“لأني بدخل الكنيست غصب عني”

توفيق زياد

“لأني بدخل الكنيست غصب عني”

عادل سمارة

كتب يوم أمس الإثنين الرفيق د. سعيد دودين تقدا لمن أسميه الطابور السادس الثقافي جاء فيه:

“صديقي الأعز المأساة تكمن في طيبة الكثر من الأحبة اللذين يعتبرون اتخاذ موقف “وطني” في يوم ما مبررا للخيانة. منذ عام 2003 حذرت والرفيق العزيز الدكتور عادل سمارة من مفكر المستعمرين الصهاينة اللذي ساهم في تمزيق وحدة أكثر من مليون انسانة وانسان من شعبنا المعذب في مستعمرة العنصريين الصهاينة وكوفئ بمقعد في كنيستهم. لقد حاولت مرارا وتكرارا وحاول الرفيق عادل سمارة ايصال وجهات نظر قامات شامخة مثل الحبيب توفيق زياد وأخرون والتحذير من بناء صرح لببغاء تضليلية “

هذه الفقرة الأصيلة ذكرتني بالرفيق توفيق زيَّاد الذي رحل بسبب حادث طرق عام 1993 في مثل هذه الأيام.

توفيق زياد ابو الأمين القائل:

أناديكم/ اشد على اياديكم

أنا ما هُنت في وطني

ولا صعَّرت أكتافي

وقفت بوجه ظُلاّمي

يتيما جائعا حافي”

  نعم اعرف توفيق زياد  وخاصة في سنوات 1974-1977 أثناء عملي محررا اقتصاديا لجريدة الفجر المقدسية. عرفته نقيا متحمسا، طيبا مبتسما وحتى تلقائيا. ربما لهذه كلها كان رئيس بلدية الناصرة بلا منازع.

لا أذكر انني ناقشته في عضوية الكنيست. ربما لعدة أسباب منها، أنني لم  اراه عضو كنيست هو تحديدا كتوفيق زياد، وذلك دون أن أفكر في ذلك، أخذت الرجل كعروبي وفلسطيني وضد الاحتلال بوضوح.  وربما لأننا لم نكن قد طورنا موقفا او فهما من التطبيع. والشكر للحركة الوطنية المصرية التي انجزت موقفا من التطبيع بعد كامب ديفيد وأخذنا به. كما أن الفهم المسلوق والشكلي للماركسية-اللينينية حينها حال دون فهم نقدي ثوري للكيان الصهيوني الإشكنازي من جانبنا نحن. وهذا اقصد به نفسي اولاً، ولكي أوضح لم تكن هناك اية بلورة للعديد من المسائل منها الفهم الماركسي للاستيطان الراسمالي الأبيض وخاصة من منظور المادية االتاريخية والاقتصاد السياسي وكون هذا الاستيطان وليد إمبريالي بلا منازع وصناعة رأسمالية فكيف لماركسي ان يعترف به؟ ولم تكن هناك بلورة للموقف من مسألة التطبيع، بل  حتى نظرا للقطرية الفلسطينية الطائرة في الهواء لأننا بلا وطن، هجرنا العمق القومي العروبي، وحصرنا انفسنا في عامود فقري مكسور من وسطه (أي وطنيون –لا قوميين- وأمميين) !!! أعتقد انني شخصيا بقيت عروبي حتى حينها. لقد ساعد على هذه الخلائط والمخاليط أن المقاومة كانت في وضع صحي، وبالتالي كان الحديث عن التحرير. أضف إلى هذا أنه لم تكن هناك أنظمة عربية تعترف بالكيان علانية على الأقل.

لكن ما حفزني على كتابة هذه الكلمات إضافة إلى ذكر الرفيق سعيد دودين للراحل توفيق زياد، أن الصديقة اللماحة صابرين ذياب كتبت لي : هل قرأت ما كتبه د. سعيد دودين؟ قلت نعم.

فكتبت هي ما يلي:

“…والدي اراد ان يسميني نضال فتذمرت امي ووجدته جافا فتدخل العم ابو الامين(تقصد  توفيق زياد)  وسماني صابرين… كان صديقا حميما لوالدي وانا ايضا كنت احبه كثيرا واحببته اكثر حين سالته ليش عمو ابو الامين بتضلك سكران بالكنيست؟ قالي: لاني بدخلو غصب عني”!

لقد أجابت صابرين عن ما اريد. هذا ما كنت ابحث عنه في شخصيات الشيوعيين الحقيقيين. “لأني بدخلو غصب عني”.

وهذا  يعني أن مراجعة الموقف من الكنيست، من عضوية الكنيست ونقد ذلك الموقف أو على الأقل قرائته في سياقه ما قبل الوعي الثوري النقدي، صار ضروريا.

فلا بد من طلاق تام مع الكيان وطلاق تام مع استخذاء ووضاعة البرجوازية الكمبرادورية من المحيط إلى الخليج في اعترافها بالكيان. ومن يرفض مصطلح برجوازية وكمبرادور عليه أن يقرأ لا أن يرغي ويزبد.

لا يمكن لعلماني اشتراكي شيوعي قومي حقيقي ان يلتقي مع الكمبرادو لا في الأمور المحلية الاجتماعية الطبقية الداخلية ولا طبعا في السياسات على الصعيد القومي و/أو الدولي. فالحقيقي من هؤلاء ينتمي إلى الوطن أولا وتأصيلاً، لا إلى السلطة والإيديولوجيا التي لا تستقيم بلا قاعدة وطنية وانتماء قومي. من يريد الاستزادة، فليقرأ “البيان الشيوعي بدقة”.

وليقرأ ستالين أيضا وليقرأ انطون سعادة كذلك والحكيم، وطبعا عبد الناصر…الخ.

أختم بموقف لا زلت به أتذكر طيبة وضحكة الراحل توفيق  زياد.

أعتقلت إلى سجن رام الله من قبل الاحتلال يوم في 15 ديسمير 1967 ضمن منظمة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين  ونقلت بعدها بيومين إلى سجن التحقيق في صرفند قرب  اللد في المحتل 1948. حتى 24  كانون ثاني 1968 .  كنت في مرحاض لا يزيد من متر طول  ومتر عرض ببطانية واحدة وسخة معصوب العينين ومقيد اليدين والرجلين. وكان في الغرفة  التي المرحاض خاصتها د. اسعد عبد الرحمن حيث اعتقل   هو والراحل تيسير قبعة . وحيث لم يعترف احد من الرفاق عليهما فقد قالا انهما أتيا لإقامة اتحاد طلاب مما جعل معاملتهما اسهل. ذات ليلة جاء ضباط صهاينة وتحدثوا مع اسعد عبد الرحمن بالإنجليزية. شعرت ان الجو “ديمقراطي”  فنقرت على باب المرحاض الذي كنت فيه . فتحوا علي : فقال الضابط ماذا تريد؟ قلت بالأنجليزية اريد بطانية! رفض طبعاً.  كان معهم جندي تنظيفات إيراني اسمه جريدي قميىء الحجم. نظر إلى وجهي بصفرته مع إعياء،  ولحيتي الطويلة…الخ فقال: يلعن “د….. ” (يقصد الدين) إمك يا عرص وبتحكي انجليزي كمان” لم يتخيل أنه يمكن لشخص في هذا الدور والوضع أن يكون على أي قسط من الثقافة. ذلك لأنهم دائما يصفوننا بالوحشية. بعد أن رويتها للراحل توفيق زياد كان كلما التقينا يبادر بالضحك العالي ويحمر وجهه ويكررها.

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.