توحيد فتح..أم اصطيادها بالعباءة السعودية؟!

رشاد أبوشاور

لو سُئل أي فلسطين: ماذا تتمنى؟ لأجاب: وحدة الفصائل، سيما فتح وحماس…

ولعلّ بعض المتابعين الحرصاء يجيبون: وحدة فتح أولاً، لأنها المقدمة لوحدة وطنية فلسطينية.

ولكن من لا يفكرون عاطفيا، سيتريثون في الجواب، وينتقلون للتفكير بصوت عال: عن أي وحدة تتحدثون؟ هل يمكن للوحدة الوطنية أن تكون غير وطنية؟!

وهذا ما يدفع لتأمل الواقع الفلسطيني، ومن ثم الانطلاق منه، فالتشخيص ضروري، وبدون تشخيص دقيق وصادق لا يمكن وصف الدواء للحالة الفلسطينية المريضة.

هذه الحالة المريضة بدأت بالوهم، ومرضى الوهم (هم) من أبرموا ( أوسلو)، وراهنوا عليه، واندفعوا إلى ( غزة _ أريحا أولاً)، وامتدحوا ما اتفقوا عليه في أوسلو عاصمة النرويج، بأنه سلام  الشجعان!

وبهذا المديح ساووا بين أنفسهم وقادة الكيان الصهيوني..بالشجاعة، التي هي قاسم مشترك بين شريكين بدأا السير على طريق السلام، ومن هذه المقدمة الساذجة والبلهاء بشرّوا شعبنا الفلسطيني (بدولة) فلسطينية آتية لا ريب فيها، وبأنها ستكون نمرا كالنمور الآسيوية!( تكشفت عن نمر من ورق) وأستعير هنا وصف ماوتسي تونغ الذي وصف الإمبريالية بأنها نمر من ورق استراتيجيا!

وإمعانا في التفاؤل شرعوا في بناء مطار غزة، وميناء غزة..وعيّنوا محافظين، ودشنوا أجهزة أمنية، وشرطة، وسجونا…

ومرّت خمسة أعوام عجاف، هي الأعوام التي وعدوا بأنها ستتوّج بدولة فلسطينية..ولكن العدو الذي لم يكن شريك سلام، مسح المطار بصواريخ طائراته، وكشط الميناء العائم عن وجه الماء، ودمّر مقرّات سلطة الحكم الذاتي..وبدد الكثير من الأوهام..لكن المرضى بالوهم لم يستيقظوا، لأنه لا مصلحة لهم في اليقظة، فهم عندئذ سيتراجعون عن الأوهام التي سوقوها على شعبنا، وسينتقلون إلى خيار لا خيار سواه: المقاومة..وهذا ما لا يناسب أوهام السلام..سلام الشجعان!

مسيرة فشل الأوهام، تجسّدت في نهب العدو المُحتل للأرض، والدفع بالمستوطنين لاحتلال المزيد من أراضي الضفة، وتهويد القدس، و..حصار غزة الخانق.

انتفاضة الأقصى التي تفجّرت في وجه شارون عندما اقتحم الأقصى مع مرافقيه متحديا مشاعر أهل القدس..أُخمدت بعد سيل من الدم، والشهداء، وكانت محاولة لتصحيح المسار، والخروج من أوسلو الذي تكشف عن خدعة، وأثبت أنه لا سلام مع هذا الكيان، ولا انتزاع للحقوق بغير المقاومة بكل أشكالها.

لقد فجع الانقسام بين فتح وحماس الشعب الفلسطيني..وأضعف القضية والحضور الفلسطيني، ومنح الكيان الصهيوني المزيد من الوقت للمضي في سياسة نهب ما تبقى من أرض ( الضفة)، وتشديد الحصار على قطاع غزة، وتهويد القدس وتدمير حياة أهلها…

صراع سلطتي رام الله _ غزة متواصل، وكل اللقاءات كانت كاذبة، وغير مجدية، فالطرفان يتصارعان على السلطة…

أطراف عربية تغذّي هذا الانقسام، وتمده بأسباب الاستمرار، بحيث يتحوّل إلى انقسام مزمن ، وصدع يتسع باستمرار.

قطر تدعم حماس، ومعها الإخوان المسلمون، والقرضاوي يغذّي بفتاواه المؤججة…

وفتح نفسها يُعبث بها، فعضو اللجنة المركزية محمد دحلان ، المفصول، والمقيم في الإمارات، ومستشار الشيخ محمد بن زايد، والذي يدير بعض أعماله التجارية، ونشاطاته الاقتصادية ، كما يتسرّب من مصادر كثيرة، تحتضنه الإمارات، وتدعمه ماليا بمبالغ طائلة، تغذي نشاطاته في التجمعات الفلسطينية، بحيث مكنته من بناء ( تنظيم) مواز لحركة فتح الأم، ووصل نشاطه وحضوره أنه _ كما يقول العارفون بالشأن الفتحاوي_ يخترق فتح، ولجنتها المركزية، وأجهزة السلطة، وحتى بعض الفصائل!

منذ شهرين تقريبا بدأنا نسمع عن حراك عدّة دول عربية: السعودية، مصر، الإمارات، الأردن..تحت عنوان:إعادة توحيد فتح.

وجوهر الحراك إعادة محمد دحلان إلى صفوف فتح…

 الأجهزة المصرية تقول: هذا يخدم مبادرة السيسي، والمبادرة الفرنسية..وبتوحيد صفوف فتح سيمكن أن تجري جهود حثيثة لتوحيد فتح وحماس، وهذا سيقوّي ( الوضع) الفلسطيني، ويمنحه حضورا قويا في المفاوضات التي ستجري، من بعد، مع ( الكيان الصهيوني).

هل هذه هي الوحدة الوطنية الفلسطينية المرتجاة؟!

أعتقد، كما غيري، أن هناك نوايا لهذه الأطراف العربية الرسمية، تنطلق من أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس( أبومازن) قد بلغ من العمر ما لا يساعده على الاستمرار طويلاً، وأن تسريب دحلان ..مدعوما بكل هذه الأطراف، ناهيك عن رضى ( إسرائيلي) أمريكي، سيمنح دحلان الفرصة بأن يخلف عبّاس، في ظل تنافس وخلافات شديدة بين أعضاء اللجنة المركزية على من يخلف رئيسهم وقائدهم.

السعودية التي انتقلت من العلاقات السريّة إلى العلن بعلاقاتها مع الكيان الصهيوني، والتي توّجت حتى الآن بلقاءات تركي، وزيارات عشقي بغطاء فلسطيني سلطوي، تريد أن تبرر علاقاتها مع الكيان الصهيوني باستئناف المفاوضات بين السلطة والاحتلال، و..احتواء الفلسطينيين تحت عباءتها، وضمهم نهائيا إلى حلفها الذي يستبدل إيران بالكيان الصهيوني في الصراع، وإخراجهم نهائيا من ( حالة) المقاومة، وإمكانية العودة لخيار المقاومة، خاصة وانتفاضة السكاكين ما زالت متواصلة رغم خفوتها بسبب عوامل عدة، ولكن النار تحت الرماد، يغذيها الاستيطان، والقتل اليومي ، وانغلاق الآفاق أمام الفلسطينيين، بحيث لم يبق لهم سوى خيار المقاومة…

الوحدة الوطنية الفلسطينية تعني خيار المقاومة، ومغادرة أوهام السلطتين، وهذا غير ممكن راهنا، ولكنه الخيار الذي لا خيار سواه…

من يسعون ( لتوحيد) فتح في العباءة السعودية، لا تهمهم الوحدة الوطنية الفلسطينية، الوحدة التي هدفها كنس الاحتلال الذي برهن منذ أوسلو،  وتأسيس السلطة عام 1994 أنه يريد من الفلسطينيين استسلاما، هو الذي  سرق من الأرض في سنوات سلام الأوهام أكثر بكثير جدا مما سرقه في السنوات الممتدة منذ حزيران 67 وحتى 2013 توقيع اتفاق السلام في البيت الأبيض…

الفلسطينيون حذرون جدا، وهم يعرفون أن الجهات الرسمية العربية، وفي مقدمتها السعودية، لن تأت لهم بخير، بل إنها كانت أحد أخطر الأطراف على قضيتهم..ولذا، ولأن شعبنا يقظ، لن تنجح هذه المساعي الاحتوائية التي تهدف لإنهاء القضية الفلسطينية، ولن يكون (دحلان) رئيسا لشعب مقاوم، فشعبنا يحتاج لقادة ثوّار..لا لتجّار، فقد ملّ من التجّار الكبار ..والصغار!

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.