تونس: أتمنّى أن يفشل رئيس الحكومة

وائل بنجدو

لكلّ مُواطن يحسن التّفكير و التَّخطيط و الجمع و الطَّرح أولويّاته الخاصّة. فإذا كنتَ تعتبر إنهاء زواج أُختك على خَيْر أو شراء مُكيّف أو قضاء عطلة صيفيّة مريحة للظّهر و مُتعبة للجَيْب في إحدى المناطق السَّاحليّة إحدى أولويّاتك في هذه الفترة، فذلك لأنّك لا تفكّر في مستقبل بلدك ، و لست من أولئك الذين يُجيدون ترتيب أولويَّاتهم و يخافون على البلد. لكنّنا لا يجب أن نُصاب بعذاب الضّمير بسبب هذه المسألة، لأنّ الخبر السّعيد هو أنّ رئيس الحكومة الجديد قد حدّد أولويّات حكومته الكُبرى بناء على وثيقة قرطاج حتّى يتسنَّى لك إتمام ترتيبات زواج أختك و أنت مُرتاح البَال. فهو الذي سيَسهر على مقاومة الإرهاب و سيسهر على إنعاش الإقتصاد و محاربة الفساد بينما نكُون نحن نِيَامٌ. لذلك فليتذكّر كلّ مواطن قبل خُلوده للنّوم أنّ هناك رئيس حكمة مازال “سَهْران”، وليدعو له بالتّوفيق.

كلّ الرؤساء السَّابقين وعدوا ب”العمل على” التقليص من نسب البطالة، و “العمل على” إنقاذ الإقتصاد الذي يقف على حافّة الإفلاس. لاحظوا معي جيّدا أنّ هذه الوعود تتضمَّن كلمة “العمل على…”، و قد تعوّدنا دائما أنّ كلّ حُكوماتنا “تعمل على…” لكنّها لا تبلغ أبدًا ما تعمل عليه، بمعنى أنّنا نحن أصحاب الأولويّات الصّغرى لا يجب أن نُحسّ، في حياتنا، بما بعد ال”على…” لأنّه و في تلك اللّحظة ستتوقّف حكومتنا عن العمل. هذا يعني أنَّهم يتقاضون رواتبهم مقابل “عملهم على..” و هذا أمر منطقي فمادام هناك مجهود مبْذُول فالأجر نظير ذلك المجهود هو واجب علينا نحن أصحاب الأولويَّات الصّغيرة. لكن المأزق الكبير الذي سنجد أنفسنا فيه هو يوم ينجح أحدهم فعلا بعد أن “يعمل على …” في بلُوغ تلك الأهداف. هل سندفع راتب وزير لا “يعمل على…” و لا “يسهر على…”؟

لهذه الأسباب لا أخْفِيكُم سرًّا أنّني منذ سمعت رئيس الحكومة يتحدّث بتلك النَّبرة الجادّة و الصَّارمة أقْلعْتُ عن عادة الدَّعوة لرئيس الحكومة “السَّهران” و تمنَّيت ، من كلّ قلبي، أن ينام الرّجل مثلنا و أن لا يُرهق نفسه في السَّهر. لأنّني تنبّهتُ لمسألة في غاية الخطورة : يبدو رئيس الحكومة الجديد عازمًا فعلا على تحقيق تلك الأولويّات، فإذا أضَفْنا لعزمه هذا دعواتنا فإنَّ فرضيَّة نجاحه قد تكون فعلا حقيقيّة. و عندها سنكون أمام مأزق كبير: سنجد أنفسنا مُضطرّين لدفع راتب رئيس حكومة لا يفعل شيئا لأنّ كلّ الأمور على ما يُرَام. و ممّا يزيد هذه الفرضيّة فداحَةً          و خطورة أنَّ رئيس الحكومة الذي سيخلفه لن يجد ما يقوم به، و تفقد رئاسة الحكومة معنى وجودها، و ينتهي دور المؤسّسات التي كانت “تعمل على..” و لم يعُد هناك ما تعمل عليه. و نعيش دون مسؤولين “يسهرون على…”

 قد يُجادلني أحدكم قائلا أنّه و في حال تحسّنت الأوضاع الإقتصادية و تمّ القضاء على الإرهاب و البطالة، فإنّه لا مانع من دفع رواتب أعضاء الحكومة لأنّنا سنكون في “بَحْبُوحة” من العيش، و لن تُؤثِّر تلك الرواتب في وضعيّتنا الماليّة. إذا فكَّرتُم بهذه الطَّريقة فأجدُني مضطرًّا لتذكيركم بمثل شعبي يقول ” الإبل تمشي على كبارها”. فمن يضمن أنّنا سنواصل العمل و لن تتوقّف دورة الإنتاج إذا كانت حكومتنا لا “تسهر على…” و لا “تعمل على…”؟ حينها، سيَسِير النّاس على خُطَى الحُكومة العاطلة و سيَعُمُّ التّواكل و يسُودُ الكسل، فنعود لنقطة الصّفر و ربّما لما تحت الصّفر. أضف إلى ذلك أنَّه، و في حال نجح رئيس الحكومة الجديد، فإنّ الجميع سيجد نفسه مُطالبًا بإيجاد أولويَّات جديدة عوض الأولويّات القديمة  (الإرهاب ،الفساد، الإقتصاد، البطالة) التي ظلّت ثابتة تُراوح مكانها منذ ما يزيد عن خمس سنوات. و هذا من شأنه أن يُدخل حالة من الفوضى و الضبابيّة بعد حالة الإستقرار و وضوح الأولويّات. و قد تجد نفسك مُطالبًا لترك ترتيبات زواج أختك الأخرى لتُفكّر معنا في أولويّات جديدة. فمن غير المعقول أن نعيش دون أولويّات.

إذن فإنّه و من مُنطلق الدفاع عن قيمة العمل و الإستقرار و وضوح الرّؤية         والأوليّات أتمنَّى أن يفشل رئيس الحكومة الجديد.

:::::

“الأخبار”، بيروت

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.