ما بعد ناهض حتر..!!

نبراس عثمان

 

بعد اغتيال ناهض حتر، ومتابعة الأحداث المتلاحقة والمتغيرات، كتبت هذه المقالة فجر 27 ـ 28 أيلول، ونشرتها بعد 24 ساعة على صفحتي.

يقترب رويداً رويداً من الساحة المكتظة، كلِحيَته، إلا قليلاً، كشارِبَيه، أمام مبنى المحكمة. يُجيل النظر لاهثاً وراء فريسته. يجدها، فيكشر عن أسنان صفراء فَرِحة. ثم يحدق في رأسها الذي يتبدّى من بين الرؤوس المتباعدة كلما اقترب منها أكثر. يأخذ نَفَساً عميقاً ذا رائحةٍ لا يستنشقها غيره. يدنو نحوها بتصميم. يصل لمسافة مترٍ واحد تفصله عنها. وبينما هو يشد يده على قبضة مسدسه المندس تحت جزء من ثوبه الأبيض الممتد إلى ما فوق الكاحلين ببضعة سنتيمترات، يُتمتم قائلاً: “ها قد وجدتك يا كافر”. ثم يُرَتِّل، ترنيمة الموت، بصوت أهدج: “وأنزَلَ الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقَذَفَ في قلوبهم الرعب فريقاً تقتلون…”، يطلق الطلقة الأولى، ويتابع بنبرة أقوى: “وتأسرون فريقاً…”، يطلق الثانية، ثم يُفرغ ما في جوفه وجوف سلاحه: “وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضاً لم تطأوها وكان الله على كل شئ قديرا”. هنا، يصمت القاتل إلى حين، ويصمت ناهض حتر إلى الأبد.

قد يكون هذا ما حصل، بالضبط، في ذلك الصباح الأسود من صباحات أيلول، الذي يأبى، منذ عقود، إلا أن يتشح بالسواد. وقد لا يكون ذلك المشهد، الذي حاولتُ فهمَه، وأنا هنا في دمشق، مطابقاً لما رسمتُه، قبل قليل، من لحظات مؤلمة وبشعة في آن. إلا أننا ندرك تماماً، وبكامل الثقة والمعرفة، أن طلقات رياض إسماعيل أحمد عبد الله، وبقدر ما تغلّفت بالمُقَدَّس، كانت محشوةً بالجهل، والحقد، والتوظيف السياسي.

هل مات ناهض حتر شهيداً؟!! نعم. هو شهيد، لأن الرصاص الذي أُفرِغَ في جسده كان مسموماً بالغدر والغيلة كخنجر أبي لؤلؤة. وهو شهيد، لأنه أراد ذلك حينما خجل من أن بندقيته من الكلمات لا الرصاص، ومن أن حبره يسيل، لا دمه، في صدِّ الحملة البربرية على الشام. وهو شهيد، لأنه اصطف، بكامل الوعي والإرادة، إلى جانب المقاومة، كأي جندي مقاتل على خط النار، في المعركة المصيرية التي تدور رحاها اليوم في سورية. وهو شهيد، لأنه اختار المواجهة، لا الهروب، ولا التخفي، ولا المراوغة، أمام أعدائه، مُجرَّداً من السلاح الناري، ومُذخَّرا بالفكر العلمي والكلمة الثورية، فكان سلفادور الليندي العربي، حينما مات، رافعاً، لا حانياً رأسه، في وجه القتلة. وهو شهيد، استحق ويستحق، بدمه الجرئ، أن نصون بعده العهد على المواصلة، والأهم، العهد على التصعيد الثوري.

ولكي لا يذهب دم ناهض هدراً، كما الكثير من الدماء التي سالت، لسنوات طويلة، في صراعنا مع الناهب الرأسمالي وأدواته، ومع الرجعيات القرابية بكافة أشكالها، ولكي لا تتوه الآسئلة الرافضة لواقع مرير وذليل ودموي عن إجاباتها، أن (ما العمل؟)، لا بد لنا، من الإضاءة على النقاط التالية:

1. إن الكاريكاتير، الذي شاركه ناهض حتر على صفحته، لا يعبر عن تصور داعشي فقط، وإنما عن تصور ومضمون عام، وإن بشكله الكاريكاتيري، لعشرات الملايين، أو أكثر، ممن عبروا التاريخ البشري. فهو يتناول جانباً مهماً، وركناْ أساسياً، من جوانب وأركان سيكولوجيا الدين كعُصاب جنسي جماعي قائم على الرغبة العميقة بانفلات الغرائز حتى أقصاها. والوقوف، اليوم، ضد الهجمة المتوحشة الهادفة إلى إسكات صوت الوعي، يشكل ضرورة في مواجهة مشروع مخيف وعميق، لا يقل في تأثيراته واستحكاماته، عن الدول الأمنية العميقة، التي تلعب دوراً وظيفياً في خدمة منظومة النهب، دوراً جعل ويجعل من هذه الدول مفاصل بنيوية، لا وظيفية فحسب، في بنية هذه المنظومة. ناهض، قدَّم نموذجاً جريئاً، وليس صحيحاً أنه وقع في فخ خانة الديانة المطبوعة على هويته، بل إنما تكون مسايرة هذا الطرح بمثابة معول إضافي في عملية هدم حالة الوعي التي تصارع من أجل النهوض. إن إدراكَنا لهذه الحقيقة، لا السقوط في فِخاخ التبريرات والاعتذرات، علانيةً أمام الغير، وسراً أمام الذات، لَفيهِ صونٌ لدماء ناهض حتر.

2. إن الحالة الانفعالية الرافضة والشديدة، التي سادت الأوساط التقدمية في الشارع الأردني، وأطرافه المطلة عليه عبر نوافذ وسائل التواصل الاجتماعي، كرد فعل أولي على جريمة الاغتيال، توحي بتطور نوعي على صعيد الحالة الجماهيرية المقاومة الواعية ثورياً. الخوف يتأتى، كعادته، من أن تنتفخ تلك الحالة إلى أقصاها خلال زمن ما، كبالون، يتم تنفيسه، بحنكة نواطير المستعمِر في قصورهم، وموظفيهم الأمنيين في مكاتبهم. فَرَدَّات الفعل لا تُنتِج تغييراً. يمكن القول، إن عدم مراكمة دم ناهض في سياق تحرك جماهيري طويل النفس، هو خيانة لهذا الدم.

3. إن الرفض الواعي لأسباب الرفض، يقتضي أن لا يكون التحرك ثأريّاً، طلباً لدم، فناهض ليس كُليباً، ورياض ليس جسّاساً، كي نلعب دورنا المحبب والبغيض في ذات الوقت، دور الزير سالم. نحن طُلاب حقوق، ودعاة تغيير ثوري علمي تقدمي جذري. قد نتفهم حزن العشيرة، وحنق المسيحي، وغضب الأقرباء والمحبين، فهذا واقع مجتمعاتنا العربية. لكن هذا الواقع المرير ذاته، هو الذي أفرز أمثال القاتل، وهو الذي دفع به نحو ارتكاب جريمته، وهو الذي جعل الكثيرين من أبناء هذا الواقع العشائري والطائفي والمذهبي يُحرِّضون على القتل بالأمس، كما جعلهم يشمَتون اليوم. يجب أن نَعِيَ ذلك جيداً. لا تقتلوا ناهض مرتين..!!

4. إن البيان الذي صدر عن رفاق الشهيد ناهض حتر وأصدقائه وأسرته بالأمس، يُعَبِّر، حقيقةً، عن حالة متقدمة ونوعية في التعاطي مع الحدث. وبالتحديد، يمكن القول، إن تسمية أربعة متهمين في جريمة اغتيال ناهض، هاني الملقي (الذي أصدر أمراً باعتقاله تضمَّن حكماً عليه بالإساءة للأديان)، سلامة حمّاد (الذي حاول اقتحام منزله بقوات مكافحة الإرهاب، واتهمه بأنه فار من وجه العدالة)، خالد أبو زيد (الذي رفض استلام الشكاوى بحق من هدد حياته، واعتبر التهديد باقتلاع قلبه ووضع مكافأة على اغتياله تهويشاً)، وعاطف السعودي (المسؤول عن حماية أمنه وأمن كل مواطن أردني، ولم يقم بواجبه)، هكذا تسمية، إنما ترفع من سقف الوعي الجماهيري والجرأة الجماهيرية بشكل لافت. لكن هذا السقف، لا يزال دون مستوى الخط الأحمر، تابو العرش، المتورط حتى أذنيه، بدماء ناهض، وجميع شهداء معركة المصير في الصراع الدائر اليوم. ومن جانب آخر، يجب إدراك أن مؤسسة العرش تلك، بكل رموزها، قد تنحني، مراوغةً، وتستخدم تلك الأسماء ككبوش فداء لضمان هيمنتها واستمرارية دورها الوظيفي. وذلك على الرغم من أننا نستبعد حدوث ذلك، خصوصاً بعد إبرام اتفاقية الغاز مع كيان العدو، التي يمكن اعتبارها من مفرزات اتفاقية وادي عربة المُهينة، ودماء ناهض لم تجف بعد. لا يجب أن ننسى، أن من قَتَلَ معاذ الكساسبة بسياساته المرتهنة لمنظومة النهب، والمُدارة من قِبَل غرفة الموك، كان أول المُعَزّين. وكما أن قاتل ناهض ليس فقط من ضغط على الزناد، فكذلك قتلة ناهض، لا يجب اختزالهم بشخوص أربعة. إن من قَتَلّ ناهض، هو منظومة متكاملة من الأدوار الوظيفية، والبنى الرجعية، التي تخدم أسيادها في لندن وتل أبيب وواشنطن. لا تُصالحوا في دم ناهض..!!

5. إن ما يزيد من حدة الألم، ولا أبالغ إذ أقول إنه يستثير الشعور بالخزي، هو غياب أي تحرك جماهيري عربي، ردّاً على جريمة الاغتيال، وتحديداً في سورية، على مستوى الشارع. التصريحات والبيانات الرسمية والحالة الإعلامية لا تفي تلك الدماء حقها. لقد دفع ناهض حتر دمه على مذبح الصراع، من أجل دماء العرب السوريين والفلسطينيين واللبنانيين والعراقيين واليمنيين التي تُسفَك في جبهات المعارك الميدانية، أو تحت قصف العدو. إن عدم التحرك العربي له مؤشرات سلبية تُدَلل على انخفاض مستوى الوعي العربي الجمعي بالتزامن مع انحراف شديد في البوصلة. ولا نذيع سرّاً حين نقول إن غالبية الشارع العربي منخرطة بهذا الدم المسفوك، إما بصمتها، أو باصطفافها في الخندق المضاد لخندق المقاومة. وعليه، لا بديل عن تصعيد الحالة الثورية الرافضة لهيمنة أدوات منظومة النهب على المجتمعات العربية، تصعيداً من شأنه أن يعيد الاعتبار للعنف الثوري والكفاح المسلح من خلال بناء خلايا ثورية عربية في مختلف الأقاليم. إن الانخراط  الحقيقي والعملي في حركة تحرر عربي ثورية لا يهدم الدول، وإنما يعيد تشكيلها ودمجها في أمة مقاومة واحدة حرة ومنتجة بدون طبقات. وهذا دم ناهض لكم، فمُدّوه جسراً يا رفاق، لِتَعبُروا…!!

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.