الدولة السورية بعد خمس سنوات على الحرب

الدولة السورية بعد خمس سنوات على الحرب
تهشم مشروع الشرق الأوسط الجديد..

غسان أبو نجم

عند انتهائي من كتابة هذه المقالة دفعتها لصديق لي ليطلع عليها فأبدى استغرابه من عنوان المقالة (سوريا تهشم)فكلمة تهشيم ليس مصطلحا سياسيا متداولا ولكن ابديت اصراري على الكلمة نفسها فالفرق بين حصار مشروع او قطع الطريق على مشروع ما يعني ان هذا المشروع حافظ على حياته واستمراريته  ولكن ان تهشم مشروعا يعني توجيه ضربة مميته له فالافعى لا تموت الا اذا هشمت رأسها اما الجسد وذيلها فتموت تباعا وهذا ما فعلته القيادة السورية والجيش العربي السوري فقد هشموا رأس المشروع واصبح في عداد الموتى بحنكة القيادة السورية وصمود وبطولة ا الجيش العربي السوري.
لم يكن في حسبان مهندسو الربيع العربي ومخططي مشروع الشرق الأوسط الجديد ان يصطدم مشروعهم بالصخرة السورية رغم معرفتهم المسبقة بقوة وحنكة القيادة السورية والجيش العربي السوري ولكن ان يكون فشل مشروعهم على ابواب دمشق فهذا لم يكن بالحسبان مما اربك مهندسي المشروع بل وقيادتهم الانجلوسكسونية والدوائر الاوروبية والرجعية العربية والكيان الصهيوني.
لقد نجح مهندسو الشرق الأوسط الجديد وخلال فترة وجيزة من تحقيق الأهداف التي خططوا لها في كل من تونس وليبيا ومصر فهرب بن علي وانهار نظام مبارك تحت ضغط الجماهير الشعبية الغاضبة والموجهة اعلاميا عبر قناة الجزيرة القطرية التي وجهت وادارات عمل التنسيقيات الميدانيه دون الحاجة الى التدخل المباشر العسكري في الاحداث من قبل رأس افعى المشروع امريكا وحلفاؤها واختلف الامر قليلا في ليبيا حيث اضطرت قوات التحالف الامبريالي الصهيوني العالمي للتدخل العسكري المباشر عبر سلاح الطيران لتعقب العقيد معمر القذافي لقتله لتحطيم السلطة المركزية فيها وتركها ضحية صراعات بين كانتونات جهويه ومن ثم تم الاجهاز على نظام علي صالح بنفس السرعة ليعتقد مهندسو هذا المشروع ان مخططهم يسير ضمن الفاعلية التي تم الاعداد لها ولم يتبقى لاكتمال حلقاته حسب تصريحات كيري سوى النظام السوري.
لقد شكلت الدولة السورية شوكة في حلق مخططي مشروع الشرق الأوسط الجديد وكان هدف اسقاط النظام فيها بالغ الاهمية لاعادة رسم خريطة الوطن العربي ضمن الرؤيا الامريكية الاوروبية الصهيونية الرجعية العربية فهي من جهة تشكل عصب محور المقاومة الذي يضم ايران سوريا حزب الله في لبنان واسقاط النظام فيها يعني اسقاط حلقة هامة في هذا المحور كذلك تشكل الدولة السورية العدو الرئيسي العنيد للكيان الصهيوني المغتصب فسوريا بالنسبة لهذا الكيان الصهيوني تشكل الحاضنة الامينة للمقاومة الفلسطينية وشريان الامداد العسكري والسياسي لحزب الله اللبناني والداعم الرئيس لوحدة الاراضي العراقية والحارس الامين لاي توغل صهيوني من الحدود الشمالية مع العدو كذلك هناك مصلحة لدى  الرجعية العربية لاسقاطه لا تقل أهمية ومنفعة عن اهتمام الكيان الصهيوني فسوريا تشكل العائق الرئيس امام مملكة آل سعود في تنفيذ مخططاتها في لبنان وتشكل سوريا الشريان الحيوي للهلال الشيعي الايراني السوري حزب الله والذي يشكل خطرا كبيرا على السلطة الدينية الوهابية وهيمنتها على المنطقة العربية فبسقوط سوريا يتم قطع الطريق على تشكل هذا الهلال والتقت بذلك مع السلطان العثماني اردوغان الحليف السني للسعودية والصديق الوفي للكيان الصهيوني المغتصب وعضو حلف الناتو الذي استشعر النفوذ الايراني في المنطقة وقوتها المتصاعدة خاصة بعد حرب تموز ٢٠٠٦ الذي لقن فيها حزب الله وبدعم ايراني سوري مباشر العدو الصهيوني درسا لم تنتهي دوائره الامنية من دراسة اسبابه ونتائجه حتى ايامنا هذه وتلاقت هذه المصالح المشتركه لهذه الاطراف مع مصلحة الحلف الانجلوسكسوني الفرانكفوري في السيطرة على ميناء طرطوس السوري الذي يحتضن قاعدة نووية روسية واكبر شركتين للغاز الطبيعي روسيتين اضخم انبوب للغاز الروسي والسيطرة عليه يعني ضرب الاقتصاد الروسي في الصميم.
نلاحظ مما سلف ان هناك حاجة وضرورة معا لاسقاط النظام السوري وخلق نظام على مقاس البوط الامريكي وهذا ما يفسر استكلاب الحلف الامبريالي العالمي والكيان الصهيوني والرجعية العربية والسلطنة العثمانية الحالمة بدور قيادي جديد لها في المنطقة لاستعادة امجادها العثمانية. وهذا ما يفسر مساعي هذا التحالف الغير مقدس لتجيش وتجهيز وتمويل المرتزقة والعصابات المسلحة والزج بها في ارض سوريا .
لم يكن لدي مهندسي مشروع الشرق الأوسط الجديد اي شك بسقوط النظام السوري خاصة بعد رده العنيف على الاحداث في درعا فعمل على تضخيم الحدث فيها عبر ماكينة الاعلام في قطر التي تولت تجهيز جيش من المراسلين وزودتهم باحدث اجهزة التواصل لفبركة وتضخيم الاحداث واختلاق العديد من مشاهد القتل والمجازر الجماعية للنظام عبر غرف سوداء جهزت لهذه الغاية وبث الاخبار الكاذبة بقصد التشهير بالنظام واحراجه وتبرير العدوان عليه ورغم وضع ماكينة الاعلام المعادية لسوريا وشعبها كل امكانيتها عبر التقارير والندوات التي جهزها وادارها عزمي بشارة الا ان الاعلام السوري وكوادره نجحت وبامتياز في كشف حالات عديده تبين كذب وادعاء هذه الماكينة المعادية للامه وشكلت رديفا عمليا للجيش العربي السوري في حربه على الارهاب.
امام كذب وزيف ادعاءات اصحاب هذا المشروع بسلمية الحراك الشعبي في درعا وتصدي الدولة السورية الحازم له ادرك مهندسو المشروع انهم امام حالة مغايرة تماما لما حدث في باقي البلدان التي اجتاحها الربيع العربي فهم امام قيادة سياسية حازمة وواعيه وجيش قوي ودبلوماسية متمرسه واعلام متقدم وان توافر هذه الميزات جميعا في دولة سيصعب التخلص من نظامها او سيطيل مدة الخلاص منه خاصة بعد فشل محاولات شق الجيش السوري وفشل ايجاد وكيل سياسي قوي ليشكل معارضة قويه مما اضطرهم الى الدفع بكل قواهم الاعلامية والسياسية والاقتصادية واخيرا العسكرية في مجابهة مكشوفة مفضوحة مع الدولة السورية.فتم الدفع بالآلاف المرتزقة وضباط مخابرات دول عديدة الى داخل الوطن السوري عبر الحدود التركية وتشكيل هياكل عسكرية معارضة كجبهة االنصرة وداعش وفتح الشام وغيرها وتم تدريبهم وتجهيزهم في معسكرات دول محيطه ونشرهم في ارجاء الوطن السوري واعلنت هذه الهياكل الجهاد الإسلامي على سوريا واهلها وشنت حملة عسكرية  عنيفة ضد الدولة السورية مدعومة بغطاء سياسي لدول الامبريالية العالمية وغطاء ديني وهابي ترأسته السعودية وتركيا العثمانية وغطاء اعلامي مكثف قادته قنوات الجزيرة والعربية وحراسة وترقب صهيوني على الحدود المشتركة وشنت حرب كونية شاملة على الدولة السورية لارهاق جيشها واحراج قيادتها وشل اقتصادها لدفعها نحو الاستسلام وتسليم السلطة لهيئات ومجالس هزيلة اسمت نفسها معارضة سوريه تمركزت في اسطنبول وقطر .
لم يشهد التاريخ المعاصر بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية اصطفافا سياسيا لاكثر من ستين دولة عدا عن الذيول العميلة في الداخل السوري من عصابات مسلحة لمواجهة الدولة السورية حيث حشدت لهذه الحرب مئات الآلاف من المرتزقة وترسانة مهولة من الاسلحة ومليارات من البترودولارات وماكينة اعلام مزودة بجيش من المراسلين سخرت لاسقاط النظام السوري ورئيسه بشار الأسد كذلك وبالمقابل لم يشهد التاريخ المعاصر حالة من الصمود الاسطوري امام اكبر تحالف كولونيالي حققته الدولة السورية قيادة وشعب وجيش لا يقهر.
والان وبعد خمس سنوات من الحرب الكونية خرجت سوريا منتصرة وقوية ويتحدث رئيسها بشار الأسد بلهجة المنتصر ان لا مكان للمرتزقة في الارض السورية وان لا مساومات على السيادة الوطنية وهشمت مخططات الكولونيالية العالمية في فرض مشروع الشرق الأوسط الجديد وخرجت بمساندة حلفائها روسيا والصين وايران وحزب الله وكل شرفاء هذه الامة اكثر صلابة ومنعة واصبح محور المقاومة اكثر قوة ومراسا في مواجهة اعداء هذه الامة واعطت للمشروع القومي النهضوي العربي دفعة جديدة للامام ليكون الرد المقاوم لمشروع الشرق الأوسط الجديد.
ختاما اود ان اؤكد انه لولا توافر عناصر الصمود والتحدي التي اشترك في صناعتها القيادة السورية والجيش العربي السوري والدبلوماسية السورية والاعلام السوري واخيرا والاهم الشعب العربي السوري صانع الانتصار الحقيقي والقوة الفعليه لما تحدثنا عن نصر فالنصر لا يصنعه الا الاقوياء.

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.