عزمي بشارة. عراب التطبيع

غسان أبو نجم

بداية وحتى نضع الامور في نصابها ليس المقصود عزمي بشارة كشخص وانما كنهج فانا ضد شخصنة الامور ولكن وبما انه طرح نفسه ملهما وموجها للجماهير العربيه وجعل من شخصه واسمه عنواناً لتوجهاته التي لا احترمها تجد نفسك امام مواجهة مع هذا النهج وذاك الشخص فاقتضى التنويه.

لقد لعب عزمي بشارة دورا تخريبيا تدميريا خطيرا قبل واثناء وبعد فوضى الربيع العربي ولقد اوضحت في مقالتي (عزمي بشارة والربيع العربي) الصادره في نشرة “كنعان” العدد٤٢٥١بتاريخ،٦/٩/٢٠١٦الدور الخطير وربما الاساسي في تزييف وعي الجماهير العربيه وتوليه اخطر دور في معمعان هذه الفوضى وهو الاعلام لما لهذه الوسيلة من اهمية في التحضير والتحريض لتمرير اي موقف او سياسة ما فالمعركة تدور رحاها بعيدا عن المشاهد او المستمع ويتولى الاعلام نقل تفاصيلها وهنا بالضبط يلعب الاعلاميون الدور الخطير والمهم في توصيل وتوصيف مجرياتها فيكون اما اعلاما صادقا او كاذبا او موجها.

لقد خلصت العديد من الدراسات العربية والعالمية ان الثورات العربية المزعومة ابان عصر الربيع العربي هي ثورات تلفزيونية فضائية بامتياز لعبت فيها قنوات عربية وعالمية دور البطل الثوري والقائد الموجه للحراكات وهذا الاستنتاج لا ينفي باي حال من الاحوال دور الجماهير على الارض وانما يشير بوضوح للدور الموجه والمحرض الذي لعبته هذه القنوات في توجيه هذه الجماهير الغاضبة ولعبت بذلك دور الحزب القائد لهذه الجماهير وهذه النتيجة بتقديري ملفتة للانتباه وتستدعي من الباحثين والمختصين درسها والوقوف على اهميتها.

وكما اشرت في مقالتي السابقه فان هذا الدور الاعلامي جاء ضمن رؤيا وتصور واضح لمهندسي الربيع العربي وهو ان تكون هذه الحراكات والثورات المزعومة بدون قيادة حزبيه موجهه لها وبلا ايدلوجية واضحة ليبقى القرار والتوجيه بيد هؤلاء المهندسين في غرف عملياتهم في قطر واضحت قناة الجزيرة وبطلها عزمي بشارة هي الموجه الحقيقي لهذه الحراكات وهذا ما اكده برنار ليفي الصهيوني ومن بعده عزمي بشارة.

ان هذه المقدمة كانت ضرورية للتدليل على حجم الدمار الذي الحقته هذه الماكنية الاعلامية في تمرير المخطط الامبريالي الصهيوني في تقسيم الوطن العربي واعادة تقسيمه وتحويل بلدان عربية الى جثث هامدة تتناهشها عصابات مسلحة جهوية مناطقيه ليبيا مثلا وبلدان اخرى ترزح تحت خط الفقر الاقتصادي وتقف على حافة الافلاس مثل مصر واخرى تديرها اجهزة واحزاب يراسها البنتاغون وجهاز المخابرات الأمريكية كتونس وادخلت اليمن في دوامة من الصراع الطائفي المناطقي وجلبت الى سوريا كل مرتزقة العالم واجهزة مخابراتها عاثت دمارا وخرابا في الوطن السوري واعادت زيادة الحاق دول الخليج الى الامبريالية العالميه وضمنت بعدم قدرة العراق على تجاوز ازمته الاقتصادية والطائفيه.

هذا هو المشهد العام للوطن العربي وهذا ما الحقه الربيع العربي المزعوم في بلدانه وهذا ما خطط له مهندسو هذا الربيع وما روج له اعلام الربيع العربي وقناة الجزيرة التي ادارها عزمي بشارة.

في ظل هذا الوضع المزري والمهين لهذه البلدان العربية اصبح من الطبيعي جدا الانتقال الى المرحلة الثانيه من مخطط الشرق الاوسط الجديد بعد ضمان نجاح المرحلة الاولى وهذا المخطط هو دخول الكيان الصهيوني العلني الى جسم الامة العربية وتطبيع علاقته مع بلدان عربية جديده بعد ان كان طبع مع مصر بعد كامب ديفيد ومع الاردن في اتفاقات وادي عربه ومع السلطة الفلسطينية في اوسلو ودخلت قطر مركز مهندسي التطبيع بعلاقات اقتصادية واسعة وتلتها الامارات العربية المتحدة عبر التنسيق العسكري والامني واجراء مناورات عسكرية مشتركه مع سلاح الجو الصهيوني وارسلت السعودية وفودا اقتصاديه وغير اقتصادية للكيان الصهيوني عدا عن الدور الامني الخطير الذي تلعبه مخابرات العدو الصهيوني في السودان وليبيا.

لم يكن التطبيع الرسمي هو ما يخطط له مهندسو الربيع العربي فقط فهذا الامر اصبح تحصيل حاصل بعد ما ألت اليه احوال هذه البلدان كما اشرنا سالفا، انما الامر الهام والضروري هو التطبيع الشعبي مع الكيان المغتصب وهذه مهمة خطيرة جدا تحتاج إلى التخطيط الدقيق لها.

لقد تولى عزمي بشارة بوصفه المنفذ لسياسات مرؤوسيه في تولي توجيه الدفة الاعلامية هذه المهمة التي ارتكزت على عاملين مهمين:

الاول:نشر وتعميم ثقافة التطبيع في اوساط الجماهير العربيه وجعلها ثقافة مقبولة شعبيا.

الثاني: ولتنفيذ العامل الاول، نشر وتأسيس مراكز ومؤسسات محليه ومدنية مهمتها التواصل مع المجتمعات المحلية مع التركيز على الجيل الشاب.

يعلم عزمي بشارة وبحكم خبرة اكتسبها اكاديميا وعمليا عبر عمله في معهد فان لير طرق تعبئة وتوجيه وقياس الرأي العام، وبفضل الامكانات المادية الضخمة التي وضعت تحت تصرفه من قبل مرؤوسيه استطاع تأسيس العديد من مراكز الابحاث والدراسات الإستراتيجية مثل المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات في قطر وله عدة افرع في بلدان عربية كتونس اضافة الى تأسيس قناة تلفزيونية فضائية بديلة في دورها لقناة الجزيرة التي احترق دورها وانشاء مجلة العربي الجديد. جميع هذه المؤسسات تحمل هدفا استراتيجيا اساسيا هو جعل ثقافة الهزيمة والتطبيع هي الثقافة المسيطرة والسائدة في عقول الشباب العرب الذين فقدوا الثقة بالانظمه القائمة والمعارضة التقليدية السائدة، وان الحل يكمن في خلق مفاهيم جديدة تقوم على الانفتاح والتعايش مع المجتمعات والثقافات الاخرى وتوجيه هذه العقول الى ان الحروب والصراعات اصبحت غير مجدية وان شعارات القومية والتحرير اصبحت مستهلكة.

ولقد جهد عزمي بشارة عبر العشرات بل المئات من الندوات والمؤتمرات واللقاءات التلفزيونية الفضائية في تعميم توجهاته وتشكيل جيل من المؤيدين له بل ودفعهم الى صياغة هذه التوجهات عبر صرخات ورؤى تعلن فيها رفضها للوضع القائم وطرح فكره الجديد في التعايش بين الثقافات والمجتمعات وسخر للعديد منهم في العديد من المواقع الامكانات المالية الضخمة ليتصدروا المشهد السياسي كممثلين لشعوبهم والمشاركة في ندوات ومؤتمرات يطرحون توجهاتهم ورؤاهم بقصد احتلال موقع لهم بوصفهم الفكر الجديد للعربي الجديد.

ان ما نشهده اليوم في الساحة الفلسطينية من محاولات للبعض الذين تأثروا ان لم نقل ارتبطوا بتوجهات عزمي بشارة في رفض الحال السلطة الفلسطينية كجهاز حاكم ورفض الفصائل الفلسطينية من يمينها ليسارها وطرح صرخات ورؤى يعلنون فيها هذا التوجه وحمل افكارهم وصرخاتهم ورؤاهم الى مؤتمرات وفعاليات عربية وعالمية بوصفهم الجيل الجديد والممثلين الفعليين للشعب الفلسطيني ودعواتهم القائمة على التعايش بين الكيان الصهيوني المغتصب والشعب الفلسطيني لهو الترجمة العملية لمجمل هذا التوجه الانهزامي التطبيعي.

ان ما لعبه ويلعبه هذا النهج التطبيعي ورغم كل الجهود المبذولة من القائمين عليه والامكانات المهولة التي سخرت له، لم يستطع ان يعمم ثقافة الهزيمة والقبول بالتعايش والانبطاح للاجنبي المحتل ان كان عسكريا او اقتصاديا او سياسيا وتم فضح مخططات وبرامج مهندسي مشروع الشرق الأوسط الجديد فها نحن نرى شبيبة تونسية تهاجم عزمي بشارة في احدى ندواته في تونس وتمنع ندوته ونرى اقزام من حملة ثقافته الجديدة تطرد من المؤتمر القومي العربي ويتصدى لهم مفكرون ومثقفون فلسطينيون وعرب لوقف هذا النهج الصهيوني الذي يحاول الامتداد في الجسم العربي.

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.