مجلس الامن: افتضاح النوايا العدوانية وإرساء التوزان الدولي

العميد د. امين محمد حطيط

كان المشهد في مجلس الامن الدولي قبل يومين بالغ الأهمية وعميق الدلالات والعبر، من خلال عجز أي من الفرقين المتصارعين على الساحة الدولية تمرير مشروعه في المجلس. وقبل ان نتوقف عند مضمون كلا المشروعين والقصد منهما فانه من الأهمية بمكان ان نتوقف عند الانقسام الدولي الحاصل في مجلس الامن بين فريق العدوان على سورية وفريق الدفاع عن نفسه وعن سورية في الميدان السوري.

لقد بدا بوضوح ان فريق العدوان على سورية و رغم كل اخفاقاته خلال السنوات الست الماضية و رغم كل ما أوقع بسورية من قتل و دمار ، مصر على المضي قدما بسياساته الاجرامية القائمة على العدوان والخداع و التمويه و تحريف الحقائق ثم الذهاب الى مجلس الامن لتشريع العدوان و تبرير الاجرام و هو نهج عرفه العالم و شكل وصمة عار على جبين الأمم المتحدة و مجلس امنها خلال ال 25 السنة الماضية الفترة التي وضعت اميركا يدها فيها على القرار الدولي و سخرت مجلس الامن لمصالحها و اتخذته أداة في اعمالها العدوانية لتي قادتها الى تدمير أفغانستان و العراق و ليبيا و أخيرا التشجيع على تدمير اليمن عبر تأييد العدوان السعودي عليه و الذي ارتكب بالأمس مجزرة من افظع ما عرف التاريخ البشري.

لقد شاء معسكر العدوان على سورية من مشروع القرار الفرنسي الذي اسقطه الفيتو الروسي ان يمنح حصانة للمسلحين والإرهابيين في شرقي حلب وان يغل اليد السورية عن تطهير المدينة وان يوازن لا بل يعطي الارجحية في التعامل لاؤلائك الارهابيين الذين يدعي التحالف الأميركي انه جاء لمحاربتهم واذ به في السلوك العملي والمواقف السياسية يعمل على حمايتهم وتعزيز قدراتهم وتثبيتهم في المواقع التي دخلوا اليها خروجا على شرعية الدولة وسيادتها. وكان منطقيا لا بل ملحا ان تتدخل روسيا بالحق الذي اعطي لها بممارسة حق الفيتو على قرار لا يؤمن العدالة والامن والسيادة الوطنية لدولة مستقلة عضو في الأمم المتحدة، كان منطقيا ان تتدخل روسيا وتسقط القرار ليكون فعلها الدبلوماسي السياسي متكاملا مع سلوكها العملي الميداني في ساحات القنال على الأرض السورية محاربة للإرهاب حربا جديا فعلية، دفاعا عن سورية وعن روسيا وعن الامن الدولي العام.

اما مشروع القرار الروسي فقد ابتغى واضعوه استكمال عملهم في الميدان بما يؤمن سلامة المدنيين واغاثتهم ومنع حصول المسلحين على مناعة تحصنهم في مواقعهم التي اغتصبوها في حلب ومنعهم من الاستمرار في اتخاذ المدنيين دروعا بشرية، بمعنى ان المشروع لو اعتمد ونفذ لكان امن في الوقت ذاته ثلاث مصالح متلازمة في سورية، مصلحة المدنيين في شرقي حلب بتامين اغاثتهم، ومصلحة المسلحين بتامين سلامتهم البدنية الشخصية ومصلحة الامن السوري بأقفال ملف شرقي حلب بدون إراقة دماء. انه مشروع قرار يؤكد واضعوه بالفعل حرصهم على الانسان والامن العام على حد سواء ويؤكد الجدية في محاربة الإرهاب وانهاء الازمة السورية. ولهذا كان منتظرا من معسكر العدوان على سورية ان يقف ضد هذا المشروع الذي يتعارض مع أهدافه العدوانية وان يسقط المشروع لأنه لا يريد انهاء الازمة استجابة للقرار الأميركي بإطالة امد الصراع وهو قرار يبدو ان معسكر العدوان متمسك به لأنه عجز عن تحقيق الانتصار في سورية.

لقد أسفر الصراع الدبلوماسي في مجلس الامن والذي هو امتداد لما يجري في الميدان السوري أسفر عن إرساء عناصر جديدة في المشهد الدولي وأبرز من الدلالات والعبر ما يمكن الوقوف عنده والبناء عليه مستقبلا كالتالي:

1.  تحقق التوزان السلبي او التعادل الدولي السلبي في مجلس الامن من حيث عدم القدرة على فرض القرار دون ان يصل هذا التعادل الى تعادل في احجام الفريقين المتصارعين، حيث ان فريق العدوان على سورية او الفريق الاستعماري الساعي للهيمنة والتسلط على العالم لا زال يملك الأغلبية العددية في مجلس الامن وهذا ما يخشى منه على امن العالم وسيادة دول.

2.  خسر فريق العدوان على سورية مجلس الامن كأداة من ادوات العدوان على الشعوب، بسبب الجرأة والصلابة والشجاعة الروسية وهذا الامر يحمل مسؤولية كبرى للدول والشعوب التي تريد ان تحفظ استقلالها وسيادتها وتدافع عن نفسها بوجه المد الاستعماري والغطرسة الغربية بقيادة أميركية، وهي مسؤولية الوقوف الى جانب روسيا لتحصين موقعها ومنع فريق العدوان الاستعماري من النيل منها واسقاطها.

3.  لا يمكن التعويل على يقظة ضمير او مراجعة ذاتية يقوم بها معسكر العدوان على سورية لوقف عدوانه وانهاء الازمة السورية بل ان هذه الازمة لا تكتب نهايتها الا بعمل مركب من جهد ميداني وعمل سياسي متوازيين، يكون في الأول الصمود واستكمال تحرير الأرض السورية من الإرهاب وفي الثاني هبة شعبية سورية مزدوجة الاتجاهات في الميدان رفضا للإرهابيين وفي السياسة استجابة للمصلحة الوطنية واللقاء في حوار وطني يحصن الدولة ويرسي قواعد العدالة فيها من غير الالتفات الى مصالح الغير على الأرض السورية.

4.  ان تباكي معسكر العدوان على حلب هو كذبة ونفاق ، فما قدمته سورية و حلفاؤها من ضمانات لأنهاء ازمة حلب كافي و يفيض عن الحاجة ، حتى و ان ما عرضه دي مستورا من خطة اخراج المسلحين ووافقت عليه سورية و روسيا كاف بحد ذاته لأنهاء المأساة ، لكن معسكر العدوان لا يبكي على حلب انما يبكي على هزيمته فيها و يبكي على مصالحه العدوانية التي عجز عن تحقيقها في حلب ، فليس البكاء الغربي على حلب و انسانها و الكل يعلم ان حلب هي ضحية الإرهاب و العدوان الذي قاده من استعمل الفيتو ضد مشروع القرار الروسي، و لو كان هؤلاء صادقين في حرصهم على الانسان لاتخذوا موقفا من المجزرة الوحشية التي ارتكبتها السعودية و بسلاح و توجيه أميركي قصفت به مجلس عزاء في اليمن مجزرة ذهب ضحيتها اكثر من 800 قتيل و جريح في 10دقائق . لكنهم سكتوا عن المجزرة في اليمن لانها صنعت بأيدي ادواتهم العدوانية وتخدم مصالحهم الاستعمارية، ثم يتباكون كذبا ونفاقا على حلب من اجل تلك المصالح ذاتها…لكن الغرب الاستعماري يتباكى على قتل افتراضي في حلب و يصفق و يؤيد مجازر حقيقية في اليمن .

:::::

“الثورة”، دمشق

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.