بيانات بدون رصيد, جبهة وهمية والإنتفاضة الفلسطينية الثالثة

حياة ربيع (Ustada Hayat

 منذ ما يقارب الخمس سنوات ونحن نسمع بانتفاضة “ثالثة” يتم اعلانها بين فترة واخرى. وهذا امر طبيعي فالشعب الفلسطيني تحت احتلال مغتصب لأرضه وممعن في قتله تجعلهيعيش دائما حالة انتفاضة مختزنة كامنة في كيانة (وان بدى على السطح من تصرفاته غير ذلك في بعض مراحل نضاله). الا ان لهذه “الانتفاضة الثالثة” حيثيات تختلف بها عن سابقاتها من انتفاضات. فأول ما اطلت علينا تسمية “الانتفاضة الثالثة” كان في 15 أيار 2011 حيث أُطلق على الشهيد ميلاد عياش (سلوان- القدس) لقب أول شهيد الانتفاضة الثالثة وكان قد استشهد بتاريخ 14 ايار 2011 وظهرت فيديوهات وملصقات تنسب الشهيد للجبهة الشعبية كما يوجد باسمه صفحة فيسبووك لا يشير توجهها حصراً للجبهة الشعبية.

لكن في مرحلة من خريف 2015 تستعر وتيرة عمليات استشهادية بطولية منفردة متواترة وبزخم يتم تسميتها ايضا بالانتفاضة الثالثة. تبدأ هذه المرحلة باستشهاد ضياء تلاحمة في 21 سبتمبر 2015م ثم تتصاعد بغزارة ويرتقي خلالها شهداء كثر منهم الشهيد مهند حلبي الذي لُقِّب ايضاً بمفجر الإنتفاضة الثالثة. واكثر ما يجلب الانتباه لمتابع “الإنتفاضة الثالثة” هو اختلاف وكثرة المتبنيين لها سواء كان من باب الحماسة او من باب التشجيع أو من باب التمني أو حتى من باب التبرك بها وصولا بل نزولا إلى بنية وهمية زعمت أنها أعدت لها وفجرتها!. فمن بين هؤلاء جميعا برزت في العام الماضي جبهة تبيّن انها وهمية وتُسمي نفسها “الجبهة الوطنية الميدانية الموحدة في فلسطين التاريخية”. فبعد استشهاد الكوكبة التالية على ارض فلسطين:

21 سبتمبر2015 استشهاد ضياء تلاحمة

03 اكتوبر 2015 استشهاد مهند حلبي (لُقِّبَ بمفجر الانتفاضة الثالثة)

04 اكتوبر 2015 الشهيد فادي علوان

08 اكتوبر 2015 الشهيدة اسراء عابد

08 اكتوبر 2015 الشهيد وسام جمال فرج – شعفاط

09 اكتوبر 2015 الشهيد ” أحمد الهرباوي – غزة

10 اكتوبر 2015 أحمد عبد الله شراكة الجلزون

10 اكتوبر 2015 الشهيد محمد الجعبري

10 اكتوبر2015 الشهيد اسحق بدران

11 اكتوبر 2015 الشهيد محمد علي باب العمود

13 اكتوبر 2015 الشهيد بهاء عليان القدس

13 اكتوبر 2015 الشهيد باسل باسم سدر مقدسي

13 اكتوبر 2015 الشهيد معتز زواهرة الدهيشة

14 اكتوبر 2015 الشهيد احمد ابو شعبان مقدسي

 وبعد سنين من الكلام عن انتفاضات ثالثة وشهداء باسمها نفاجىء بإعلان “البيان الاول” – وكأنه بيان إنقلاب – “إندلاع “الإنتفاضة الثالثة” في فلسطين في مواجهة الإحتلال بإسم ” إنتفاضة الأقصى والقدس″ ؟! فيأتي خبر القدس العربي الإلكترونية في 16 اكتوبر 2015 انها “علمت بأن الجبهة صاحبة البيان الأول في الإنتفاضة الثالثة لا تربطها أي علاقة تنظيمية من أي نوع بجميع الفصائل العاملة على الساحة الفلسطينية .” لفت الإصرار على فصل الانتفاضة عن الفصائل الفلسطينية نظر القارىء الحصيف! فكيف يمكن بان جبهة غير معلومة الانتماء تطلق بياناً نارياً يعلن ويقود انتفاضة يترتب عليها دماء شهداء ناهيك عن تحرير وطن؟! كيف ممكن ان يظهر فجأة كيان سياسي غريب منتفض في فلسطين التاريخية يدعو الى انتفاضة دون ان يُسائَل رسمياً أو شعبياً، من انت وما مرجعيتك؟ ناهيك عن صمت العدو، المثير للتساؤل، عن بعض الأسماء التي زعمت أنها تمثل هذه “الجبهة” وكيف سيستطيع هذا الكيان قيادة انتفاضة وهو غريب ومجهول؟ الا يرتاب الناس من ذلك خصوصاً وانه قد مضت فترة زمنية على تردد مُسمى “الانتفاضة الثالثة” في الساحة الفلسطينية ؟ علما بان عدد من الفصائل المقاومة في الارض المحتلة اعلنت تبنيها لبعض الشهداء وانتمائهم اليها إلا الجبهة الوهمية المزعومة صاحبة البيان الاول الانقلابي الذي ادعى إطلاق الإنتفاضة. فكيف تقحم هذه الجبهة اللقيطة “الغير منتمية تنظيمياً” نفسها في الساحة الفلسطينية على دماء شهداء فلسطين؟ لم يسبق يوما في تاريخ الإنتفاضات الفلسطينية ان انتفض الشعب الفلسطيني نتيجة لاطلاق بيان هنا او تزعُّم جبهة هناك. فالإنتفاضة بشكل عام والفلسطينية بشكل خاص هي عبارة عن حالة جماهيرية غالباً ما تبدأ بحدث فردي لتصبح افراد ا تتكاثر. كما انه ليس بالعادة ان يجري الاعلان مقدماً عن اندلاع إنتفاضة وتحت عنوان مسبق بغض النظر عن تسميتها او تسلسلها الرقمي وكأنها موسم رياضي. فبما هي انتفاضة، فهي عفوية تأتي بلا موعد وتتدحرج ككرة الثلج.

انتفاضة الجبهة الوهمية 15 اكتوبر 2015

إذاً هل استغلت الجبهة الوهمية ارتفاع عدد العمليات الإستشهادية في النصف الاول من اكتوبر لتعلن انتفاضة ثالثة في 15 اكتوبر 2015؟ هل كان هذا التربص معداً له مسبقا وجاهز ترقبا بما يجري على الساحة الفلسطينية للدخول على الخط وركوب الموجة في اعلى زخمها؟ وهل هذا يشرح الفرق والشاسع بين بيان الجبهة الوهمية الاول في 15 تموز 2013 و بيانها الأول “الثاني” في 15 اكتوبر 2015؟! فقد كان و سبق للجبهة الوهمية اي “الجبهة الوطنية الميدانية الموحدة في فلسطين التاريخية” انها اطلقت بيان اسمته ايضاً “البيان الاول” على صفحتها الإلكترونية بتاريخ 15 تموز 2013 (ونشر بتاريخ 23 تموز 2013 ) ولم يؤدي حينئذ الى اي تفاعل شعبي معه على ارض الواقع اللهم الا في صفحات الفايسبووك. مما يصب في صحة الاستنتاج ان الجبهة الوهمية أعادت استراتيجيتها وتربصت بالساحة الفلسطينية ترقب الاحداث لتستغلها وتحصد تضحياتها لمشروعها المشبوه وهو مشروع “دولة فلسطين الديمقراطية الموحدة في فلسطين التاريخية” الذي تتبناه وتروج له في صرخة ونداء الاعماق للفيف الفلسطيني المجهول.

 والمستغرب انه لم تصدر الجبهة الوهمية اي بيانات انتفاضية بعد بيانها الاول “الثاني” في 15 اكتوبر 2015 و لم تتابع ببيانات اخرى داعمة للإنتفاضة التي تزعّمت اطلاقها. كما انها لم تتبنى أي شهيد كما فعلت الفصائل الفلسطينية الاخرى او ربما كان هذا تمشيا مع كونها, اي الجبهة الوهمية المزعومة, خارج أي “علاقة تنظيمية من أي نوع بجميع الفصائل العاملة على الساحة الفلسطينية .” كما وصفتها القدس العربي الإلكترونية في اعلانها 16 اكتوبر 2015؟! بالمناسبة اتسائل ان كان يوجد لهذه الجبهة الوهمية شعار او “لوغو” لتُعرِّف نفسها به كما تجري العادة. هل كانت هذه المسرحية مجرد فقاعة هوائية لكسب مصداقية او لإختراق الساحة الفلسطينية وعواصم ومؤتمرات الممانعة والمقاومة؟! يبدو جلياً ان من اهم ما ترتكز عليه الجبهة الوهمية في فلسطين التاريخية لتسويق وجودها على الساحة الفلسطينية وفي عواصم ومؤتمرات المقاومة والممانعة هو انتفاضة الشعب الفلسطيني وتحديداً الانتفاضة الثالثة (بياناً وتبنياً) وتضحيات ودماء الشعب الفلسطيني. تتمظهر الجبهة الوهمية وتركب موجة الانتفاضة الثالثة لتسوق كيانها وهذا محض ادعاء تمشيا مع كافة ادعاءات هذه الجبهة. وبعد ان كشفنا حقيقة الجبهة الوهمية الداعية لإنتفاضة ثالثة [انظرالجبهة الوهمية حقيقة “الجبهة الوطنية الميدانية الموحدة في فلسطين التاريخية”https://web.facebook.com/ustada.hayat/posts/10154418358289491] يتحتم علينا ان نبحث في علاقة هذه الجبهة الوهمية المزعومة بانتفاضة ثالثة.

الربط بمشروع الصرخة والجهاز الاعلامي

 اخبار الصحف الالكترونية التي تزعمتها القدس العربي مناصفة مع البوابة هي خير دليل على العلاقة بين إدِّعاء الجبهة الوهمية للإنتفاضة الثالثة وبين صرخة ونداء الاعماق للفيف الفلسطيني المجهول الاسماء الذي تتزعمها العرابة الفلسطينية امل وهدان وتروج لها في عواصم ومنتديات المقاومة ومؤتمراتها. حيث سوقت هذه الصحف بعناوين تمحورت حول اعلان اطلاق جبهة مفترضة واندلاع الانتفاضة الثالثة، مع ان الجبهة الوهمية كما الانتفاضة الثالثة كما “البيان الإول” لم تكن بالجديدة وكانت متواجدة منذ سنوات … [وان تم استغفال طوابير المثقفين الصادقين واصحاب النوايا الحسنة بخصوص الجبهة الا انه لم يكن يجب ان يمر بيان اطلاق الانتفاضة الثالثة على احد].

في وثيقة صرخة ونداء من الاعماق التي “يطلقها لفيف من شخصيات وكوادر الحركة الوطنية الفلسطينية الراهنة  لإقامة دولة فلسطين الديمقراطية التقدمية على كامل التراب الوطني” (نسخة شباط 2016 الالكترونية) يرى اللفيف “ان المشكلة الفلسطينية لا تنحصر في وجود مهاجرين مستوطنين من جهة وسكان أصليين (فلسطينيين) على أرضها التاريخية من جهة اخرى، بل في نوع العلاقة التي اقامها كيان المستوطنين –المنعزل- مع شعبنا”. وعليه يؤكد اللفيف “ان التغيير الذي نريد تحقيقه على ارض فلسطين التاريخية لا يمس وجود الناس عليها، بل يمس العلاقات القائمة الغير انسانية بينهم.” فبحسب اللفيف: “ومن هنا وعلى ضوء فهمنا هذا ننطلق نحو تحديد المضمون الحقيقي لشعار تحرير فلسطين، الذي لا يعني في أية حال من الأحوال تحريرها من وجود المستوطنين المهاجرين المقيمين فيها، بل تحريرها من نمط العلاقات الإستعمارية الإثنية الإحلالية التي أقامها هؤلاء المستوطنين مع شعبنا الفلسطيني، وتحريرها من دور كيانهم الوظيفي على محيطنا الإقليمي.”

خطورة هذا المقتطف، المكرر أكثر من مرة  في الصرخة، في كونه مناقض تماما لمسيرة المقاومة وحتى لفريق التفاوض الفلسطيني بمعنى أنها تطرح الاستسلام المباشر لصالح الكيان الصهيوني، فأي سقف هذا بعد بيان “رقم 1” لا اشد منه سخونة.

 يشيد هذا اللفيف بتصاعد “انتفاضة الشبيبة” ومقاومتها واستبسالها في وجه الكيان الغاصب المحتل الهمجي الوحشي, لكن بكل صفاقة ووقاحة يصفها بانها “حباً في غريزة البقاء” (حيث هناك فرق كبير بين غريزة البقاء والحق المشروع، بين اشتراك الإنسان والحيوان في حب البقاء وبين تميز الإنسان بوعيه لإنسانيته وأهم مكوناتها الوطن، الحيوان يرى الوطن مكانا يمكن التنقل منه بحثا عن غيره، بينما الإنسان يراه وطناً. ثم كيف تصف الصرخة ان الفلسطيني يناضل لأجل بقائه ثم يتعايش مع من يشطب وجوده! هل الأمر بكل هذا التسطيح؟), ومع ذلك فاللفيف يشيد بالإنتفاضة وبتضحياتها وبطولاتها ولا يراها جزء من “التناحر” بل من الملاحظ جداً ان اللفيف لا يصفها مباشرة بـِ “الكم القديم المتعفن الذي يجب ان يلقى في مزبلة التاريخ في سبيل التعايش المشترك”. لكن يبدو ان كل هذا الاستثناء هو محدد فقط بسبب اختيارها “للتموضع بخلاف القيادة الفلسطينية” حيث هي بلا قيادة ويجب اقتناصها واحتوائها وتجيير”كفاحها الضاري” لمصلحة “المولود الجديد” أي الدولة الفلسطينية الديمقراطية التقدمية على ارض فلسطين التاريخية, ويكون اللفيف بذلك قد تخلص منها كعقبة في طريق مشروعه. هذا مع أن مفردة اللفيف تعني الجمع وليس المفرد، لكننا لم نسمع قط عن لفيف حقيقي!! بل وتزعم عرابة الصرخة أمل وهدان أنها قدمتها بدون اسماء أخرى غير شخصها، فما معنى مفردة اللفيف؟ وهل هذه المفردة المبهمة المجهولة كافية المصداقية لقيادة مشروع بحجم مشروع الصرخة؟ ولماذا يتهرب هذا اللفيف المزعوم من ذكر اسمائه او التعريف بنفسه ويفضل البقاء مجهولا؟! [انظرتفنيد الصرخة  https://web.facebook.com/ustada.hayat/posts/10154367570699491 ]

والسؤال هنا هو اذا كانت الصرخة تدعو الى “كيف” جديد وتنادي بعلاقات التعايش والتلاقح و”إيقاف التناحر الجماعي والنفي المتبادل” (وهذه مفاهيم وتعابير تؤدي الى الإختراق الذهني والفكري ولا شعوريا تلعب سيكولوجياً على تعويد المتلقي لها وتقبلها) فلماذا تشيد بالانتفاضة وتتبناها وتشجع عليها وتصدر بيانات وهمية لإذكائها؟! وبالضبط لماذا تنشرفي أوج عمليات استشهادية بطولية بيان يدَّعي إطلاق “الانتفاضة الثالثة” ويتزعمها, اين القطبة المخفية ؟؟ هل القصد هنا هو توظيف الصوت العالي لتغطية موقف تنازلي؟! أو هل هذا لإستقطاب “الشبيبة المنتفضة” لاستيعابها واختراقها وتمييعها، ولكن كيف ستفعل ذلك جبهة وهمية ! ربما هو لتجنيد مريب في صفوف المنتفضين او لخلق واستقطاب جمهور تعطيه سموم مشروع دولتها جرعة جرعة.

عشية السنوية الاولى لاطلاق الجبهة الوهمية بحسب تاريخ 15 اكتوبر 2015 نجد انفسنا مسؤولين امام الشعب الفلسطيني وتضحياته ودمائه عن تقييم نشاطات هذه الجبهة وانجازاتها في عامها الأول فقد مضى وقت كافٍ للمسائلة. واقله ان نتسائل عن انتفاضتها الثالثة ذات البيانات الرنانة؟! مالذي قدمته و انجزته هذه الجبهة الوهمية المشبوهة وما الذي كانت تهدف لانجازه علما بمعرفتها بوهميتها وانها مجرد كذبة لتعمل من تحتها دون حسيب او رقيب؟! فهل نجحت في تحقيق ما ارادت؟ وهل تمكنت من التغلغل ومد شروشها واصبحت تصدر البيانات والتنديدات وتحضر المؤتمرات وووو تجمع بين خيار المقاومة الاسلامي العربي والغدر؟!

يتبع….

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.