سوريا: إعادة توزيع الأدوار

الطّاهر المُعِز

قدْ يَكْمُنُ الفرق -لدى المواطن السّورِي- بين احتلال “داعش” أو “النُّصْرة” منطقةً مَا مِنَ البلاد واحتلالها من قِبَلِ مليشيات الأكراد أو ما سمي جيشًا “حُرًّا” في تَعَدُّدِ الأسْماء ورُبَّمَا في بعض التَّفَاصيل لإدارة شؤون الحياة اليومية، ولكن جَوهَرَ الإحتلال واحد، وكل هذه المجموعات تأسَّسَتْ وتَسَلَّحَتْ وتَمَوَّلَتْ بأمرٍ أمريكي- تُرْكي  – سعودي (خليجي)، وتَجْرِي حاليا عملية إعادة توزيع النفوذ في سوريا، بين حلفاء واشنطن المتخاصمين على بعض الفُتَات، باستثناء تركيا التي نالت أكثر من الفُتَات وكانت أكبر مُسْتَفِيد من تأسيس كيان كردي شمال العراق، وهي لا تعترض على تأسيس كيان كُرْدي شمال سوريا، إذا كانت تتحكم في مرور النفط نحو ميناء “جيهان” التركي وتتحكم في أمواله في مصارفها وفي محطات الطاقة والكهرباء (وهو ما يحصل في إقليم كردستان العراق)، وسبق أن زار “صالح مُسْلِم” زعيم “قوات سوريا الديمقراطية” ورئيس أهم فصيل انفصالي كردي (مدعوم أمريكا) في سوريا، تركيا مرتين على الأقل خلال سنة 2014، وبعد مشاورات وخلافات ومناورات سياسية وعسكرية، اتفق الطرفان الحليفان المنتميان للحلف الأطلسي، الأمريكي والتُّرْكي، على إعادة أكراد سوريا إلى “غربي نهر الفرات” وعلى بَدْءِ التدخل العسكري التركي المُباشر، فاحتل الجيش التُّرْكِي منطقة “جرابلس” بذريعة محاربة “داعش” التي يمر مقاتلوها وأسلحتها وأموالها من تركيا، حيث تبيع ما تنهبه من نفط وحبوب وتجهيزات المصانع السُّورية، وانسحبت قوات داعش قبل وصول الجيش التُّرْكي بأربعة ايام، بدون معارك، (في عملية تبادل أَدْوار) ولم تُعْلِن تركيا على أي خسائر لا في الأفراد ولا في المُعِدّات، وقرر نائب الرئيس الأمريكي ان الجيش التركي سوف يُسَلِّمُ هذه المنطقة المُحْتَلَّة إلى مجموعات “الجيش الحر”، الذي قرَّرَتْ أمريكا إعادة إحْيائِهِ… جرت العادة أن تُحَرِّكَ أمريكا خبراءها ومُسْتشاريها في مُخْتَلَفِ مناطق سُوريا، كُلَّمَا اقترب الجيش السوري (القوة العسكرية الشَّرْعِية الوحيدة في البلاد، مهما اختلفت آراؤنا بشأن نظام الحكم في سوريا) من منطقة ما، واعتمدت على مليشيات الأكراد في مناطق الشَّمال والشمال الشرقي ومجموعات مُسَلَّحَة أخرى في ريف حلب الشمالي، والآن على الجيش التركي على منطقة تمتد من ريف “حلب” إلى المنطقة الواصلة بين عفرين وجرابلس، لفتح جبهات جديدة، وإجهاض جهود الجيش السوري وحلفائه، بعد تحريره عدة مناطق، وبِهَدَفِ إدامة أمد الحرب كما أعلن ذلك وزير الحرب الأمريكي قبل أيّام، ويُعْتَبَرُ الإحتلال العسكري التُّرْكِي الأخير لمنطقة “جرابلس”، وتشجيع تركيا والولايات المتحدة لعملائهما برفض كل مُقْتَرَحَات رُوسيا (وهي ليست كُلُّها في صالح النظام السُّوري)، إيذَانًا ببدء مرحلة جديدة من حرب استنزاف جيش سوريا المُشَتَّتِ في عدة جَبَهَات، وتتضمن هذه المرحلة الجديدة احتلال رسمي تركي لبعض الأراضي السُّورية واعتماد الجيش الأمريكي على القوات البرية التركية في تَقَدُّمِهِ (أو تقدم حلفائه) في سوريا، مع تكفل الجيش الأمريكي بالغطاء الجوي، (وهو ما حصل في غزو جرابلس)، وتمكنت المُخابرات الأمريكية من تجميع كافة الفصائل الإرهابية تحت رايتها بمن فيهم الأكراد وتركيا، وتجمَّعَتْ قوات “داعش” المُنْسَحِبة بدون قتال من “جرابلس”  في مناطق أخرى لمعاضدة “جيش الفتح” (وهو فصيل إرهابي أسَّسَتْهُ وتدْعَمُهُ تُرْكِيا والسّعودية) وشن هجومات على الجيش السوري في “خناصر” (قريبًا من مطار “كويرس” العسكري) لمنع تحرير مناطق حلب وأريافها، واحتجزت قوات “داعش” عشرات الشُّبَّان السّورِيِّين (260 وفق موقع “روسيا اليوم”) الذين قد يُقاتِلُون الجيش التُّركي، واصجحبتهم معها إلى مدينة الباب (القريبة من حلب)، حيث تَجَمَّعَتْ قُواتها بهدف قطع طريق الإمدادات عن الجيش السّوري…

تقوم الإمبريالية الأمريكية (والحلف الأطلسي) بتحْدِيث خياراتها وتَحْوِيرِها إن لزِم الأمر، بهدف البلوغ إلى الهيمنة الكاملة على الأسواق وعلى المنافذ الإستراتيجية، وبهدف فرض شركاتها متعددة الجنسية وتشغيل مجمع الصناعات الحربية الأمريكية، وغير ذلك من الأهداف، وبخصوص الحرب في سوريا وضد سوريا كبلاد ودولة وشعب، استخدمت الولايات المتحدة لغة القوة والهمجية منذ البداية (من يذكر التدخل السافر للسفير الأمريكي “فورد” في شؤون البلاد الداخلية منذ شباط أو آذار 2011 ؟)، وخلافا للعراق أو أفغانستان، أدرات أمريكا الحرب ضد سوريا من خلال توكيل شيوخ الخليج (عرب أمريكا، أو صهاينة العرب) وحكومة تركيا (وهي عضو في الحلف الأطلسي) وبلدان الجوار التي فتحت حدودها مع سوريا لتهريب السلاح والمُقاتِلِين الإرهابِيِّين (لبنان والأردن، إضافة إلى تركيا والكيان الصهيوني الذي يحتل كامل فلسطين)، ولجأت أمريكا أيضًا إلى فتح عديد الجبهات في نفس الوقت لتشتيت جهود الجيش السوري (ذي العدد الحدود والموارد والعُدّة المحدودة)، وما استخدام فصائل كُرْدِية في شمال شرق سوريا سوى جزء من هذه الخطة (الحرب بالوكالة)، ويَكْمُنُ أحد أهداف أمريكا في قطع التواصل الجغرافي بين سوريا والعراق (المُتَّصِلَة بدورها بإيران وإيران قريبة من روسيا) وساهمت التكتيكات الخاطئة للحليف الرُّوسي للنظام السوري في تَسْهيل بعض مهام الإمبريالية الأمريكية، مثل الإيقاف الفُجْئي للمعارك الهجومية كُلَّما تَقَدَّمَ الجيش السُّوري على المَيْدَان، ورفض روسيا تغطية الهجوم البرِّي للجيش السُّوري في منطقة حلب، قبل بداية صائفة 2016…

تواردت الأنباء حول احتلال الجيش التُّرْكي (الحلف الأطلسي) منطقة “جرابلس”، بمُبَارَكة (إن لم تَكُن بمُبَادَرَةٍ) أمريكية طبعًا، وحول انسحاب “داعش” من المنطقة قبل أيام من تاريخ الإحتلال، ما يَدُلُّ على تنسيق مُحْكَمٍ بين الإمبريالية الأمريكية وحكومة الإسلام السياسي في تركيا وقيادات “داعش” التي تَدَّعِي كافة قواة الغُزَاة محاربتها في سوريا، ويَتَنَزَّلُ احتلال “جرابلس” في إطار برنامج أَشْمَلَ تقوده الإمبريالية الأمريكية لِصَالِحِها -ولو تعارضَتْ بَعْضُ مَصَالِحِها مع مصَالِحِ حُلَفَائِها- وقد يَتَزامنُ هذا الغزو مع فتح جبهة جديدة في جنوب البلاد، وفقًا لتصريحات وزير الحرب الأمريكي “آشتون كارتر”، وأظْهَرَت هذه الأحداث الأخيرة قصر نظر القوى الإنفصالية الكُردِية والغياب الكامل (على أرض سوريا) لتلك الزَعَامات التي نفخت في صورتها الإمبريالية، ولم تَعْرِف من يومها سوى الفنادق الفخمة والقاعات المُكَيَّفَة والحسابات المَصْرِفِية المُكْتَنِزة، وبدا جَلِيًّا ان الإمبريالية الأمريكية تمسِك بالخُيُوط التي تُحَرِّكُهم، وأن دورهم وظِيفِي لا يَخْدِمُ سوى القوى الإمبريالية، وما شِعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان التي رفَعُوها سنة 2011 سوى قِشْرَة تَكْمُنُ تحتها عمالة للإمبريالية وخيانة للشعب السّوري (والعربي) الذي صَدَّقَ بَعْضُهُ ما كانت تَبُثُّهُ قنوات صهاينة العرب في الخليج…

في ظل هذا الوضْعِ، ما عَسَانا نفعل كأفراد وقُوى عربية تَقَدُّمِية؟

يُمْكِنُنا الإطِّلاع، وتنويع مصادر الخبر، بهدف فِهْمِ ما يَجْري بعيدًا عمّا تُسَوِّقُهُ قنوات أمريكا والسعودية وقَطَر، ووكالات الأنباء التّابِعة لنفس القُوى الإمبريالية التي خَرَّبَتْ وتُخَرِّبُ العراق وليبيا وسوريا واليمن وغيرها

يُمِكِنُنا نَشْرُ “ثقافة المقاومة”، بعيدًا عن دعاية الأنظِمة، مهما كان موقعها، مُقاومة الأعداء الذين يحتلُّون مباشرةً أراضي عربية (وغير عربية أيضًا كما في أفغانستان ومَالِي…) وفي مُقَدِّمتها الإمبريالية الأمريكية وتوابعها (الحلف الأطلسي) والكيان الصهيوني (الدعوة للمقاطعة بكافة أشكالها)

يُمْكِنُنا تنظيم المُظاهرات والإحتجاجات والإعتصامات أما سفارات الدول المُعْتَدِية وكذلك أمام مقرّات ومَحَلاَّت رُمُوز السلطات المحلية العربية، بحكوماتها وأحزابِها ووسائل إعلامها…

جميع هذه المقترحات لا تتجاوز رُدُودَ الفِعْل، إذ لا يُمِكِنُ التفكِير في مرحلة الهُجوم، ناهيك عن إنجازِها، إذا لم نُنْجِزْ مرحلة التعبِئة والدعاية والفهم لباطن الأشياء وعدم الإكتفاء بظواهِرِها، وسَبَقَ تَضْيِيع فُرَصٍ عديدة انتفضَتْ خلالها الشُّعُوب لكنها انكسرت تحت سياط قمع الأنظمة منها “انتفاضات الخبز” في مصر منذ 1977 وفي المغرب وتونس والأردن خلال عقد الثمانينات ثم انتفاضتي مصر وتونس قبل خمس سنوات ونَيِّف… لم تتطَوّر الإنتفاضات إلى ثورة بسبب ضعف القوى الثَّوْرِية وبسبب غياب البديل التقدمي للأنظِمَة القائمة، وغياب برامج عَمَلِيَّة قابلة للتطبيق ومُمْكِنة التّمْويل والتحقيق للقضاء على البطالة والأمية والفقر وانعدام الأمن الغِذائي، وهي آفات تَمَيَّز الوطن العربي باحتكار مستوياتها القياسية…

 

 

 

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.