حق العودة والتحديات التي يفرضها على الشعب الفلسطيني وفصائل المقاومة

تحسين الحلبي

في ندوة  عقدت في دمشق برعاية وزير العدل السوري وشارك فيها الدكتور جورج جبور والدكتور حسين جمعة  ورئيس نادي المغتربين الدكتور نبيل ملاذي والدكتور نبيل أبو خاروف  وشاركت فيها  بتقديم ورقة سياسية بعنوان : ”  حق العودة والتحديات التي يفرضها على الشعب الفلسطيني وفصائل المقاومة  “

      تناولت موضوع حق العودة من عدد من الجوانب أهمها :

1-     بوصفه هدفا استراتيجيا للشعب الفلسطيني

2-    بوصفه حقا لا يمكن  للشعب الفلسطيني  التصرف به لوحده وبما يعرض تحقيقه للخطر لأنه جزء من الأمة العربية التي ترتبط مقدسات وطنها بالأمة الاسلامية

3-    بوصفه  مشروعا يراد تصفيته بتواطؤ من النظام الرسمي العربي لصالح المشروع الصهيوني

1″  -حق العودة كهدف استراتيجي

إن دراسة حق العودة من هذا الجانب يبين عددا من الحقائق :

أ‌-       أن أي حل للصراع العربي – الصهيوني  ملزم بضرورة  تنفيذ  هذا الحق كاملا وتجسيده على الأرض بشكل عملي  وهذا يعني أن كل أشكال العمل النضالي السياسي والعسكري بمختلف المراحل التي تفرضها الظروف ستظل في اطار العمل التكتيكي طالما لم يتم تنفيذ هذا الحق الذي يعد أي مساس به أو تشويه بتفسيره  الواضح  تخل عنه  كهدف استراتيجي

ب‌-   هذا يعني أنه  يشكل الهدف المضاد  للتسليم والاعتراف باسرائيل وطنا قوميا لليهود  ويصبح غياب حق العودة  من الخطاب النضالي ومن التداول السياسي والثقافي والاعلامي  والتاريخي تسليما صارخا بسقوطه ,وبقاء هذا الحق  يعد أهم اساس في مشروع مناهضة المشروع الصهيوني ومستقبل وجوده في كل الظروف حتى التحرير والعودة

          ج- اذا كانت الحركة الصهيونية قد استندت الى اسطورة أرض الميعاد والتفسيرالمناقض لها  في ربط اليهود بأهداف الصهيونية فإن حق العودة هو المستند القانوني والشرعي الدولي والعلمي  الذي يربط شعب فلسطين أينما كان باستعادة أرضه ووطنه

2- بوصفه حقا لا يمكن  للشعب الفلسطيني  التصرف به لوحده وبما يعرض تحقيقه للخطر لأنه جزء من الأمة العربية التي ترتبط  مقدسات وطنها بالمسلمين والمسيحيين

إن قضية فلسطين غير المسبوقة في طبيعتها ونتائجها في كل تاريخ شعوب العالم ظهرت رسميا  في ساحة المجتمع الدولي منذ وعد بلفور والانتداب البريطاني حين كانت جزءا من الوطن العربي  الذي يحكمه السلطان العثماني في الحرب العالمية الاولى وجرى نزعها عن هذا الحكم كبقية أجزاء هذا الوطن ثم  منحتها بريطانيا بموافقة الدول الاستعمارية لليهود الاوروبيين لاستيطانها وانشاء دولة قومية فيها فظهرت باسم اسرائيل ضمن حدود حزيران 1967 وهي أرض عربية تشكل جزءا من بلاد الشام تاريخيا , والتسليم باستمرار مشروعها القائم على تجريد أصحابها من حق العودة يصبح في الوقت نفسه تسليما بتجريد جميع العرب من حقوقهم القومية المستمدة  من أشقائهم الفلسطينيين وتاريخهم المشترك معهم فيها ,فلا أحد  يشك أنه من الطبيعي أن يستمر العرب بالتطلع الى تحقيق مشروع عربي قومي  أصبح حاجة  ومصلحة  بنظر هذا الجيل الذي لا يمكنه استبعاد أو نفي ضرورة ايجاد أقوى وسائل الترابط العربي المشترك وتتويجه بأفضل اشكال الوحدة

ولذلك سيكون من الطبيعي أن تولد الحاجة والمصالح وكذلك الأخطار المشتركة فريقا كبيرا يتطلع الى توفير فرص  تقدم جدية لمثل هذا المشروع العربي  الطبيعي الذي سيتحتم  على أصحابه  مجابهة  المشروع الصهيوني  ومن يسانده في تصفية حق العودة للاجهاز على قضية فلسطين

وبالمقابل سيقوم الفلسطينيون أينما وجدوا بدور أساسي في هذا المشروع من خلال ابراز تأكيدهم على تمسكهم بهذا الحق ليتحول الاصطفاف العربي والاسلامي معهم الى جبهة  مقاومة نضالية تفرض خطابها وتتصدى لكل الحكام العرب الذين يتواطؤون مع  الكيان الاسرائيلي لتخليصه من سيف حق العودة المسلط فوق رأسه

3- بوصفه  مشروعا يراد تصفيته بتواطؤ من النظام الرسمي العربي لصالح المشروع الصهيوني

أصبح  النظام الرسمي العربي  بقيادة قطر والسعودية  يهيمن منذ عام 2011 على القرار العربي في الجامعة العربية وفي القمم السنوية للحكام والقادة العرب ويتولى دور الموظف المسخر عند الولايات المتحدة  لفرض السياسات التي تضعها له ضمن استراتيجيتها الشاملة للمنطقة  وهو يتمتع الآن  بدور واسع لا تحده أي خطوط حمراء عن التحرك ضد جميع المناهضين لهيمنتها وفي مقدمهم سوريا والمقاومة اللبنانية وايران  منذ بداية الأزمة السورية واليمن منذ سنتين

بالاضافة الى ما يقوم به  ضد العراق حتى بعد أثناء ترتيب  واشنطن  للحكم فيه  بعد احتلاله

وأصبح دورالنظام الرسمي العربي الراهن  في خدمة المشروع الأميركي بشكل عام يشبه من بعض الجوانب دور أبناء الشريف حسين في خدمة المشروع البريطاني في مرحلة الحرب العالمية الاولى وتجاوبهم مع خطة سايكس بيكو ومع اعطاء فلسطين للحركة الصهيونية بفارق أن المشروع الأميركي يواجه مقاومة فعالة من دول محور المقاومة المستقلة  في حين أن دول المنطقة في عهد الهاشميين لم تكن أي دولة  منها مستقلة  عن بريطانيا أو فرنسا

فهذا النظام يعرف أن واشنطن تريد تقسيم العراق وسوريا واليمن بل وايران ودول أخرى أيضا وأن واشنطن تريد تصفية حقوق الفلسطينيين لمصلحة حليفها الاستراتيجي الاسرائيلي كما يسلم  هذا النظام بأن واشنطن ستستمر بالمحافظة على دوله الاوتوقراطية العشائرية القبلية مقابل هذا الدور الذي يدفع فيه  نفقات هذا المشروع الأميركي ويرسم قراراته لمصلحته

ويدرك هذا النظام أيضا أن الحروب التي يقودها ويمولها ضد دول فقيرة بالمقارنة مع ثرواته لن يجني  منها أي أرباح اقتصادية أو جيوسياسية لأن واشنطن أصبحت هي من تضمن وجوده  مقابل  ما تحققه من مصالح وأرباح من مصادر ثرواته وعلى حساب بقية العرب خصوصا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتحول الولايات المتحدة الى القطب الأوحد منذ حروب الخليج في بداية التسعينات

ولذلك  سيكون من الطبيعي أن تنتقل  واشنطن وتل أبيب  الى مرحلة تسخير هذا النظام لصالح تصفية قضية فلسطين من بوابة انهاء وجود حق العودة  في قرارات الأمم المتحدة في الوقت الذي تجده مناسبا  لتحقيق هذا الهدف.

لكن التقديرات الأميركية والاسرائيلية تؤكد أن  مرحلة انهاء حق العودة لا يمكن أن تبدأ قبل انهاء وجود أطراف وقوى محور المقاومة لأن وجودها سيوفر الدعم والاسناد القوي لكل من يتمسك بهذا الحق ويوفر له القدرة والقاعدة للنضال المشروع من أجل له حتى لو قررت الأمم المتحدة بالأغلبية المطلوبة تعديل أو الغاء القرار رقم   194  الخاص بحق العودة

فاسرائيل اشترطت  عام 1991 على واشنطن تجنيد أغلبية لالغاء قرار ادانة الصهيونية بالعنصرية في الجمعية العامة مقابل مشاركتها في مؤتمر مدريد في ظل انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك كتلة دوله  التي كانت تصوت ضد اسرائيل وحققت واشنطن وتل أبيب الهدف وألغي القرار

وفي ظل هيمنة النظام الرسمي العربي الآن على قرارات القمم  العربية  والجامعة  العربية لن تجد اسرائيل عائقا يمنعها عن ابتزاز ممثلي هذا النظام ومطالبتهم بتقديم  الدعم لأي دعوة رسمية  للأمم المتحدة لتعديل أو الغاء حق العودة مقابل موافقتها على التفاوض على مستقبل الفلسطينيين بعد تجريدهم من هذا الحق في الأمم المتحدة   فاسرائيل تدرك أن 99% من الفلسطينيين لا يمكن أن يتنازلوا عن حق العودة رغم كل الظروف الصعبة التي تمر بها قضيتهم ولا سبيل لها الا بتسخير حكام هذا النظام الرسمي لتحقيق هذه الغاية على غرار ما أعدته مع الأمير فيصل بن الشريف حسين حليف بريطانيا حين اجتمع بحاييم وايزمان ووقع له على وثيقة يتنازل فيها عن فلسطين للحركة الصيونية دون أن يدري الفلسطينيون  والعرب في ذلك الوقت

ولذلك ربما أصبح من قدر الأمة العربية وفي مقدمها الشعب الفلسطيني الاستعداد لمجابهة أي محاولة تريد منها اسرائيل  ومن يتحالف معها الغاء القرارات التي تؤكد على حقوق الفلسطينيين وبخاصة قرار حق العودة رقم 194

دمشق في 25 آب 2016

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.