قرأت ناهض حتر ـ حزب الله المشرقي

ثريا عاصي

وجدت كتاب ناهض حتر «حسن نصرالله وقضايا التحرر الوطني»، فكان رفيقي في الأيام القليلة الماضية. سألت في مكتبة قريبة من مكان إقامتي في لبنان، عن كتب هذا المفكر، المناضل، الذي أعدم مؤخراً في عمان أمام المحكمة التي طلبت جلبه في قضية «الإساءة للذات الإلهية» بسبب إقدامه على نشر رسم، ليس له، يهزأ واضعه من مفهومية داعش للدين وللعلاقة التي تربط بين المؤمن وخالقه… بدا لي أن سؤالي فاجأ صاحب المكتبة. قلت في نفسي من المحتمل أن يكون هذا الأخير يسارياً سابقاً!
إدّعى القضاء الأردني والحكومة الأردنية أن صلاحياتهما تشمل الدفاع عن الذات الإلهية، باستثناء فرنسا التي شارك فيها الملك الأردني، إلى جانب الإسرائيلي نتنياهو والفلسطيني محمود عباس في تظاهرة رسمية فرنسية في باريس، احتجاجاً على الهجوم الإرهابي على صحيفة فرنسية، نقلت رسوماً اعتبرت مسيئة «للذات الإلهية». من الذي إعتبرها كذلك ؟
استنادا إليه، يحق لنا أن نقول أن حكومة الملك الأردني تركت ناهض حتر دون حراسة أمام المحكمة، لأنها لم تكن ترغب في أن يمثل ناهض حتر أمام القضاء، انسجاماً مع موقف الملك في باريس، تأييداً لحرية التعبير. لعل ناهض حتر يُقتل أمام المحكمة!
أغلب الظن أن ناهض حتر الذي أُغتيل في عمان ليس ناقل الرسم، ولكن هو المعارض الوطني الأردني القومي العربي. لقد تحققت من ذلك من خلال كتاب «حسن نصر الله وقضايا التحرر الوطني».
يتتبع ناهض حتر خطاب حسن نصرالله عن قرب. يـُمَحِّصه بطريقة المثقف الباحث، ليقدم للقارئ دراسة معمقة، واضحة، وصولأ إلى خلاصات مثبتة من صلب هذا الخطاب، المتدرج شيئاً فشيئاً، إلى التعبير عن برنامج وطني قومي عربي تتبناه في الواقع الملموس المقاومة اللبنانية، وكأن عملها تقدم عن أدبيات حزبها، ولكن هذه الأدبيات تلحق بالفعل النضالي، بالضد مما نعرفه في مجال العقائد والأديان «اسمع تفرح جرب تحزن».
يذكرنا ناهض حتر في البدء بمفهومية «التشيّع» بما هو في الأصل انحياز للكادحين، بقصد  تحسين شروط عيشهم، وليس العكس الذي نراه ونلمسه في مناطق الإقطاع السياسي الشيعي. يقول الكاتب في موضوع حزب الله ان نشوء هذا الأخير كان نتيجة  ثلاثة عوامل :
ـ معاناة الكادح الشيعي اللبناني الذي كان قد وضع جميع آماله في الحركة الوطنية القومية العربية ولكن هذه الأخيرة هزمت في الحقيقة في حزيران 1967، على يد تحالف ضم الولايات المتحدة الاميركية وإسرائيل والرجعية العربية!
ـ نموذج الثورة الإيرانية، التي استمدت زَخـْما من المنهاج الشيعي. بمعنى أن التجربة الشيعية في إيران قدمت دورساً يمكن الإستفادة منها أو من بعضها، فقد لا تكون ملائمة جميعها في كل مكان وزمان، في طريقة  تأدية الواجبات الوطنية في مقابل الحصول على الحقوق الوطنية.
ـ احتلال المستعمرين الإسرائيليين، لأجزاء من لبنان، غالبية سكانها من الشيعة.
مجمل القول أن ناهض حتر يستنتج من خلال دراسته لمسيرة حزب الله، منذ نشأته إلى يومنا هذا  أن الإخلاص والصدق والإنفتاح والقبول بالمعطيات الموضوعية، مكنت جميعها هذا الأخير من تصحيح الكثير من توجهاته الأصلية التي تبين له أنها ليست مناسبة أو أنها خاطئة. استخلص الحزب ذلك على ضوء التجربة النضالية في التصدي لمقاومة الإستعمار الإسرائيلي أثناء احتلاله جزءاً من التراب الوطني ومن العبر التي تفرزها الساحة العربية السورية من خلال انحراط الحزب في معارك الدفاع عن سورية. يرى ناهض حتر أن مشاركة حزب الله في هذه المعارك تمثل «قفزة» إلى الأمام.
بكلام أكثر صراحة ووضوحاً، اكتسب حزب الله من تجاربه، الصراع ضد المستعمر الإسرائيلي في لبنان ومعارك الدفاع عن سورية، أدوات فكرية ومعرفية، مختلفة أو جديدة، عن أدواته السابقة، في المجال الوطني والقومي. يتجسد ذلك في الراهن في سلوك نهج يليق بحركة سياسية وطنية قومية، تطمح إلى تغطية «الهلال الخصيب»، لذا يروق لناهض حتر أن يضنف حزب الله في خانة الحركات السياسية المشرقية كون الهلال الخصيب مجالاً أساسياً لنشاطه.

:::::

“الديار”

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.