أمريكا في الذِّكْرى الخامسة عشر ل11 أيلول

الطاهر المُعِز  

لن تتعرض هذه الورقة بتَاتًا إلى ما حدث في “نيويورك” ذات 11 أيلول، لأن نفس التاريخ كان نكبة للديمقراطية في “تشيلي” (11/09/1973) وكان شهر أيلول نكبة (من مجموعة نَكَبَات) للمقاومة الفلسطينية (البعض يُسَمِّيها “ثورة”) في الأردن، وهناك وقائع عديدة حدثت خلال شهر أيلول/سبتمبر، لكن ضحاياها لم يكونوا أمريكيين (“ضحية عن ضحية بتفرق” على رأي غسّان كنفاني الذي كتب “خيمة عن خيمة بتفرق”)… تتناول هذه الورقة وضع الرأسمالية والإمبريالية، من خلال الوضع في أمريكا، ومناقشة أصْحاب الرَّأي القائل بأن انهيار الإمبريالية (والرَّأسمالية) وَشِيك، اعتمادًا على نفس هذه الوقائع والأرقام والبيانات…

يفْرِضُ صندوق النقد الدولي والبنك العالمي على الدول المُسْتَدِينَة خفض نسبة العجز ونسبة الديون إلى إجمالي الناتج المَحَلِّي، وبفحص بيانات صندوق النقد والبنك العالمي، يَتَبَيَّنُ ان الولايات المتحدة والإتحاد الأوربي (وبالأخص بريطانيا وألمانيا وفرنسا) واليابان هي الدول الأكثر إستدانة في العالم، ويعاني الإقتصاد الأمريكي من اختلال في البُنْيَة الهَيْكَلِيّة وارتفاع نسبة دين الحكومة الإتحادية إلى 19 تريليون دولارا أو ما يُعادِلُ 105% من إجمالي الناتج المحلي، بحسب مجلة “فوربس”…

تَقُود الإمبريالية الأمريكية الحُروب العدوانية في كافة أرجاء العالم، اعتمادًا على القوة العسكرية والقوة الإعلامية وقوة هياكل رأس المال والتحكم في نظام الصرف والتحويل العالميين بفضل هيمنة الدولار على الإقتصاد العالمي، والهيمنة على شبكة الإتصالات (الأقمار الإصطناعية والشبكة الإلكترونية)، رغم العثرات والتَّسَبُّب في أزمات خطيرة، آخِرُها أزمة 2008 التي جَسَّدَها إنهيار مصرفا “ليمان بروذرز” و”فاني ماي”، ولا يزال العالم يُعاني من آثارها…

يُمَثِّلُ عُمّال وفقراء الولايات المتحدة إحدى ضحايا النظام الرأسمالي والإمبريالية الأمريكية ويُعانون من الفوارق الطبقية المجحفة حيث يملك 0,1% من الأمريكيين 90% من الثروة وان نسبة البطالة الحقيقية تتجاوز 10% وفق السناتور “بيرني ساندرز” المنافس السابق لهيلاري كلينتون داخل الحزب الديمقراطي، ويُعاني الأجراء (العُمال وصغار المُوظّفين) من رُكود المرتبات خلال العقود الثلاثة الأخيرة، في حين بلغت نسبة التضخم أكثر من 19% خلال عقد واحد (من 2006 إلى 2015)، ومنذ أكثر من ثمانية عشر شهرًا يُطالب عمال شركات احتكارية كُبْرى داخل الولايات المتحدة (منها “ماكدونالدز” و”كوكاكولا” و”وول مارت”…) رفع الحد الأدنى للراتب من 7,25 دولارا إلى 15 دولارا عن ساعة عمل، لكي يتمكنوا من سد حاجاتهم الضرورية، لكن الإقتصاد الأمريكي يعيش ويزدهر بفضل الهيمنة، فأصْبَح عالة على العالم، وعلى المُنْتِجِين في البلدان النامية بشكل خاص، حيث تنهب الإمبريالية الأمريكية ثرواتها وتُدَمِّرُها بأسلِحَتِها، ورفع مجلس النواب (الكونغرس) سقف الدين 79 مرة منذ سنة 1960 فبلغ نصيب الفرد منه سنة 2016 نحو 60 ألف دولارا، وفي حال سَدَّدَت الولايات المتحدة دُيُونها (مثل الدول الفقيرة) فإن قيمة الفوائد قاربت 223 مليار دولارا أو نحو 6% من الميزانية سنة 2015، ولكن الولايات المتحدة لا تُسَدِّدُ دُيُونَها (المُقَوَّمَة بِعُمْلَتِها الدولار).

عالجت حُكُومات الإمبريالية الأمريكية وبقية الدول الرأسمالية المُتَطَوِّرَة (الإتحاد الأوروبي واليابان…) أزمات رأس المال بضخ المال العام (وَمَصْدَرُهُ ضرائب الأجراء الذين لم ترتفع القيمة الحقيقية لأجورهم منذ ثلاثة عقود) في خزائن الشركات الإحتكارية والمصارف الكُبْرى فيما سُمِّيت برامج إنقاذ، لتجنب التباطؤ والكساد والركود، كما تُوَزِّعُ وزارة الفلاحة “قَسَائِم غذاء” على الفقراء الذين تقُوم المصالح الإجتماعية بِفَرْزِهِم (ومنهم الكثير من العمال بدوام جُزْئي وبعقود هشّة) في خطْوةٍ حكومية لتشجيع الرواتب المُنْخَفِضة بدل الضغط على الشركات لزيادة الأجور، ومنذ 2008 لم تستعد هذه الدول مُسْتَوَى نشاطها الإقتصادي السّابق، رغم تريليونات الدولارات التي قُدِّمَتْ كمُساعدات وشراء الديون الهالكة للمصارف والشركات، إضافة إلى زيادة الميزانيات الحربية للسيطرة على العالم (بواسطة الأساطيل والقواعد) وإنقاذ الإقتصاد الأمريكي.

اتسع نفوذ الإمبريالية الأمريكية بعد انهيار جدار برلين وانهيار الإتحاد السوفييتي، وأصبحت تفرض الصوت الواحد والقائد الأوحد على حُلَفائها (الإتحاد الأوروبي واليابان وكندا واستراليا…)، وجَرَّت العالم إلى سباق التَّسَلُّح (لحل أزمة رأس المال) والحروب التي لا تنتهي (من العراق سنة 1991 ويوغسلافيا إلى سوريا والعراق واليمن وافغانستان حاليا)، وهيمنت على الإقتصاد العالمي بِشَكْلٍ شبه تام من خلال التحكم في دواليب صندوق النقد والبنك العالمي ومنظمة التجارة العالمية، إضافة إلى فرض الاتفاقيات التجارية الإقليمية التي تَضَرَّرَ منها العُمَّال بسبب “عَوْلَمَة” استغلال الطّبَقَة العاملة، وصِغَار المُنْتِجين في قطاعات الصِّناعة والزراعة والخدمات، كما تضرر منها المُسْتَهْلِكون، وأدّى تطبيق اتفاقية التجارة الحرة لشمال أمريكا (نافتا) إلى إغلاق نحو 60 ألف مصنع وفقدان 4,7 ملايين وظيفة، ومن نتائج “العَوْلَمَة” الرَّأسمالية التي تَقُودُها الولايات المتحدة فقدان 3,2 مليون وظيفة في أمريكا ذاتها، واستغلال الرأسماليين وأصحاب المصانع والمزارع للمهاجرين الذين يعملون في ظروف شبيهة بالعُبُودِية، بهدف مضاعفة الأرباح، بينما تَغَيَّرَتْ بُنْيَةُ الطبقة العاملة في البلدان الرَّأسمالية بسبب تقدم التكنولوجيا وهجرة المصانع المُلَوِّثَة وكثيفة الإستخدام للعمال إلى بعض البلدان “النامية” في آسيا بشكل خاص، كالنسيج وصناعة الجلد وتركيب السيارات، وتركيب وسائل الإتصال (الحواسيب والهواتف المحمولة…)، مع إبقاء الصناعات والتقنيات ذات القيمة الإضافية المُرْتَفِعَة في دول “المَرْكَز” (بُلْدان الرأسمالية العَرِيقَة)، بحسب البيانات الواردة في موقع “سيتزن” (مواطنون).

عمومًا يُمْكِنُ توصيف أزمة وتناقضات نمط الإنتاج والنظام الرَّأْسماليَّيْنِ وتَوْصِيف أعراض هذه الأزمة المتمثلة في تراجع الإستثمار الرأسمالي في الإنتاج السِّلَعِي مقابل ارتفاعه في المضاربة وشراء وبيع السَّندات (رأس المال المالي)، لأنها أكثَرُ رِبْحية، لكنها تتضمَّنُ مَخاطِرَ أُخْرَى، وفي ارتفاع الديون السيادية والتضخم والبطالة وإتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء (الذين ارتفعت نسبتهم)، لكن هل يُمْكِنُ ان نسْتَنْتِجَ (عبر هذا التوصيف) أن النظام الرَّأسمالي العالمي على شفا الإنهيار؟

يذَكِّرُ بعض الباحثين أن الأزمات الإجتماعية المُتَمَثِّلَة في ارتفاع نسبة البطالة والفقر وتعميق الهُوَّة بين الأغنياء والفُقَراء تُشَكِّلُ خطرًا على رأس المال وقد تُؤَدِّي إلى انهياره (وهم على حق في ذلك)، ونشرت مجلة “وول ستريت” دراسة (في تموز/يوليو 2016) أَظْهَرَتْ مُضَاعَفَة دخل الأثرياء خلال أقل من رُبُع قرن (بين 1979 و2011) لكن دخل الأُجَراء لم يرتفع سوى بنسبة 6% خلال نفس الفترة، بل ارتفع عدد الفُقَراء من نحو 26 مليون مواطن سنة 1979 إلى 47 مليون مواطن أمريكي سنة 2012 (منهم 13 مليون طفل) وقُدِّرَ عدد عدد المُشَرَّدِين وفاقِدِي المأوى في المُدُن الكُبْرى فقط بنحو 600 ألف، رُبعُهُمْ أطفال، ومن جهة أخرى تمتلك بعض الشركات الكبري مثل “آبل” أو “مايكروسوفت” ثرْوَةً تَفُوق مَوْجُودات الحكومة الإتحادية، وتملك عائلات “والتون” و”كوتش بروذرز” مَعًا 263 مليار دولارا، وبقدْر ما تتشدَّدُ قوانين أمريكا (وبقية الدول الرأسمالية) مع العُمّال والفُقراء، تتسامح مع الأثرياء (لأن الدولة هي دولة الأثرياء وهي في خِدمتهم) والشركات الكُبْرَى التي تترك لها القوانين عدة ثغرات للتهرب من تسديد الضّرائب (مع الإستفادة أكثر من غيرهم من البُنْيَة التحتية ومن المطارات والموانئ والطرقات وخدمات الدولة الأخرى) وتهريب الأموال إلى الملاذات الضَّرِيبية، ونشرت شبكة “سي ان ان” تحقيقا سنة 2015 أظْهَر ان شركات أمريكية عملاقة مثل “آبل” و”مايكروسوفت” و”سيسكو” و”أوراكل” تحتفظ بنحو 90% من إجمالي إحتياطها النقدي خارج الولايات المتحدة، تَهَرُّبًا (قانونيًّا) من تسديد الضَّرَائب، ويتجاوز حجم الإحتياطي النَّقْدِي لخمس شركات أمريكية في قطاع التقنية والإتصالات 430 مليار دولار، معظمه خارج الولايات المتحدة…

كل هذه المُعْطَيَات هي حقائق نَشَرَتْها مؤسسات الدولة الرَّأسمالية نفسها أو نشرتها وسائل إعلام رأسمالية، مُعادِية للفكر التقدُّمِي، ولولا هذه البيانات لما قَدَّرَ الباحثون التَّقَدُّمِيُّون درجة التفاوت الطبقي وعمق الفجوة التي تفصِلُ الأغنياء عن الفقراء، ولكنَّها تَبْقَى بياناتٍ وأَرْقامًا “مُجَرَّدَة” -لا يَطَّلِعُ عليها سوى فئة قَلِيلَة من الدّارسِين والباحِثِين- إذا لم تتمكّن مُنَظَّمَات وأحزاب ثَوْرِيّة، في الولايات المتحدة وخارجها، من استخْدامها في عمل دِعائي وتحريضي ضخم (على قَدْرِ ضخامة العولَمَة الرَّأسمالية)، لبلورة الوعي بضرورة الثورة والعمل على إمكانية نجاح الثورات إن حصلت وتقْدِيم بَدِيلٍ تَقَدُّمِي أو اشتراكي لما هو مَوْجُود، فنقيض الرأسمالية هي الإشتراكية، بمعنى “مَشْرَكَة وسائل الإنتاج ومشركة توزيع الإنتاج” على قاعدة “من كل حسب جهده أو طاقته ولكل حسب حاجته” بدل خصخصة وسائل الإنتاج والإنتاج واحتكار الإثنين بين أَيْدي الأثرياء… قد يُؤَدّي هذا العمل الدِّعائي والتحريضي إلى اكتساب القُدْرَة على تَحْوِيل الإنتفاضات إلى ثورات تَحْرِمُ الإمبريالية من موقع نُفُوذ، وتَقَضم جزءًا من رُقْعَةِ هَيْمَنَتِها… فالرأسمالية -مهما تعاظَمَتْ أَزَمَاتُها- لا تَنْهَار من تلقاء نفسها، وإذا افترضْنَا جَدَلاً أنها ستَنْهار تِلْقَائِيًّا، ما هو البدِيل الذي سَيَحُلُّ مَحَلَّها؟

مُعْظَمُ البيانات الواردة من “أ.ف.ب + مكتب الإحصاء الأمريكي + موقع “انفيسترز سيرفيسز”

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.