أوروبا تبحث عن نصيبها من “الفوْضَى الخَلاَّقَة”

الطاهر المُعز

 

تشهد أوروبا من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها منذ أكثر من عِقْدَيْن تقَدُّمًا مُطَّرِدًا لأحزاب اليمين “المتطرف” (أي الفَاشِي) خلال مختلف الإنتخابات المحلية والتشريعية والرِّئاسية، وبالتزامن مع ذلك انتشر الخطاب المناهض للحركة النقابية، وتَعَدَّدَتْ اعتقالات ومحاكمات النّقَابِيِّين ومناضلي الأحزاب غير البرلمانية و”المجتمع المدني”، وتَضاءَل الفارق في البرامج وفي المُمارسة بين اليمين التقليدي (المُعْتَدِل، مقارنة بالمتطرف؟) واليسار التقليدي أيضًا (الأحزاب الإشتراكية الديمقرطية) وأصبح الجميع يُدافع عن العولمة وحرية الأسواق والخصخصة وتحجيم دور مُؤَسَّسَات الدولة، مقابل هيمنة القطاع الخاص، وغاب عن السّاحة ما يُمْكِنُ أن يُسَمّى يَسَارًا، وعادت ألمانيا إلى إحياء تاريخها النازي وفرنسا إلى أحلك فترات تاريخها الإستعماري والمناهض لتحرر القوى المُنْتِجَة داخليا… في هذا الإطار تَكَفَّلَت الولايات المتحدة بقيادة العالم الرَّأسمالي المتطور نحو مزيدٍ من “العولمة” وهيمنة الشركات متعددة الجنسية (أَهَمُّها أمريكية المَنْشَأ) على الإنتاج والتَّسْويق في كافة أرجاء العالم، وبإعادة هيكلة الحلف الأطلسي -بمثابةَ ذراع مُسَلَّحَة للرَّأْسمالية- وفتح باب الإنخراط في نشاطه العدواني إلى دول أوروبا الشرقية، وتوسيع دائرة عُدْوانه إلى جنوب البحر الأبيض المتوسط وافريقيا وآسيا (بدءًا بأفغانستان)، خُصوصًا بعد زوال “حلف وارسو” الذي كان منافسًا له، وشاركت معظم الدول الأوروبية في العدوان العسكري على بلدان “الجنوب” والبلدان العربية بشكل خاص، سواء ضمن الحلف الأطلسي أو لحسابات خاصة أخرى، لكن بغطاء أمريكي وأطلسي (عدوان فرنسا على مالي ووسط افريقيا مثلاً)، وتزامن تصعيد الحرب وتوسيع رقعتها مع الأزمة المالية التي انطلقت من مهد الرأسمالية (الولايات المتحدة) لتنتشر في العالم وتُصْبِحَ أزمة اقتصادية عالمية (أهِيَ الصُّدْفَةُ؟)…

تُمَثِّلُ الحُروب إحدى وسائل رأس المال لحل أزماتِهِ “الدَّوْرِيَّة”، وتشغيل مجمعات الصناعات العسكرية، مع إسْكات الأصوات المُعارِضَة بإقرار القوانين الخاصو بالتضييق على الحريات وإعلان حالة الطّوارئ ونشر قوى “الأمن” والجيش في شوارع المُدُن (باريس مثالاً) ومنع المظاهرات والإحتجاجات ضد تدهْوُر الوضع الإقتصادي… وابتكرت الدول الرَّأسمالية منذ الحرب العالمية الثانية خطَطَ “إعادة الإعمار”، اعتمادًا على نظريّات أحد مُنَظِّرِي الإصلاح الرأسمالي “جون مينارد كينز”، وهيمنت أمريكا (الإمبريالية الصّاعدة) على أوروبا (الإمبريالية المُرْهَقَة) من خلال “مشروع مارشال” لإعادة الإعمار، بعد أن خَرَّبَت الطائرات العسكرية الأمريكية معزم مُدُن أوروبا التي لم تَطُلْها صواريخ وقنابل ألمانيا النّازِيّة، وبذلك ابتكرت الرأسمالية الإحتكارية الأمريكية سياسة “خدمات ما بعد الحرب” أي صناعة الخراب والتكفل بإعمار مَا طَالَهُ الخراب، لتضمن تسويق إنتاجها، والهيمنة على المناطق التي تَضَرَّرَتْ من الحرب…

تَعَمَّدَ زعماء أوروبا وأمريكا الكذب واختلاق أحْداثٍ وهْمِيَّة لتبرير إطلاق الحرب “الإنسانية” ضد ليبيا وسوريا وقبلها العراق، وفق ما أظْهَرَت الوثائق الرسمية الأمريكية والأوروبية، وشَكّلَتْ وسائل الإعلام (القطاع العام كما القطاع الخاص) أداة دِعاية وإشهار لهذه الحُروب الإمبريالية، وهي مَسؤُولة عن جَرِّ جماهير أوروبا وأمريكا الشمالية واليابان وأستراليا وغيرها لمُسَانَدَةِ حُرُوبٍ عدوانية ضد شعوب عديدة، بهدف تفتيت أوطانها وتقْسِيمِها على أسس طائفية وإثنية ومذهبية وتَقْوِيضِ أُسُسِ الدولة وحل الجيوش والمُؤَسَّسَات لتَنْتَشِرَ “الفوضى الخَلاَّقَة المُسَلَّحَة”، ونُزوح ملايين المواطنين من المناطق التي استهدفتها قنابل الولايات المتحدة وأوروبا والحلف الأطلسي إلى مناطق بقيت آمِنَة نِسْبِيًّا داخل البلاد أو هجرَتِهِم إلى خارج البلاد، وبذلك أنْتَجَتْ الحُروب ضد أفغانستان والعراق وليبيا وسوريا ملايين اللاجئين الذين يحاولون الهرب من جحيم الحرب، بَحْثًا عن حياةٍ أَفْضَلَ في البلدان الغَنِيَّة والتي تَسَبَّبَتْ في هِجْرَتِهِم من بلدانهم، واستغَل الرأسماليون في بلدان الجوار تدفق اللاجئين لتشغيلهم بأُجور ضعيفة وتأجير مساكن غير صالحة للسكن (في تركيا بشكل خاص)، واستغلت مجموعات الجريمة المنظمة والتهريب وضع اللاجئين لتهريبهم نحو أوروبا (انطلاقًا من ليبيا وتركيا) مقابل مبالغ باهضة وتشْغيلِهم قبل الرحلات القاتِلَة التي ذهب ضحيتها الآلاف سنويًّا في البحر الأبيض المتوسط… أما في بلدان أوروبا فقد استغل أرباب العمل اللاجئين من أجل اختيار أصحاب المُؤَهّلات والخبرة والكفاءة لتشغيلهم، كعمالة ماهرة وجاهزة، أنفقت دولة العراق أو سوريا أو غيرها ملايين الدُّولارات من أجل تعليمهم ورعايتهم…

على الجانب السِّيَاسِي، نجحت الحكومات والأحزاب (باستثناءات قليلة جِدًّا) في تحويل اهتمام المواطنين عن مشاكلهم الحقيقية المتمثلة في البطالة وارتفاع نسبة الفقر وصعوبة الحصول على مسكن وضعف الرواتب وغيرها من المشاكل الحقيقية واليومية لمواطني أوروبا وأمريكا، وتمكنت البرجوازيات الحاكمة من الإفلات من المُحَاسَبَة وتحويل أنظار المواطنين عن الأسباب الحقيقية للحروب العدوانية، وأَصْبَحَ الجميع (باستثناءات قليلة) يعتبر الحرب “شرعية” و”ضرورية”، أما قضية اللاجئين فهي مَسْأَلَة مُسْقَطَة على المُجْتَمع وليست نتيجة منطقية لهذه الحروب، وأصْبَحَتْ مسْأَلَة اللاجئين (وهي نتيجة) هي القضية الرَّئِيسِية، وهي سبب مشاكل المجتمعات الأوروبية، بحسب بعض الأحزاب ووسائل الإعلام المُهَيْمِنَة، ما شَكَّلَ فُرْصَةً ذَهَبِيَّةً لأحزاب ومُنظَّمات اليمين المُتَطَرِّف لشن حملة ضد “العَدُوِّ الخارجي” (المُهاجرين واللاجئين) الذي يُشَكِّلُ “تهْدِدًا وُجُودِيًّا”، بفَرْض الإسلام ونشر البطالة وافتكاك الطعام من أفواه الأوروبيين وتهديد “الثقافة الأوروبية” (إنْ وُجِدَتْ) ونشر الجريمة الخ، ما يجْعَلُ البرجوازيات الحاكِمَة تَطْمَئِنُّ على مُسْتَقْبَل هيمنتها على أدوات الإنتاج وعلى الثقافة السَّائِدة وعلى المُجْتَمَع الذي أصبَحَ أكثر استعدادًا للخضوع للإيديولوجيا السائدة وعدم مُعَارَضَتِها، رغم سوء ظروف العمل والحياة، باستثناء بعض النقابات والمجموعات “المدنية”…

تنعَقِدُ في نيويورك هذه الأيام (أيلول 2016) قمة أولى حول اللاجئين والهجرة تنظمها الأمم المتحدة، ولقاء ثاني حول نفس الموضوع برعاية زعيم الإمبريالية الأمريكية، بمبادارة من الإتحاد الأوروبي، الذي أعدَّ “خطة الإستثمار الخارجي” وتهدف استثمار ما يصل إلى 90 مليار يورو في إعادة إعمار ما خَرَّبَتْهُ الحرب، وكذلك في الدول “المُصَدِّرَة لموجات اللجوء والهجرة، دون مُعالَجَةِ الأسباب العَمِيقَة للهجرة” (ياله من وُضُوح !)، ويُشَجِّعُ الإتحاد الأوروبي القطاع الخاص الأوروبي للاستثمار في هذه الخطة، ويوفر له الغطاء المالي، عبر قروض مُيَسّرَة من “بنك الاستثمار الأوروبي” (الذراع المالية للاتحاد) والحماية السياسية والقانونية، عبر السفارات والبعثات الدبلوماسية الأوروبية، ليضمن الربح الوفير من هذه الخطة، وأعلنت مُنَسِّقَةُ السياسة الخارجية الأوروبية (وكذلك رئيس المُفَوّضِيّة جان كلود يونكر) ان الخطة لا تهدف إنقاذ اقتصاد البلدان التي خَرَّبَتْها قنابل أوروبا وأمريكا، وإنما “تهدف دعم الاقتصاد الأوروبي من خلال زيادة النُّمُو وخلق وظائف في أوروبا… وما دول أفريقيا والجوار الأوروبي سوى سوق كبيرة وجب أن يستغلها القطاع الخاص الأوروبي لمُساعَدَتِنا في الدفاع عن مصالحنا، مقابل حوافز مالية وحماية سياسية، نُقَدِّمُها له…”

يعتبر الإتحاد الأوروبي “خطة الإستثمار الخارجي” (التي اتخذت لها عنوانًا مُخادعا باسم إعادة الإعمار) استكمالاً “للخطة الاوروبية للاستثمار” (بمبلغ 315 مليار يورو) التي استهدفت السنة الماضية (2015) دعم مشاريع 200 شركة من القطاع الخاص بهدف خفض نسبة البطالة التي تجاوزت 10% من قوة العمل في بلدان الإتحاد (28 دولة) فيما فاقت نسبة بطالة الشباب 50% في بلدان جنوب القَارَّة مثل اليونان واسبانيا، وصَرَّحَ أحد مُفَوِّضي الإتحاد الأوروبي أن القطاع الخاص مُلْتَزِمٌ (في مُقَابل الدَّعْم) بتحقيق الأهداف السياسية الأوروبية والمتمثلة في “إحداث تغيير سياسي وتَشْرِيعي وإِصْلاح اقتصادي شامل، وإزالة العوائق أما السِّلَع والإستثمار الأجنبي في البلدان التي نَسْتَثْمِرُ فيها، ومراقبة سُلُوك الحكومات إزاء شَركاتِنا…”

لم تتمكن أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية من الظُّهُور كقوة مُسْتَقِلَّة عن الولايات المتحدة، بعد انهيار الإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية، وراهن البعض على الإتحاد الأوروبي لمنافسة الإمبريالية الأمريكية في السّاحة الدّولية، لكن الولايات المتحدة استطاعت فرض وتيرة توسع ونمو الإتحاد الأوروبي وأدمجت بلدان أوروبا الشرقية في الحلف الأطلسي قبل فرض انتسابها إلى الإتحاد الأوروبي، رغم عدم توفر الشروط، ما اضطر الإتحاد إلى ضخ أموال طائلة في بولندا ورومانيا وبلغاريا وغيرها ل”تأهيل” اقتصادها وفق المواصفات الأوروبية… وشاركت في حروب أمريكية لم تحصل منها على شيء يُذْكَرُ (العراق وأفغانستان وليبيا) بل حصد الإتحاد الأوروبي النتائج السَّلْبِية للقرارات الأمريكية مثل العقوبات ضد إيران أو ضد روسيا، كما حصد النتائج السلبية للحرب ضد ليبيا وسوريا والصومال، فيما أعلنت الولايات المتحدة أنها سوف تستقبل 40 ألف لاجئ سوري تختارهم من ضمن النخبة المتعلمة من أطباء ومهندسين وباحثين في اختصاصات نادرة، وسَدَّدَت أوروبا (تحت ضغط أمريكي) ثمن ابتزاز تركيا ومُساوماتها بتسق تدفق اللاجئين انطلاقًا من أراضي تركيا، نحو اليونان، لذلك تُحاول أوروبا، من خلال هذه الخطة (خطة الإستثمار الخارجي) الإستفادة من مُشاركتها في تخريب البلدان وتَقْتِيل الشعوب، وتلعب دور مُشْعِل النيران ورجل المطافئ في نفس الوقت، ولكن جزءًا هامًّا من الإستثمارات المَوْعُودَة سيذهب إلى بلدان البلقان واليونان والبلدان الأوروبية “المُسْتَقْبِلَة لللاجئين”، وسيذهب البعض الآخر إلى لبنان والأردن، لِمُساعدة حكوماتهما على “تحمل عبء اللاجئين”.

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.