ثورة في الدين لإنقاذ الإنسان من الوثنية

سركيس ابوزيد

يشن الإرهاب حرباً عالمية ثالثة على الحضارة ليُدمر المدنية والإنسان معاً. ومن أساليب مواجهته لجأ البعض إلى تجديد الدعوة للحوار المسيحي ـ الإسلامي، وإصدار بيانات تبشر بلقاء الأديان وحقوق الإنسان والسلم الأهلي وغيرها.

تكرر هذه النداءات مسلمات بديهية سبق وعرجت عليها مختلف المناسبات المشابهة، لكن أمام التحديات الوجودية التي نشهدها، أصبح لا بد من إعادة النظر في هذه المفاهيم من أجل إعطائها بُعداً عملياً وجديداً يتلاءم مع المعركة التي تخوضها الإنسانية ضد إلغاء القيم والإنسان.

لذلك أسجل بعض الملاحظات والاقتراحات من أجل الإضاءة والنقاش:

1)  إن فكرة الحوار الإسلامي ـ المسيحي استُنفدت، بعدما استُهلكت، لما رافقها من تكاذب مشترك ومسايرة ومواربة، ولكثرة المؤتمرات والندوات التي عملت لها، ولم تصل إلى حلول عملية إجرائية، بل اكتفت بنوع من الاجتزاء والتراضي. ولم تتمكن حتى الآن من إنتاج كتاب موحد يُدرس الأديان للطلاب في مستويات مختلفة من أجل تكوين ثقافة دينية مشتركة.

2)  كثر الكلام في هذه الأيام عن الشراكة الوطنية والتغني بشعارات الوحدة الوطنية والتآخي ولعن الطائفية، فهل هذا كافٍ من أجل بناء مواطن جديد قادر على مواجهة الكراهية والتعصب والقتل؟ أم نحن بحاجة إلى نضال جدّي من أجل بناء نظام قائم على أساس المواطنة، والعمل من أجل دولة مدنية قانونية علمية تضمن الحقوق والواجبات، وتحقق الديموقراطية التي تُجسد المساواة والعدالة الاجتماعية. مهما كانت الآراء والتوجهات، لم يتوصل بعد المتحاورون إلى مفهوم مشترك لدولة نحيا فيها بكرامة، خاصةً أننا نشهد أمام أعيننا انهيار الأنظمة والدول لتسود مكانها القبلية والبربرية والفتن وانهيار القيم. الضمانة الوحيدة لنا جميعاً هي دولة القانون والعدالة، لأن أنظمة الفساد والاستبداد تخلق الأجواء المؤاتية لانتشار الفكر الإلغائي.

3)  إن مواجهة التيارات التي تستغل الدين لأغراض سلطوية وسياسية ونفعية لا يمكن أن تتم فعلياً إلا بثورة دينية تُواجه الانحرافات والتأويلات المشوهة والاجتهادات المغرضة التي حولت الدين إلى وسيلة لبلوغ أهداف فئوية.

4)  يعمل العديد من المؤسسات ويفاخر بالتعاون مع المؤسسات والمنظمات الدولية من دون تحديد هويتها وأغراضها ومضمونها، لأن البعض منها مشبوه وله أغراض خاصة مناقضة لحقوقنا واستقلالنا وهويتنا.

5)  فكرة حقوق الإنسان بحاجة إلى شرح وتوضيح، لأنها أحياناً تُغيب حقوق الشعوب بالاستقلال والهوية والتقدم. كما أننا نعيش في مرحلة نحن بأمس الحاجة فيها إلى الدفاع عن الحق في الحياة لمواجهة تيارات تُبرر القتل المجاني وإلغاء الآخر لمجرد أنه مختلف عنها.

6)  لكل مذهب وطائفة وجماعة، جمعية أو مؤسسة خاصة بها محتكرة على أبناء ملتها، تأسر فيها أتباعها وتحولهم إلى مساجين في معتقل أو «كونتون»، وهكذا يتم التراشق بين هذه الكيانات (المعتقلات) بالرصاص والاتهامات، وأحياناً بالحوار والجمل المعسولة، لكنها تبقى متاريس في مواجهة متاريس أخرى.

فإذا كانت هذه الجهات جدية، لماذا لا يترجم المؤمنون بالحوار وحقوق الإنسان نداءاتهم وشعاراتهم إلى إطار مشترك يجتمع فيه جميع الذين يلتزمون به، على اختلاف مللهم ومذاهبهم ليعملوا معاً من أجل خير الإنسان وتحقيق أهدافه من خلال العمل الميداني المشترك؟

7)  الحوارات الدينية والبيانات والنداءات وما أكثرها لم تعد مجدية لمواجهة الإرهاب والتكفير، في زمن يسير فيه العالم بسرعتين متعاكستين، من جهة تزايد الأصوليات الدينية ومن جهة أخرى تزايد حالة اللادينية مع انتشار العلم والمعرفة. لذلك بات السؤال الملح: ما هو مستقبل الأديان؟

نحلم بأن مستقبل الأديان سينضج باتجاه المحبة والرحمة، على أن يكون الدين أقل تحجراً ووثنية وأكثر روحانية حتى لا تتسع الهوة بينه وبين الحياة. موت الدين كـ «دوغما» يفتح الأبواب أمام الحوار والتواصل. لذلك نحتاج إلى ثورة في الأديان تتجاوز الثورة على الدين، من أجل تفكيك الخطاب السائد الذي يعمل على تكريس الاستعباد والتسلط. ونحتاج إلى نقد المؤسسات الدينية وسلطتها التي أصبحت سجوناً تُكبل المؤمن بفكره وسلوكه، من أجل كشف التضخيم والأوهام، حتى يعود الدين إلى الإيمان دون الأساطير والخرافات، ما يفتح الباب أمام المشترك الروحي بين الأديان، فتلتقي مع الفنون والآداب في رحاب ما بعد الحداثة.

:::::

“تحولات”، بيروت

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.