الرباعية، البلديات، الانقسام، الكانتونات فالفدرالية

مكانك تحمدي أو تستريحي

سأحاكم التطبيع- 13 –  

 

عادل سمارة

-1-

كي يتأكد تحول التنافس الداخلي الفلسطيني إلى حرب أخرى، كان لا بد أن تدخل الأنظمة العربية على الخط لتكفي الكيان شر القتال.

تتنافس الفصائل، والعائلات، والعشائر، والطابور السادس، وأصحاب مشاريع الدولة الواحدة،واصحاب التفكير الجديد،  وأصحاب الصرخة للتعايش مع المستوطنين. والتنافس  على مقاعد البلديات.

ولكن، من يدري بأن ما ينتظر النتائج أن يتم استخدام الفائز ليكون حصان الفدراليات الأوحد والأنسب. هل يقبل أم لا، هذا أمر آخر يعود إليه.

وفي السياق نفسه تتنافس كتلتان عربيتان/إسلاميتان كل واحدة لنصرة فلسطينييها وليس نصرة القضية الفلسطينية:

·كتلة الرباعية: مصر والأردن والسعودية والإمارات.

·وكتلة المركَّب العربي التركي/ قطر وتركيا

الدول الستة على علاقة بالكيان الصهيوني أكثر من العلاقة بفلسطين، وجميعها على علاقة بالولايات المتحدة أكثر من علاقاتها بشعوبها، وجميعها ضد المشروع العروبي بوضوح.

فعلى ماذا تختلف؟ تختلف كما كان يختلف إبنّيْ هرون الرشيد الأمين والمأمون على تقديم نعلّيْ معلمهما الكسائي. والكسائي هنا هو الكيان الصهيوني.  طبعا غرض الأمين والمـأمون راق وشريف.

فلا يدري المرء لماذا تستعجل هذه الدول التدخل في الوضع الفلسطيني وبهذه السرعة المفاجئة؟ بل لماذا تطبق نظرية او عقيدة أوباما حتى على الأرض المحتلة، اي :” لاتقتل أنت الشعوب المستهدفة، بل هيئها للتذابح”. أليس هذا ما يحصل من ليبيا إلى دمشق إلى بغداد إلى صنعاء؟ هل بقينا نحن!

هل أمور هذه الدول على ما يرام حتى تنشغل بنا؟ أم أنها تشتغل لدى الأمريكي والصهيوني؟

مثلاً: هل يحوز لنا القول إن الإسراع في إنهاء القضية الفلسطينية هو من أجل سحب أية ذريعة لمعسكر المقاومة؟

كيف لا؟ مصر مئة مليون فقير، الأردن بلد يعيش على دوره المضاد للعروبة، السعودية لم تترك شبرا في العالم إلا وأشعلت به النار بينما 60 بالمئة من شعبها لا يعرف الشبع، أو كما كتب الشاعر الراحل عبد اللطيف عقل: ” من مطلع الجوع حتى مغيب الشبع”.  الإمارات بلد تحكمه شكليا عائلة وجوهريا ضباط امريكيين/بريطانيين. طبعا يشترك الأردن والإمارات في كونها نتاج تجزئة مضاعفة مما يجعلهما أخطر. الأردن جزء من سوريا التي هي مجتزأة من الوطن العربي، والإمارات جزء من عُمان المجتزأة أيضا من الوطن العربي.

قطر دولة لعائلة تديرها الولايات المتحدة علانية، وتركيا أقدم واشد المتحالفين مع الكيان الصهيوني والعدو المباشر للعروبة والمعتدي الأساسي على سوريا بما هي قناة مجاري تدفق الإرهاب واسلحته.

أما وهذه الدول بهذا الحال، فهل يُعقل ان نقبل بأن تلقي بما في اسطبلاتها على قضيتنا؟

وإذا كانت مأمورة، فهل هذا ذنبنا؟

هل يُعقل أن يتحول حكام هذه البلدان من شركاء إلى وسطاء إلى أعداء لقضيتنا؟

 ما الذي يدفعهم لتحريك عملية “السلام”؟ إذا كان ما نحن فيه من ضيق، فقد تعودناعلى هذا العدو نقاومه قدر الإمكان وبالأدوات الممكنة.  وإذا كان شعارهم “إنقاذ ما يمكن إنقاذه” فهو شعار خبيث ثبت أنه “عدم” إنقاذ ما يمكن إنقاذه”. لأن دور العرب هو التحرير وليس تمرير تسويات تصفوية وكلفتها على الفلسطينيين والعرب!.

لعل ثالثة الأثافي في موقف هذه الرباعية هو التهديد باللجوء إلى الجامعة العربية لتفرض على الفلسطينيين وتحديداً على السلطة الفلسطينية “مبادرة” هؤلاء. ويبدو أنهم لا يعرفون بأن فلسطين في وضع اسوأ من العراق وليبيا وسوريا واليمن اللائي استجدت الجامعة العربية أعداء اليوم وأمس والغد لتدميرها، لأن أرض فلسطين ليست بيد أهلها! بينما لا يزال عرب تلكم البلدان على الأقل على أرضهم.

كما يدفعك للضحك المر قول الرباعية : “من أجل منع تهويد القدس”!  عجيب، وهل القدس بحاجة بعد إلى تهويد؟ إن لم تعرفوا إسألوا فيالق المطبعين من بلدانكم اللذين تلذذوا بطعم زيارة الأرض المحتلة بكل الذل والعار.

أما وحال العرب والمسلمين هكذا، فليس أنسب من قول الشاعر:

“ودَّع هريرة إن الركبَ مرتحلُ…وهل تطيق وداعا ايهاالرجلُ”

إن أمة/أمماً تقودها أنظمة تتسابق على تقديم نعلي الكسائي لا تُرجَّى، على الأقل اليوم وفي هذا الحال.

هذا ما يجب أن يفهمه الفلسطينيون بمختلف “أنواعهم” من المقاتل إلى العميل. بهذا الاتساع. حتى العميل الفلسطيني لم يعد له شغلا طالما كل هذه الأنظمة تقوم بما يجب لخدمة الكيان الصهيوني. فما الذي يقدمه عميل، مثلا :”الإخبار عن مسدس في حوزة فتى” مقابل قيام أمير او رئيس او ملك بتقديم وطن!

-2-

وماذا عن الانتخابات والديمقراطية؟ فبعد أن خلع المركز الرأسمالي الديمقراطية كنعل قديم، يتسابق مثقفوا الطابور السادس الثقافي على انتضائها قبعة على رأس الجميع. ومع ذلك، إذا كانت الانتخابات (السياسة البرلمانية، وليس البلدية) ممكنة الحصول في اي بلد في العالم، فهي بلا معنى في الأرض المحتلة لأنها:

·ديمقراطية تحت الاحتلال

·ديمقراطية بلا سيادة

·ديمقراطية في بلد يعيش على المال الريعي المسموم

وإذا لم يفهم البعض سُميَّة المال المسموم حبذا لو يتذكر  حينما تم وقف ذلك المال بعد فوز حماس في الانتخابات السياسية السابقة تم وقف المال! ، فليفهم الجميع ذلك الآن ما معنى التهديد الرباعي بقطع المال! والسؤال من أجل ماذا؟ من أجل ان تركع السلطة للكيان وحتى أن لا تفاوض بل تقول لنتياهو: “إحنا اللحم وأنت السكين”! عجيب!

لقد تلاعب الصهاينة في الانتخابات السابقة عبر قولهم ، وخاصة شمعون بيرس، بأن السماح لحماس بالمشاركة في الانتخابات سيرغم الكيان على الحديث مع حماس. والان يتلاعبون بالقول بأن  من الخطورة بمكان فوز حماس في الضفة في انتخابات البلديات.

ويخفي، وأحيانا لا يخفي، الصهاينة سرورهم بأن اية نتائج هي لصالحهم كائنا من كان من يفوز، لأن مجرد حصول الانتخابات تحت الاحتلال هو مكسب لهم من عدة ابواب احدها عبور كل من يشارك في الانتخابات إلى مطهر أوسلو.

وقد يكون مجرد العبور نصف كارثة، أما اكتمالها فهو الصراع على السلطة ومن ثم الانقسام.

فما هو الآتي عبر الانتخابات البلدية وما بعدها.

قد يقول قائل، هذه انتخابات خدماتية مجتمعية، وكنت انا اقول هكذا، وبالتالي لا بد منها. ولكن هل حقا هي في هذه الفترة لأجل هذه الخدمات؟

الواضح أن هدف الأكثرية إن لم نقل الجميع هو التنافس السياسي على مجال مدني مجتمعي خدماتي. هذا إذا حُسم أمر إجراء هذه الانتخابات دون إنهاء الانقسام!

لقد كتب الأخ يونس الرجوب قبل شهر اقتراحا لقائمة وطنية موحدة لانتخابات البلدية، ولم اشاركه الاقتراح لاعتقادي بغياب الروح الجبهوية في البلد. ولكنني ، وبعد ما سمعته عن النوايا والاستعداد للصراع وبقاء الإنقسام كشاهد واضح على عدم توفر اي اعتقاد بتبادل السلطة فتجربة الانقسام لم يتم تجاوزها، وعلى ضوء قناعتي بان من يعتمد على الريع ليس مؤهلا للديمقراطية بمعناها الفعلي، لأن الديمقراطية ، حتى اللبرالية  البرجوازية الغربية، قامت اساساً وأتت اساسا بعد وعلى أكتاف ثورة صناعية قطعت التوكؤ المجتمعي والفردي على الغيب  أو على السلطان بحيث يعتاش الفرد من جهده لا من جُعالات الحاكم أو الكنيسة.

إن ما هو قائم في الأرض المحتلة هو اعتماد غزة والضفة على الريع الرسمي العربي وغير العربي. وعليه، فإن الناخب سوف ينتخب مموله، بينما المعتمد على نفسه ينتخب من يقتنع به.

 بل إنني أرى ولكن لا استطيع الإمساك بان هناك أموالا هائلة تمور في البلد (أقصد الضفة الغربية)، هذا رغم تقارير المؤسسات المالية الدولية الخبيثة، المصرف الدولي وصندوق النقد الدولي  بأن البطالة تصل 30 بالمئة! ورغم حديث رئيسالوزراء والوزير شكري بشارة عن تناقص المساعدات المالية ب 70 بالمية عن السابق. بل إن إثارة هذا المراليوم ربما هو لهدف سياسي أكثر مما هو اجتماعي اقتصادي.

لكن، هناك حراك عمراني هائل لم يترك مساحة لحوض نعناع. هناك بلد تستهلك بأكثر بكثير مما تنتج. هناك أساطيل من السيارات الفارهة تغتصب الشوارع واسماع الناس بموسيقى قبيحة. هذا عن أولاد الأغنياء والفاسدين واللصوص والمافيا والكمبرادور. وهنا طوفان من الشباب من ابناء الطبقات الشعبية والوسطى يستوطنون في الشوارع طوال النهار وآناء الليل ويستهلكون. من اين؟ لو كانوا بلا دخل، ولا اقول بلا عمل، لتحولوا إلى متظاهرين/ات.

أقصدب اختصار هناك اموالا تصب في الجيوب من أجل خدمات لا إنتاج، وبعضها طبعا خدمات مخيفة وهي لا شك غير خاضعة للضريبة! وقد لا تكون تمويلات النجزة سوى جزء صغير علني من تنويعات الأموال المسمومة.

هذا الوضع الاقتصادي المرشي بقصد، لن تنتج عنه انتخابات ديمقراطية حتى لو لسنا تحت احتلال او استعمار استيطاني اقتلاعي…ضع الصفة التي تريد.

وعليه، أخشى أنه إن مرت هذه الانتخابات “على خير” أن تكون الانتخابات المسماة سياسية وتشريعية ورئاسية، حالة صراع أقسى من صراع الانقسام، اي قد تتولد عنها تشققات جهوية جغرافية ومن ثم كانتونات تنتهي كل واحدة منها بارتباط فدرالي مع الأردن وبالطبع قناة تزويد وتمرير وتسويق مختلف انواع منتجات الكيان إلى المشرق العربي، أقصد المنتجات السلعية  والثقافية والسيحية…الخ.

من منا لا يتذكر ما طرحته مجموعة من جبل الخليل قبل بضعة اشهر تنادي بعلاقة خاصة، ربما انضمام فدرالي مع الأردن.

إذا صحت هذه الرؤية المتشائمة، فإنني أعتقد بان الوطنيين فيما يخص الانتخابات البلدية التي هي مشروعة لأنها ليست سياسية ولا تقوم على اعترف بالكيان، أمام أحد خيارين:

*      إما تشكيل قائمة وطنية موحدة كما حصل في الانتخابات البلية عام 1976 وهذه إن حصلت يمكن أن تشكل بداية شكل ما من العمل الوطني الموحد كبداية لما هو أوسع.  ولا شك ان هذا أمر صعب، وستكون المعارضة له قوية جدا، ولكن، قد تكون فتحة في الجدار.

*      أو عدم إجراء انتخابات، على الأقل حتى حينه.

 بصراحة، يشي التسخين المتزايد للانتخابات البلدية في المحتل 1967 بأنه ليس للتدفئة بل للتفجير.

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.