ناهض حتّر يقرع جرس التحذير الأخير في الوطن العربي

ليث مسعود

ليست الجريمة بحد ذاتها ما يدفع للقلق، بل حجم التهديدات التي وصلت لناهض، وحجم التأييد الذي ظهر على شبكات التواصل الاجتماعي، سواء في الأردن أو في أي بلد آخر على امتداد الوطن العربي…ناهض أخطأ في نشره لمثل هكذا كاريكاتير، مع أنه لم يكن يقصد الاستهزاء بالدين الإسلامي فلا يعقل أن يقوم شخص يحمل فكراً مقاوماً وحدوياً أن يمس في أمر قد يؤدي إلى إثارة النعرات الطائفية؛ إن الخطأ يكمن في عدم تقديره للبيئة المحيطة، وطريقة استقبالها وفهمها للأفكار المنشورة، فإذا ما نظرنا لها كما نظر لها حتر، وكما أوضح بنفسه بعد تقديم الاعتذار؛ فهي استهزاء بالعقلية التي تحصر الدين الإسلامي بكل جوانبه بشهوة الترف والجنس، وهذا توجه الـ”دعاة”، اليوم وصف الحوريات وجمالهن ولكل شيخٍ وصفه الخاص وعدده، ولا اعتراض على هذا التشويه كون الشيخ يتحدّث باسم الرسول الكريم (ص)، وكون الجهل بل الأمّية بالدين تضرب أطنابها؛ فلا يفهم من الدين سوى نشر الأدعية والصلاة إن أقيمت وصيام رمضان…اما النظرة الأخرى لمن عارضه فهي أن هذا الكاريكاتير يستهزئ بالدين الإسلامي والذات الالهية…

في حروب البلقان كانت غالبية المقاتلين من المسيحيين يمسكون بالمَسبحة لكنهم يجهلون ماهية استخدامها، أما القتال كان باسم الدفاع عن الدين!…وهذا حال المسلمين في الوطن العربي اليوم، جهل الدين والاعتماد على أي شخص يطلق اللحية ويلبس الثوب ويتحدث الفصحى لتلقي تعاليم الدين، رغم أن ميزة الدين الإسلامي كانت بإلغاء طبقة المتدينين وحصر الدين في أشخاص يتبعون وحدهم…حبذا لو تذكّر مؤيدو الجريمة تسامح رسولهم وتعاليم قرآنهم بدلا من السماع لغوغاء الـ”يوتيوب،التلفاز، شبكات التواصل من فيسبوك وغيرها”، وليس هذا فقط، ألا يتطلب منكم الحكم على شخص بالقتل والادانة أن تطلعوا على ما كان يكتب؟، صعقت عندما قرأت ما نشره أحد الأشخاص متشفياَ بمقتل “المُرتد” حتّر!!!، لكن لا بد من شكره لأن هذا يوفر دليلاً قاطعاً على شدة الجهل والتسرّع وعدم التفكير؛ بل الاعتماد على ما يُلقن…

مع الحقبة الجديدة التي نمر بها والتي رُسمت مسبقاً، استبدلت الهوية القومية بالدينية، فأصبح الدين هو هوية الشخص بدلاً من قوميته، فالمساس بالقومية أصبح أمراً لا يستدعي التحرك، أما مجرد الظن بأن هناك مساس بالدين سواء برسم او كتابة هذا كفيل بإهدار الدم!، والخطورة تكمن بأن تاريخ ناهض في المعارضة والدفاع عن الشعب العربي وحقوقه سواء برفض التطبيع، أو الوقوف مع الشعب الأردني في قضاياه، أوفي وقوفه مع المقاومة وفي صف التوعية من الخطر القادم إذا ما قسّمت سورية، لم يكن ليشفع له أمام الهوية الجديدة؛ فهي هوية يجهل حاملها ما هي رسالتها، وما هي تعاليمها، بل يحملها وينتظر تعاليم وإملاءات المُلقنين…لم يأت الدين الإسلامي على العرب ليمسح القومية العربية إنما أبقى عليها وحفظها وبقي تحت غطائها، لكن خدمة الاستعمار الجديد تتطلب قلب الأفكار والمفاهيم، إلغاء الهوية الحقيقية وبإلغاء الهوية القومية يكون إلغاء لأساس الصراع العربي الصهيوني…قُتل ناهض ولازال الحديث والتشفيّ في موته لكن هل أبصرتم صفقة الغاز؟ والأرض المسلوبة للكيان؟هل أبصرتم فتح الحدود على مدار الساعة لنقل البضائع؟…بالطبع لا فلم تعد القومية والسيادة أمراً هاماَ فالتعاليم اليوم هي فقط حصر الفكر والهوية في الدين الذي يروّج له؛ فالدين الإسلامي دافع عن القومية وحرص على الأرض والسيادة وحب الوطن.

ناهض قرع الجرس عندما سقط على أرض المحكمة في حادثة إغتيالٍ علنية يمكن أن تطال أي معارض، أو مفكر سواء في الأردن، أو في أي من أبقاع الأرض، بمجرد أن توضع شمّاعة الدين عليه يحلل دمه ولا تاريخ نضال يشفع…وهذا يمسّ مؤيدي هذه الجريمة؛ فأمثال ناهض من معارضين لمشاريع التطبيع-ومن هو مطّلع يفهم معنى التخلص من مناهضي التطبيع اليوم- والمطالبين بالوحدة العربية ضد الحرب على سورية، يدافعون عنكم لا عن أنفسهم…أعيدو قراءة الدين، والتاريخ، والتفكير في الهوية قبل كل شيء؛ فالصراع العربي الإسرائيلي ليس صراعاً دينيا،ً بل صراعٌ قوميٌ بامتياز، صراع على أرض احتلت لطمع في ثروات الوطن العربي لا لمهاجمة الأديان.

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.