لبنان وخطر الحصار والتجويع !!

ثريا عاصي

…بصراحة وباختصار شديد، إنّ مقاربتي لهذا الموضوع ليست من منطلق ديني… فاللبنانيّون متعدّدو الديانات والمذاهب. هذا من ناحية، أمّا من ناحية ثانية، فإنّ ما نعرفه عن آل سعود أثناء مكوثهم في البلاد الغربية أو على ظهر يخوتهم الفارهة لا يدلّ على التزام بتعاليم الرسالة المحمدية… ولكن هذا ليس شأني، فما أودّ قوله هو إنّ آل سعود يوظّفون الدين حفاظاً على نظامهم، ويضلّلون الناس ويغرونهم بواسطة الأموال التي يحتقبونها كريع، مقابل استغلال الشركات الأجنبية لمخزون النفط، أي بواسطة أموال ليست محصلة إنتاج صناعي أو زراعي… أموال ريعيّة!
هكذا أنظر إلى آل سعود… فهم تابعون لدول استعمارية، إمبريالية، لا تخفي حكوماتها عداءها للإسلام في فهم إيمانيّ، روحانيّ، بقصد بثّ أسباب الكراهية والبغضاء والتنابذ والعصبيّة في المجتمعات العربيّة التي يعيش فيها مسلمون وغير مسلمين. ولا أعتقد أنّهم يفرّقون بين الناس على أساس مذهبيّ دينيّ، وإنّما يصنّفونهم على أساس مواقفهم السياسية.
فهم لا يحبّون السنّي الذي لا يناصرهم استناداً إلى رفضه للسياسة الرجعيّة ـ العميلة التي يسيرون فيها لكي تبقى بلاد نجد والحجاز نصف مستعمرة! وهم لا يحبون الشيعي لنفس الأسباب. فلقد كانت إيران بلاداً صديقة وحليفة في عهد شاه إيران الشيعي، ثمّ تحوّلت في منظورهم إلى بلاد عدوّة بعده! ليس لأنّ الإيرانيّين انقلبوا إلى شيعة، ولكن لأنّهم انقلبوا سياسياً على الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل!
في المسألة الاقتصادية، ورغم أنّي ناشطة إعلاميّة سياسياً ولست مختصّة بالشؤون الاقتصادية، أعتقد أنّ آل سعود لعبوا دوراً كبيراً في خلخلة الأوضاع الاقتصادية في لبنان بشكل عام، وفي ضرب الموازين التي كانت تضبط إلى حدّ ما هذه الأوضاع. نجم عن ذلك من وجهة نظري اقتصاد اصطناعيّ مشوّه.
بدأ ذلك أثناء الحرب الأهلية اللبنانيّة في سبعينيات القرن الماضي، حيث تدفّقت الأموال السعوديّة على فصائل منظمة التحرير الفلسطينية من أجل إغراقها في الوحول، ومن أجل إفسادها وتعجيل انحرافها. مجمل القول، إنّ آل سعود مارسوا تأثيراً ماليّاً سلبيّاً في الحرب اللبنانية.
تمثّل هذا التأثير المالي السعودي في مرحلة ثانية بالحريريّة الماليّة والسياسيّة والعقاريّة، نجم عنه متغيّرات كبيرة في الوضع الاقتصادي اللبناني كما هو معروف. فلا حاجة للبسط والتوسّع في هذه النقطة.
في تقديري، إنّ المرحلة الحريريّة انتهت باغتيال الرئيس رفيق الحريري، الذي مهّد من وجهة نظري لمرحلة الحرب الأميركيّة على سورية وعلى المقاومة الإسلاميّة في لبنان. من نافلة القول، إنّ هذه الحرب الأميركيّة تجسّدت على الأرض بحرب إسرائيليّة ـ سعوديّة ـ تركيّة على لبنان وسورية. لا أظنّ أنّي أبالغ في قول ذلك.
ليس من حاجة لبرهان على أنّ آل سعود منخرطون إلى درجة كبيرة في الحرب الأميركيّة على سورية، وفي السياق نفسه لا يخفى على أحد أنّ العداوة بين المقاومة الإسلاميّة من جهة، وبين آل سعود من جهة أخرى، بلغت بدورها حدودها القصوى بعد التفجيرات التي وقعت في ضاحية بيروت الجنوبيّة، وتسلّل العديد من الإرهابيّين السعوديّين إلى لبنان، إعدام الشيخ السعودي المعارض لسياسة آل سعود (الشيخ نمر النمر)، انتفاضة البحرين، حرب السعوديّين على اليمن، انضمام المقاومة الإسلاميّة اللبنانيّة إلى المدافعين عن سورية. ينبني عليه، أنّه ليس مستبعداً، بل طبيعيّ أن يمارس آل سعود ضغوطاً اقتصادية على لبنان من أجل إضعاف عدوّهم اللدود، المقاومة في لبنان!
يحسن التذكير هنا بأنّ آل سعود يملكون وسائل ضغط على لبنان، في لبنان نفسه. فلا ننسى أنّ المرحلة الحريريّة أتاحت لهم الفرصة لإحكام قبضتهم، نقديّاً، على رقاب اللبنانيّين من شماله إلى جنوبه. أغلب الظنّ أنّ لديهم ودائع ماليّة ضخمة في المصارف اللبنانيّة، فضلاً عن ممتلكات مبنيّة لا حصر لها.
مجمل القول، إنّه من البديهي أنّ السعوديين يمارسون، مباشرة وبصورة غير مباشرة، بواسطة أنصارهم الذين يمسكون عمليّاً مقاليد السلطة، سياسة غايتها جلب الضرر على المقاومة الإسلاميّة في لبنان.
تجدر الملاحظة في هذا السياق، أنّ كراهية آل سعود لحزب المقاومة ليس مردّها بالقطع إلى خلافات مذهبيّة، وإنّما إلى طلب أميركي ـ إسرائيلي بضرورة محاربة هذا الحزب ومنعه من العمل!
في مجال آخر، أنا لست قلقة على الأثرياء اللبنانيّين، لا في لبنان ولا في بلاد الخليج، ولا أظن أنّ المقاومة تعتمد عليهم. إنّ الصراع ضدّ آل سعود هو صراع وطني وقومي من أجل الاستقلال والنمو والتقدم. أمّا في ما يخصّ بلاد الاغتراب اللبناني الأخرى، وتحديداً البلاد الأفريقيّة، فلقد تناقلت وسائل الإعلام أخباراً عن انتشار إسرائيليّ نشيط في البلاد الأفريقيّة المنكوبة بالحروب الاستعمارية الغربيّة، وبالحركات الإسلاميّة المشبوهة، وبضمور تأثير مصر وخراب ليبيا. من المحتمل في مثل هذه الظروف أن يتعرّض المغتربون اللبنانيّون للمنافسة ولضغوط إرهابيّة من قِبل الإسرائيليّين. ولكن، هل ينوي الإسرائيليّون طرد اللبنانيّين من بلاد الخليج والحلول مكانهم في سوق العمل والأعمال الخليجيّة؟!.. علم ربك.

:::::

“الديار”، بيروت

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.