية المقاتل الاصيل ونبل الفارس الحقيقي”.

مرهج

أمّا الوزير السابق بشارة مرهج، فقال: “نلتقي اليوم حول الراحل العزيز تيسير قبعة، المناضل الفلسطيني البارز الذي ساهم منذ يفاعته في حمل المشعل ومحاربة الاحتلا الصهيوني، وبلورة الشخصية الفلسطينية المستقلة المكافحة من أجل العودة والحرية والتحرير”. وتابع “أذكر في هذا المقاوم، ومن بيروت التي أحبّها الراحل الكبير وحرص عليها حرصه على عائلته الكريمة، أذكر باعتزاز كيف انتصب الراحل الكبير واقفاً بوجه الاحتلال الصهيوني يوم انكسرت الأنظمة أمامه في 5 حزيران 1967. لم ينكفئ تيسير ولم يستسلم، بل اتّخذ مبادرات طليعية ساهمت في تصحيح المسار، مواقف ألهمت الشباب العربي في الأقطار كلها، وحفّزته للالتحاق بحركة النضال الفلسطيني التي رفضت الهزيمة وحملت السلاح باسم الشعب المقهور والأسرى والشهداء”.

قانصو

كما تحدّث النائب عاصم قانصو مستذكراً بعضاً من تجربته مع الراحل، فقال: “نحن ومنذ التقينا في أواخر الستينات نستذكر الأماكن التي جمعتنا سوياً في بيروت ودمشق وطرابلس الغرب، وفي كل ساحات النضال التي عرفتك مناضلاً ثورياً مؤمناً بعروبته، عاملاً من أجل تحقيق وحدة الأمة وتحرير تراب أرضها المغتصبة، جاعلاً من فلسطين قبلة نضالك ومحور قضيّتنا المركزية”. وقال قانصو: “في هذا الزمن العربي اليابس، زمن القهر والخنوع، وزمن التصدّي للجهل والظلام والإرهاب، ها هي سورية مع كل المخلصين لوحدة الأمة وقضيّتها تتصدّى بقيادة السيد الرئيس بشار الأسد ومعها قوى المقاومة والصمود وتقدّم التضحيات الجسام… في هذا اليوم نقف معك وخلفك لنوجّه التحية للرجال الميامين المقاومين حماة الديار، الذين امتطوا صهوات الريح ليعانقوا قمم العلياء بأرواحهم العالية الطاهرة الزكية حبّاً بالوطن العربي الكبير، معمّدين هواء وتراب وماء الأمة بعبق الشهادة الذي هو نسغ الحياة للأجيال القادمة.

سلمان

وألقى رئيس تحرير جريدة السفير كلمة سرد فيها سيرة الراحل النضالية، وقال: “قاتل تيسير قبعة من قلب حركة القوميين العرب، بقيادة ابطال لا يطويهم النسيان، أولهم المجاهد الكبير جورج حبش ورفيقه، صديقه وتوأم روحه الدكتور وديع حداد، والكاتب الذي أغنى الأدب العربي بنتاجه المميز، رواية وقصة، كما أغنى الصحافة بإبداع مختلف، سياسياً وأدبياً الراحل الذي يتجاوز بحضوره النسيان غسان كنفاني”. وقال سلمان: “تيسير قبعة أدى ما استطاع من قسطه للعلى.. وكان يحاول أن يعطي أكثر فيصدمه الواقع ويحدّ من قدرته، خصوصاً بعدما أغوت الدول العربية المنظمات الفلسطينية المقاتلة بالانتقال إلى النضال السياسي، وكانت تلك فاتحة لانتكاس الكفاح المسلّح، خصوصاً بعد طرد المقاتلين من الأردن، الشرفة المطلّة على أرضهم في فلسطين إلى لبنان الذي يستطيع نظامه الطوائفي مسخ الثورات وابتلاع المناضلين بالغواية المذهبة”.

سعد

وأدلى الأمين العام للتنظيم الشعبي الناصري الدكتور أسامة سعد بمداخلة حول السيرة النضالية للقائد تيسير قبعة، فقال: “عندما نذكر تيسير قبعة نتذكر قادة الجبهة الشعبية الكبار من جورج حبش إلى أبي علي مصطفى إلى القائد الأسير أحمد سعدات، ونذكر أيضاً إنجازات الثوزرة الفلسطينية والانتفاضات الفلسطينية على الرغم من كل الصعوبات والمخاطر التي تحيط بالقضية الفلسطينية. فالشعب الفلسطيني الصامد والمنتفض والثائر لا يزال يواصل الكفاح منذ عشرات السنين على الرغم من الوحشية الصهيونية والعدوانية الاستعمارية، ومن التخاذل، بل والتواطؤ من قِبل النظام الرسمي العربي.

وأكد أنّ الشعب الفلسطيني “سيواصل كفاحه المجيد حتى التحرير والعودة”، مشدّداً على “أهمية تحقيق الوحدة الفلسطينية، وأهمية مغادرة كل أوهام المفاوضات والتسوية، وعلى إعلاء راية النضال التحرري بأساليبه ووسائله كافة”.

نجاح واكيم

هو الثائر وهو الدبلوماسي، ربما كان أكثر من يشبهه تيسير هو حنظلة ناجي العلي. كان يرسم في الصباح زجلاً، يطارد دبابات العدو وجنود العدو بحجارته ومقلاعه، ثم يتسلّل إلى صالونات الكبار الملوك الصعاليك والأمراء المخنثين.. فيجالسهم وأتقن لغتهم وسخر جداً منهم”. وأضاف “يعود في المساء طفلاً يغفو على قارعة أحلامه في حضن أمه فلسطين. هل نتحدث اليوم عن تيسير قبعة أم نتحدث عن فلسطين؟ عن القضية التي حملها تيسير قبعة.كل هذا العمر ولم يتعب، أما الذين تعبوا وهربوا من القضية إلى السلام فمعظمهم لو يحمل القضية يوماً، ولم يبذل من أجل القضية لا نقطة عرق ولا نقطة دم، ولا أدري ما إذا كانوا قد أنفقوا برميل بترول أو أكثر أو أقل لكي تضيء مستشفيات غزة”. وقال: ” ترفرف حمامات السلام مع إسرائيل لأنهم يحبون السلام، هؤلاء نفسهم هم صقور الحرب على سورية، وصقور الحرب على العراق واليمن وليبيا”.

عبد الحسين شعبان

وأدلى أيضاً المفكر العراقي د. عبد الحسين شعبان بشهادته قائلاً: “سأظلّ أتذكّر ذلك الاسم وتلك الصورة التي ارتسمت في ذاكرتي منذ نحو نصف قرن من الزمان وأستعيدها باستمرار، وأستحضر تلك السجايا التي استجمعتها من علاقة مديدة، لأنّ تيسير قبّعة قامة وقيمة. قامة لأنّه ظلّ مرتفعاً، ولم يهبط حيث الصغائر، وقيمة لأنّه مثّل قِيماً سامية، وخصوصاً في فترات التراجع والانكسار وتبديل الأسماء والصور”. أضاف: “كان تيسير قبعة يحمل الكثير من عناصر القوة في شخصه، سواء جوانبها المعنوية والروحية أو في جوانبها الماديّة، خصوصاً بتوفّر الإرادة والوعي، وبقدر ما كان ثورياً وفدائياً وصلباً وحازماً، فقد كان في الوقت نفسه دافئاً وحميماً ورقيقاً ومرناً، وإذا كان له خصوم كثيرون، فلم يكن له سوى عدو واحد العنصرية الصهيونية. لقد كان تيسير قبعة واضحاً في حبه وفي كرهه، غير مخادع أو مخاتل، وكان من أكثر الصفات التي يمقتها هي الغدر والجحود، وتلك فروسية المقاتل الاصيل ونبل الفارس الحقيقي”.

ثريا عاصي

هذا، وألقت الصحافية ثريا عاصي أيضاً كلمة، جاء فيها: كانَ طبيعيّاً أن أكونَ في هذه المناسبةِ إلى جانبِ صديقتي ابتسام والأحبة رانيا، رولا، ديما، وفارس .. في ذكرى وفاةِ والـِدِهم، تيسير قبعة .. للأسف، ذقتُ مرارةَ فراق أبي . حدثٌ جـَلـَلٌ في حياةِ الفردِ. مؤلمٌ جارحٌ قاطعٌ. يبقى أحياناً مبهَماً وقتاً طويلاً، يملأ سريرك بالأسئلة التي لا تملك ُإجاباتٍ على مُعظمِها ..

ولكنّ تيسير قبعة أيها الأصدقاء كانَ قوميّاً .. أي أنّه كانَ ملتزماً بقضيةِ أمـَّةٍ ينتمي إليها برابطةٍ لا تختلفُ في جوهرِها عنِ الرابطةِ العائلية . يفكرُ ويعملُ في كيفيةِ تحسينِ ظروفِ عيشِها في الحاضرِ وفي المستقبل . يدرسُ المشكلاتِ وأسبابَها ويبحثُ عن حلولٍ لها . يحدوه الأملُ بالوصولِ إلى الهدفِ المنشود”.

وقالت: “كان تيسير قبعة فلسطينيّاً .. العودةُ هي الشغلُ الشاغلُ للفلسطينيّ. البحثُ عن الوسيلةِ وعن طريقِ العودةِ !.. تعدّدتِ الوسائلُ والأساليبُ .. كانت الجبهةُ الشعبيّةُ لتحريرِ فلسطينَ .. كانوا يتقدّمون خطوةً على طريقِ العودةِ، ولكنّ أشقاءَهم الشرعيّينَ وغيرِ الشرعيّينَ كانوا يستهوونَهم ويغرّرون بهِم، حتى يتراجعوا خطوتينِ إلى الوراء .. صدّقوا، لُدِغوا من الجُحرِ ألفَ مرّة، ولكنّهم تراجعوا ! نعم تراجعوا أخطأوا … وربما انحرفوا .. شيئاً فشيئاً كانتْ فلسطين تبتعدُ … وكانت ذاكرةُ الفلسطينيّينَ في المخيماتِ تضعفُ … طالَ الانتظارُ في المخيّمِ .. فنسيَ الكثيرونَ أنّهمُ فلسطينيّون ..

صارَ البحثُ عن الوسائلِ صعباً .. ضاعتِ البوصلةُ … لا أدري، هل ماتتِ المقاومةُ.. الربيعُ العربيُّ .. تهدّمَ مخيمُ اليرموكِ .. يتراكمُ البارودُ في مخيمِ عينِ الحلوة .. كلّ الطرقِ لا تقودُ إلى فلسطين … طريقُ المنفى التونسيّ، طريقُ أوسلو، طريقُ رام الله، طريقُ أفغانستان … لقد ضللنا الطريقَ … كان تيسير قبعة يعرفُ ذلكَ .. لم نُنصتْ إليهِ جيداً .. فضّلنا الركونَ إلى الذينَ وعدونا بالراحةِ وبمكرماتٍ من “الأشقاءِ” … تعويضاً عنِ العودة !! بالضدِّ منَ الطريقِ التي أرادَ تيسير ورفاقُه أن نسلكَها .. طريقٌ وعرةٌ جداً .. تتطلّبُ تضحياتٍ كبيرةٍ … … ولكن إذا لم نأخذْها .. إذا بقينا جالسينَ في المخيّماتِ … فإنّهم سيرسلونَ إلينا أسلحةً حتى نتقاتلَ … فنموتُ جميعاً مِيتةً تشبهُ الانتحارَ.

سركيس أبو زيد

التقيتُه أولَ مرة في بيت الصديقة ثريا عاصي. شعرتُ بأنني أعرفه منذ زمن غابر. صورتُه في ذاكرتي، صورة القائد المقدام الثابتة على مواقفه المبدئية.
في عينيه أحلامُ أطفال فلسطين الذين ينتظرون العودة الأكيدة.
وعلى جبينه معالمُ التحدّي والأمل.
وفي يديه بندقيةٌ ومفتاحٌ.
فهو ينظر دائماً إلى ربوع فلسطين ويناضل لتحرير كامل ترابها، فلا أنصافَ حلولٍ ولا مساومة ولا تردُّد.
فالحق لا يتجزّأ. الأرض كلُّها له ولشعبِه. البيوت كلُّها يفتتحُها بالإيمان والحب وإرادة العودة إلى شبابيكَ لن ينساها، وإلى حقولٍ يزرعُها بالتضحية والكفاح لتنبتَ أشجارَ زيتون عصيّة على الاحتلال والمستكبِرين.
عادة ترسم صورةً متخيَّلة مضخَّمة عن شخص تعرفه من خلال الخطب وأقوال الصحف ومرويات عارفيه. لكن عندما تُجالس قائداً مثل تيسير تكتشفُ أن حضورَه مؤثرٌ أكثر مما سمعتَ عنه.
فالرجلُ له هيبةٌ ووقارٌ يأسرانِكَ بحديثه المسكون بفلسطين.
متمسكٌ بقضيته حتى استعادة آخرِ شبرٍ من ترابِها. لا يهتمُّ إلا برائحةِ زهر بلادِه وعطر الشجر في بستانِ الطفولة وألوانِ الفرح في ملعبٍ لا ينسى خطواته. ولا يُحدّثك إلا عن فلسطين. ولا يسألك إلا عن أقربِ طريقٍ تُوصِلُ إلى فلسطين.
تعلّمتُ منه حبَّ الوطن الغائبِ حتى يعود. تعلّمتُ منه الثباتَ على الحقِّ حتى يُستعادَ كاملاً. تعلّمتُ منه أن الانتظارَ مهما طالَ هو آتٍ حتماً بالمثابرة والعملِ حتى الانتصار. تعلّمتُ منه أنَّ ما أُخذ بالقوةِ لا يُستردُّ إلا بالقوة، مهما ساومَ البعضُ، ومهما انحرف البعضُ الآخر، ومهما تخاذلَ وتعبَ اليائسون.
غابَ تيسير، لكنّ القضية التي ناضلَ من أجلها طوالَ حياته باقية وديعةً في قلوبِ وسواعدِ أهله ورفاقِه ومحبّيه. فقد تعلّمتُ منه الصبرَ والعنادَ حتى تعود لنا فلسطين كلُّ فلسطين، لأنّ فلسطينَ هي البوصلةُ والهدف، وأولى أولوياتنا. ومَنْ يفقدِ الاتجاه يفقدْ طريقَ التقدم والنهوضِ.
لن أقولَ لك وداعاً يا تيسير، بل سأقولُ بأننا سنلتقي قي فلسطين مهما طال النضال.

الشوابكة

أما فايز الشوابكة الأمين العام للاتحاد البرلماني العربي فقال: “أبو فارس كأيّ مناضل ثائر أحب وطنه، قصد تراب الوطن بعد نكسة 1967 واحتلال القدس، ليقود مقاومة ضدّ الاحتلال بكلّ ما أوتيَ من قدرة وما توفّر من عتاد. فاعتقل، وتحوّل الاعتقال إلى شرارة أطلقت حملة إعلامية عالمية لاتحادات طلابية عالمية دعت إلى إطلاق سراحه”.

رانيا قبعة

وختمت إحياء الذكرى ابنته رانيا قبعة فقالت: “جئت إلى هذه الحياة أنا وأقائي فطبعنا بتيسير قبعة الأب الحنون الذي لم يستطع أن ينزع عباءة النضال. هي في أدق المراحل التي مررنا بها كعائلة، ولا أريد أن أتحدّث إليكم كم يتعذب أبناء المناضلين”.

وتجّهت بالشكر للأصدقاء والمحبين، “الذين كان لهم الأثر الكبير بما قدّموه من تعاطف وحب خفّف عنّا تجشّم عناء الفراق”.

 

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.