جورج حبش: نظره ثاقبه

عطا مناع

لماذا رفض جورج حبش الحكيم العودة لأرض الوطن بُعيد توقيع اتفاقية أوسلو؟؟؟ هذا السؤال تداوله مفكرون فلسطينيون وعرب وهربوا باتجاه الإجابة التقليدية ألا وهي أن الحكيم لن يعود لفلسطين طالما هناك لاجئ واحد في الشتات.

كانت الإجابة الأسهل لنا جميعاً لتجنبنا التعمق في فكر الرجل الذي ربطه بالممارسة طيلة حياته المنحازة للطبقات الفلسطينية المقهوره، وكأنه بذلك اشتشرف المستقبل وأدرك بفكره المستنير حقيقة النفق المظلم الذي ينتظر شعبنا الفلسطيني.

وقتها قدر الحكيم خطورة اتفاق أوسلو وتنحى جانباً، لكن الفرق بينه وبين رفاقه الذين توافقوا معه نظرياً انه ربط ما بين النظرية والممارسه فكان له أن ترجل بالمنفى معولاً على الغالبية العظمى من أبناء شعبه بإحداث التغيير وكأنه بذلك يشيع مرحله ألثوره ويحذر من مخاطر السلطة بكل كينونتها.

رحل الحكيم ومن بعده رحلت حجارة الوادي ألكبيره ليأخذ المشهد الفلسطيني لوناً تنكر لتضحيات الشعب، لون رسخ فكرة أن الثورة كما القطة التي تأكل أولادها، وإذا اتفقنا أن الثورة ما عادت ثورة جراء التقلبات والمتغيرات التي فرضت نفسها على الشعب الفلسطيني وعلى رأسها التبعية ألاقتصاديه التي أعادت تشكيل أبجدية العمل الوطني والسياسي لصالح التبعية ألاقتصاديه كخنجر مغروس في خاصرة الشعب.

على الأرض دفع شعبنا الثمن دماً ولا زال، لكن الدماء المتدفقة في شوارع المدن والمخيمات والقرى ألفلسطينيه لن تحمي شعبنا من الخطاب الذي أصبحت له أنياب مهمتها ألمركزيه الدفاع عن القائم، هذا يفرض على النخب التي لا زالت متمسكة بمشروعها تجاوز الصدمة لصالح استيعاب الواقع الجديد الذي انقض على شعبنا سياسياً واقتصادياً وفكرياً.

لقد بات من غير المقنع حال اليسار الفلسطيني الذي بعضه حمل مصباح ديوجين يطوف في شوارع المدن يفتش عن الحكمة والمخرج وهو بذلك لا يختلف عن الحالمين من اليسار الذين أرهقوا أنفسهم بالبحث عن مصباح علاء الدين لاستخراج المارد الذي يلبي لهم طموحاتهم وأحلامهم الضائعه.

إن الاستسلام للفكر المثالي وإدارة الظهر للتفكير والتحليل المستند لتطورات الواقع لن يأتيهم بالوصفة السحرية للخروج من المأزق السياسي والاقتصادي والمجتمعي خاصة أن طرفي الانقسام يعبران عن مشروعيهما بشكل فاضح وفي الميدان مستخفين بالشعب وطموحاته بالوصول بالسفينة لشط الأمان.

هناك فسحه لمراجعة الذات واستخلاص العبر واستجداء الشعب الذي وضع الجميع في سلة واحده، فلم يعد يفرق ما بين يسار ويمين وإسلام سياسي و الذين يدورن في فلك تلك المسميات التي فقدت معناها، ولذلك نجد عدم اهتمام بما يصدر عن النخب السياسيه التي باتت تحتقر شعبها لصالح مصالحها.

مجريات الأحداث المتسارعة في شوارع المدن الفلسطينيه تفرض عليكم اتخاذ قرارات تاريخيه تتناغم مع تطلعاتكم، وقد يكون آن الأوان أن تقلبوا أرشيفكم وتستنيروا بفكر من سبقوكم ولا تنساقوا خلف الليبراليين الذي استمرؤوا اللعبة وباتت لهم مصالح وأهداف اقتصادية مع أسباب وجودكم.

إن القادم يفرض عليكم التحرك السياسي، وما يحدث في شوارع غزه ورام الله سوى بروفه للمخاطر التي تحدق بشعبكم، ماذا تنتظروا وقد بات من الممنوع أن تصدحوا بصوتكم ؟؟؟؟ لا أجد ضروره لاستحضار أحداث الأمس في رام الله وقمع من نزلوا للشارع للتعبير الذي يكفله القانون المغيب؟؟؟؟ ما حدث أمس جزء من مسلسل قمع سيتصاعد ليصل للقلب الذي بحاجة للإنعاش للحفاظ على ديمومة البقاء، لكن ما قيمة بقائكم وانتم تدركون حتمية الذوبان والاضمحلال إذا لم تعودوا لفكر مؤسسكم.

لقد أثبتت التجارب عقم المراهنة على المرحله، هذا واضح للمواطن العادي الذي أصبح في وجهة نظر أرباب المرحلة بالعاهر والحثاله، المواطن الذي يرى في الديمقراطية والانتخابات وحرية الرأي والشعار السياسي كذبة ما عادت تنطلي عليه.

عودا إلى الجبل واتركوا الغنائم لأصحابها، عودوا ولا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه، عودوا لحكيمكم وغسانكم وسعداتكم، عودوا للرجل أعلنها بوضوح انه لن يساوم فكانت أشلائه بحجم الوطن، اتركوا الغنائم لأصحابها وقولوها بكل وضوح فليكن الحصار خبزنا كفاف يومنا، عودوا قبل أن تخسروا ما تبقى من أرواحكم واطلبوا الغفران من شعبكم وجاهروا بالنقد الذاتي.

ليكن النقد لصالح تقويم الذات، نعم كان خطأ المشاركة في الانتخابات التشريعيه، وخطأ المشاركة في الانتخابات المحليه، عليكم أن تدركوا كما شعبكم أنها وصفات جاهزه وجدت لذر الرماد في العيون تمهيداً للمرحلة الجديدة التي ستنسف كل التطلعات.

تقول المثيولوجيا الإغريقية أن سيزيف خدع اله الموت ما أدى لغضب الآلة زيوس ” أب الآلة والبشر” فكان عقابه بان يحمل صخرة من أسفل الجبل إلى قمتة، وعندما يصل إلى القمة تعود الصخرة إلى أسفل الوادي فيعيد الكرة بحملها إلى القمه، وتؤكد المثيولوجيا الاغريقيه أن هذا الوضع سيستمر كرمز للعذاب الأبدي.

:::::

موقع “تمدن”

http://tamaden.org/show.art.asp?aid=533633

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.