الحلقة المفقودة في كتابي عن بشارة

د. عادل سمارة

أثار كتابي الذي صدر هذا العام بعنوان «تحت خط 48: عزمي بشارة وتخريب النخبة الثقافية»، ضجة ووجهات نظر مختلفة.

استقبل كثيرون هذا الكتاب برغبة في القراءة وتقاطع مع المعطيات والتحليل، البعض الآخر من مثقفي النميمة لا النقد، وهم قلة طبعاً، رأوا في الكتاب موقفاً شخصياً ضدّ بشارة

وأقلّ منهم شأناً رأى أنّ الموقف هو حسد شخصي

والبعض تحمّس في البداية وقرّر حتى الكتابة عن الكتاب حيث تحمّس وأخبرني ، ولكنه وجد نفسه في تقاطع مع كثير من مواقف بشارة فتراجع.

دعنا نقول بانّ الكتاب هو الآن في ذمة الناس، ولهم حرية الاستنتاج.

قبل أيام، اتصل بي رجل من المحتلّ 1948، قائلاً: «أودّ اللقاء معك لإضافة شيء هامّ يكمل حلقة مفقودة من كتابك عن عزمي بشارة».

جاء الرجل مع صديق وجلسنا معاً.

مما قاله الرجل: «… أنا اعرف عزمي بشارة حينما كنا ندرس في ألمانيا الشرقية في بداية الثمانينات. كان عزمي سكرتير منظمة الحزب الشيوعي الإسرائيلي – راكاح في ألمانيا.

مما لفت نظري أنّ عزمي كان على خلاف دائم مع البعثيين السوريين في ألمانيا. كان يناصيهم العداء حتى في الأمور التي نتطابق معهم فيها.

وفي حين كانت بيننا وبينهم كطلبة علاقات إنسانية حميمة في الحياة هناك، كان عزمي خارج هذه العلاقات.

كنا نتزاور ونقيم نشاطات مشتركة في الأمور المشتركة طبعاً.

في تلك الفترة كان من يريد زيارة ألمانيا الغربية لا يحتاج سوى إلى تسجيل اسمه لدى الدائرة المسؤولة ويحصل على إذن الزيارة. طبعاً لم يكن من الضروري القيام بهذه الزيارات ربما أكثر من مرة في السنة وخاصة انّ كلفة الحياة في المانيا الشرقية كانت رخيصة جداً وبتحديد أكثر مقارنة مع ألمانيا الغربية.

إلا أنّ عزمي بشارة كان يسافر مرات عديدة لا أقلّ من مرتين في الشهر.

كان ذلك لافتاً لنا، ولكننا لم نصل إلى الشك. ولا أدري لماذا.

كما انّ السلطات الألمانية لم تتعرّض له ولم تسائله.

ماذا كان يعمل ومع من يلتقي؟

خلال الفترة نفسها، كان يسافر إلى اميركا مرات عديدة. ومعروف بالطبع كم هي مكلفة الرحلات إلى اميركا إضافة إلى نفقات المعيشة.

كان يتذرّع بأنّ شقيقته هناك. لا بأس ولكن حتى لو كانت ثرية، ما هو مبرّر هذه الرحلات لطالب جامعي؟

بعد انتهاء الدراسة، عاد عزمي بشارة إلى الأرض المحتلة 1948، وبدا تحوّلاته، حيث أخذ يطرح نفسه قومياً، ويروّج لأفكار هيغل إلخ…

لعل ما فاجأني:

أولاً: هل تحوّله إلى القومية هو قناعة فكرية أم مستلزمات مشروع ودور ما؟

وثانياً: كيف تحوّل عزمي بشارة فجأة من شيوعي معاد للبعث السوري خاصة، إلى صديق لسورية بشكل جعله من أهل البيت؟ كيف لم يتنبّه السوريون لكلّ هذا، ولا شك أنّ الطلبة السوريين البعثيين كحزبيين على الأقلّ يخبرون دولتهم عن الطلبة العرب المضادين لسورية؟»

ويختم الصديق الضيف بالقول: «… هذا ما رغبت إضافته إلى كتابك لأنه يقدّم تفسيراً بأنّ الرجل كان على علاقة ما بأطراف ضدّ سورية، وكان يتمّ إعداده لدور معيّن وهامّ حيث دخل سورية وحزب الله وعرف كما يبدو الكثير.

وحينما كان لا بدّ من كشف دوره وموقفه، انقلب ضدّ سورية بعد 2011 ليصبح عدوّها الأول، بعد أن كان يعتبر النظام السوري مقاوماً وثورياً وعروبياً وعلمانياً إلخ…»

إلى هنا انتهى حديث الضيف.

من جانبي، لست أدري إنْ كان بشارة قد كتب عن أسباب خروجه من الحزب الشيوعي. ربما لم يكتب لأنه من طراز من لا يعتذر ولا يعيد تقييم تجربته كما هو حاله في الادّعاء العروبي اليوم دون الاعتذار عن عضوية الكنيست. وهو في هذا شبيه تماماً بكثير ممن شاركوا في مؤتمرَي دعم المقاومة في الشام 18 3 -2016 و 15 7 – 2016 وفي نفس الوقت دعوا واستقبلوا فريق «صرخة من الأعماق» التي تنادي بدولة في فلسطين مع المستوطنين الصهاينة!

لا شك أنّ بشارة يودّ طمس فترة عضويته في الحزب الشيوعي وهو في ألمانيا الشرقية من حياته لأنها لا تستقيم مع:

ـ مرحلة «صداقته» لسورية البعث وحزب الله الإسلامي وحتى، ولو من بعيد، مع إيران القومية/ الإسلامية.

ـ كما لا تستقيم طبعاً مع دوره ومهمته ووجوده في قطر بما هي قاعدة مزدوجة سواء للدين السياسي او للإمبريالية الأميركية.

ففي أعقاب عودته من ألمانيا تحوّل من شيوعي إلى هيغلي ثم إلى «قومي عربي ناصري» إلخ… أيّ انه انتقل سياسياً للبحث عن أو بناء علاقات أخرى مختلفة عن شيوعيته ووجوده في بلد اشتراكي وعضوية حزب شيوعي.

ما ردّده كثيراً، بأنه غضب من الراحل إميل حبيبي الذي وصفه بأنه «حمار».

طبعاً، لا أعتقد انّ شتيمة كهذه تُخرج شخصاً من حزب. كما أنّ نرجسية بشارة، وهي منتفخة جداً، لكنها لا توجب الكفر بالمبدأ والنظرية والحياة الحزبية وما قدّمه له بلد اشتراكي إلخ… بل يمكن ان يردّ بمساجلة مع إميل حبيبي. والمساجلة في الكيان ممكنة، فهو ليس السعودية أو قطر أو الإمارات أو البحرين اللائي يحتضن بشارة اليوم.

لذا، الأرجح أنّ الرجل كان يبحث عن أمر يتكئ عليه للقطع مع ماضيه لأجل جديد إما انبهر به أو كان على ارتباط به، وحان موعد الطلاق مع القديم والانتقال إلى حضن العشق السري بدءاً بدخول عضوية الكنيست ومن ثم مهارة لعب البيضة والحجر عبر رفع عقيرته قومياً/ ناصرياً بالتحديد إلى جانب عضوية الكنيست!! إلى أن أكمل الدور بالخروج إلى قطر والاستقالة من الكنيست دون نقد التجربة البرلمانية الصهيونية على الأقلّ!

هذا إلى أن انتهى الرجل إلى إيديولوج/ أراجوز لـ «ديمقراطية قطر وإنسانية النصرة»!

:::::

جريدة “البناء”، بيروت

 

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.