هل مشروع الفلسطينيين ريعي؟

عادل سمارة

في حديث د. الحمدالله أمس على الميادين أوضح بان “المانحين” يفرضون حصارا ماليا على السلطة. وبأن السلطة عوضت بعض ذلك بتحسين الأداء الضريبي، وزيادة عائدات المقاصة وتوظيف بدائل للمتقاعدين فقط…الخ.

لكن الجانب الأهم في هذا الأمر هو أن ميزانية السلطة تعتمد إلى حد كبير على الريع الذي تعهد به المانحون. مما يعني مشكلتين:

·      مشكلة إقامة سلطة تعتمد كثيرا على حوامل غير ذاتية

·      ومشكلة مانحين لهم شروطهم المميتة.

وإذا كان هذا الحصار بسبب عدم عودة السلطة للمفاوضات، فإن هذا يفسر بوضوح كامل مشروع اوسلو الذي هو مسلسل تنازلات لا ينتهي، بمعنى أن المطلوب من السلطة صار ابعد مما احتواه كل من اتفاق أوسلو وبروتوكول باريس. وهذا يعني أبعد من تبعية بل إخضاع.

يمكننا استعادة هذا الدرس حينما فازت حماس في الانتخابات السابقة حيث قام المانحون بوقف الريع، مع انهم هم انفسهم الذي أصروا على إجراء الانتخابات والسماح لحماس بالمشاركة.

ما كان يريده المانحون في الحقيقة هو تورط  كل القوى في اتفاق أوسلو وتقاسم السلطة وهو ما قاد إلى الانقسام بمعنى أنه لو لم تكن هناك سلطة لما كان هناك انقساما.

 هذا لا يعني ان فصائل المنظمة حتى بدون الإسلاميات قد ارتقت إلى جبهة تحرير واحدة كالجزائر وفيتنام.

لنبقى مع المانحين. فالحصار المالي؟ يطرح سؤال منطقي: إذا كانت السلطة بلا سيادة، وتعترف بالكيان ولم تحرر الوطن ولم توقف الاستيطان ولم تطلق سراح السجناء…. ومع ذلك يتم الحصار المالي لعدم ذهابها للمفاوضات، فما هو الدرس المستفاد من وجودها؟

هذا السؤال، صار اليوم قديما حيث تمأسست ولأن البلد بلا قاعدة إنتاجية مناسبة، ولم يتم تطوير هذه القاعدة بل هي في تراجع مستمر، فإن المعتمدين على ريع وظائف السلطة في تزايد هم بأقل تقدير ثلث البلد!

من هنا، يغدو الحديث عن حل السلطة الآن، بلا معنى من حيث تلبية حاجات مجتمع يركض نحو الاستهلاك بأكثر من دخله مما يخلق تبعية بنيوية وذهنية للممولين.

ولأن حل السلطة لم يعد ممكنا، وهذا ما أدركه الأمريكي حين دفع باتجاه اتفاق أوسلو مستفيدا من الخبرة الاستعمارية في خلق طبقة مستفيدة من كونها في السلطة وتجنيدها معيشيا لأعداد كبيرة كإطار حماية لها مما يدفع الناس باتجاه القلق على الوضع المعيشي وليس على المشروع الوطني.

أما والأمر على هذا النحو، فهل ملاحظات د. الحمد الله كافية لإدارة الأزمة؟

هذا يحتاج إلى قراءة دقيقة للكثير ، مثلا السياسة الضريبية، هل تطال رأس المال الأكثر ثراء؟ مثلا ما مقدار الضريبة عليه؟ في بريطانيا 38 بالمئة، في مصر  كانت 25 بالمئة ثم تم تخفيضها ألى 22.5 بالمئة في انحياز لراس المال الكبير؟ ألا تحتاج هذه البلد لضريبة أخرى على الأغنياء وخاصة التجار ، كل حسب حجم دخله الزائد جدا، الذين توجههم غير استثماري؟ هل يمكن فرض ضريبة بنفس النسبة على الموظف الصغير وكبار المستوردين؟

لم يتعرض د. الحمد الله للفساد، لما راكمه الفاسدين من ثروات؟ اليس المفروض فتح ملفاتهم؟ وإذا كانت الأمور سالكة بدون استعادة اموال الفساد، فهل تقبل السلطة بتخصيص ما يُستعاد لمشاريع إصلاح الأرض، أو إقامة تصنيع زراعي…الخ.أي نواة قطاع عام؟ أم تخشى ان يتهمها الغرب بأنها مثل روسيا الاتحادية تذهب باتجاه شيوعي؟

 لنقترح خانة صغيرة، لماذا لا تُفرض ضرائب عالية جديدة نسميها ضريبة السيارات الفارهة التي يملأ صبية اصحابها رام الله بضجيج “موسيقى” قبيحة بل والتي فيها إضافات  Options بثمن سيارة جديدة عادية؟

في زيارة للحكم الذاتي لبلاد الباسك 1995 لاحظت ان معظم السيارات هناك (فورد فياستا صغيرة). قيل لي هذه سياسة لتوفير الفائض. هل يمكن القيام بشيء كهذا هنا؟ ومن يرفض فليدفع ضرائب عالية؟

لننظر إلى قلاع الجامعات وخاصة بير زيت والنجاح، ما ضرورة كل هذا البذخ في الحجارة؟ ثم يتم تقليص او تأجيل رواتب المحاضرين؟

لماذا لم يتم الحديث مقابل الحصار عن العودة للمقاطعة؟ ولا اقول عدم التطبيع لأن هذا أمر هائل. بل لماذا لا يتم الحديث ليس عن تغطية الواردات، بل فرض ضرائب عالية على واردات الرفاه؟.

وحتى على المستوى المدني. لفت نظري قيام بلديات البيرة وبيتونيا بإضافة مقدمات للمباني. مقدمات غير جميلة ومكلفة وغير ضرورية. فالواجهة الحجرية المحلية حتى القديمة ذات إيحاء محلي طبيعي وطني، فما لزوم الديكور بمادته المكلفة والمستوردة؟ وفي النهاية يدفع المواطن ما تفرضه البلدية. هذه المقدمات ملصقة اصطناعيا ذكرتني بنا قام به فرديناند وإيزابيللا في الأندلس بعد خروجنا، حيث وضعوا واجهة كنيسة على مقدم المساجد فبان الأمر شديد القبح.

صحيح أن تقليص الاستيراد يقلص حجم حصة السلطة من المقاصة، لكنه يُبقي الفائض في البلد ليتم استثماره. هذا إذا لم يتم إخراجه للمصارف الأجنبية.

ليست هذه المقترحات اشتراكية ولا يسارية، بل هي موجودة في التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية الراسمالية الكلاسيكية “العريقة”. ناهيك حتى عن التعاونيات هناك.

بيت القصيد هنا هو الفارق بين:

·      سلطة ذات توجه إنتاجي تعتمد على الذات

·      وسلطة معتمدة على الريع ولا تلتفت للإنتاج.

طبعا، هذه المقترحات هي من مدخل التحسين الاقتصادي وحتى إدارة الأزمة، وليست ذات علاقة بالتنمية. اقول هذا كي لا نخلط بين التنمية والإصلاح كما يفعل البعض من الاقتصاديين وغير المتمكنين من علم الاقتصاد السياسي.

 

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.