دولار النفط والقبيلة ضدّ اتحاد الهلال الخصيب!

ثريا عاصي

في خمسينيات القرن الماضي، كان الناس عرباً، عروبيين: الناصرية كانت تشع من القاهرة . كان الناس ينتظرون خطب جمال عبد الناصر، كانت مصر في صراع مع الاستعمار البريطاني، في شبه الجزيرة العربية، مع الامبريالية الأميركية التي كانت تحاول تطويق الأمة العربية بالأحلاف، مع الرجعية العربية، ممثلة آنذاك بالملكين سعود وحسين ! مع الإستعمار الفرنسي، حرب التحرير الجزائرية، العدوان الثلاثي.
كانت للعروبة قاعدة ثانية في الشمال، شمال الوطن العربي، في سورية، في الهلال الخصيب. حزب البعث العربي الإشتراكي، حركة القوميين العرب. الحزب السوري القومي الإجتماعي. كانت القضية الفلسطينية في المركز، في الوسط.
كان الناس يتظاهرون في بيروت وفي دمشق، تأييداً للجزائر. تظاهرت الجماهير العربية تأييداً لمصر. ضد العدوان الثلاثي. كانت البيئة ملائمة جداً للمقاومة وللفعل، ضد مصالح الدول الإستعمارية في البلاد العربية، كمثل سورية ولبنان والعراق والأردن، تضامناً مع مصر ومع الجزائريين.
لا شك في أن العوامل التي فجرت سنة 1958 الأوضاع في لبنان والتي أسقطت النظام الملكي في العراق وشجعت الوحدة بين مصر وسوريا، مردها بدرجة كبيرة إلى القضية الفلسطينية وحرب التحرير الجزائرية والعدوان الثلاثي على مصر بالإضافة إلى الخطط الاستعمارية الخطيرة ضد سورية وكينونتها!
ما أود قوله هو أن التضامن العربي النسبي رغم هشاشته، بين بلاد كمثل مصر وسوريا والعراق والجزائر واليمن حمى في الخمسينيات والسستينيات إلى حد ما هذه البلاد من السياسات العدوانية التي ما انفكت قوى الاستعمار القديم والجديد، إنكلترا ـ فرنسا ـ أميركا وإسرائيل تنتهجها في المنطقة العربية . لم يكن العدوان على مصر في سنة 1956 ثلاثياً وإنما كان في الحقيقة رباعياً، كما يتجسد ذلك في الحاضر من خلال ما خُـيِّلَ إلينا انها ثورات أو ربيع عربي نتج عنه في الواقع الملموس تلاشي الروابط الإجتماعية والوطنية والقومية على امتداد ما كان يعرف بالوطن العربي، إلى حد أن جامعة الدول العربية نفسها صارت أداة يستخدمها المستعمرون ضد البلاد العربية!
لا يتسع المجال هنا للإطالة في هذا الموضوع. أكتفي بالإشارة إلى أن دولاً عربية رجعية، لا صلة لها بالثورات ولا حتى بهذا العصر، لعبت دوراً ملحوظاً في ما جرى في مصر تحت عنوان الثورة. فالوضع في مصر بعد الثورة أسوأ مما كان عليه قبلها . حاربت هذه الدول العربية الرجعية إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها الأوروبيين، ضد العراق وليبيا واليمن وسورية، فتمزق النسيج  الإجتماعي في هذه البلدان الأخيرة وتفككت وحدة أراضيها.
مجمل القول أن التضامن العربي الرسمي صار أخدع من السراب. انقسمت الدول العربية بين تحالفين، تحالف تتزعمه الولايات المتحدة الأميركية ويضم حلفاءها في أوروبا وإسرائيل وتركيا في مواجهة تحالف آخر تتزعمه روسيا ومعها الصين وإيران. علماً أن للحرب بين الطرفين سمة رئيسية هي انها تدور في بلاد العرب، تسمى ثورة كذباً وبهتاناً، وأن المتحاربين هم حصرياً من الفقراء والسذج والجهلاء ومعهم مرتزقة أجانب استقدمهم نواطير النفط الخليجيون.
أخيراً لا منأى في هذه المسألة عن إبداء ملاحظة، يحتاج إيفاؤها إلى تفاصيل لا مكان لها في هذا الموضع. فأكتفي بإيجازها، هي أن هناك سمة رئيسية ثانية لهذه الحرب الإستعمارية التي أطلق عليها زوراً اسم «ثورة» وهي ان لدى زعماء المتحاربين العرب في الخندقين المتقابلين حساسية شديدة من الفكر والوعي والثقافة، ومن اضطلاع النخبة بأي دور وطني مستقل عن السلطة سياسياً وعقائدياً سواء في ذلك رجال الدين أو الأمراء والملوك الخليجيون أو السلطات في البلاد العربية التي تتعرض للعدوان. فرجال الدين استهوتهم الدنيا وغرهم النفوذ وملوك وأمراء النفط خائفون على أموالهم من جشع المستعمر المتغول، أما الحكام فلقد سجنوا ونفوا وأسكتوا لأنهم يعرفون أن خصومهم يريدون االسلطة بأي ثمن، مثلهم كمثل غالبية أفراد حاشيتهم وبطانتهم الذين انشقوا عنهم وتعاونوا مع المستعمر طمعاً بالسلطة  أيضاً.  يتضاءل عدد الوطنيين في بلاد العرب وتتجزأ بلدانهم!.

:::::

“الديار”، بيروت

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.