“اوسلوستان” وحديث الخلافة

عبد اللطيف مهنا

لم يفتتح الصهيوني الصحفي ايهود يعاري في قناة التلفزة الصهيونية الثانية الحفلة التنكُّرية المتعلقة بحديث الخلافة، كما يتبدى من ردود فعل إعلامية فلسطينية وعربية استثارتها طروحاته. حديثها كان سابقاً عليه ومنذ أمد. هو لم يزد على أن اذكى فتائله بترشيحاته لمن يرى أنهم من الممكن والمحتمل أن يرثوا تركة أبي مازن في حال أزوف غيابه، لكنما تلقُف منابر إعلامية صهيونية للأمر من بعده كان حرياً، وكالعادة، لأن تمتد شرارة ما تلوكه في الساحتين الفلسطينية وبعض العربية، أو لدى أولئك الذين يهمهم أمر ذاك الملاك فيهما.
قلنا تنكُّرية، لأن مسألة خلافة أبي مازن في “المقاطعة” مسألة مزمنة ترافق ثمانيناته وتتواصل مع تقدمه فيها، وعلى جنباتها تثار عادةً المراد إثارتها وغير المراد من التكهُّنات، كما تطلق البالونات الاختبارية ويتم جسُّ النبض ويردفهما احياناً توجيه الرسائل، أو تطرح الأسماء بغية تسويقها أو حرقها، وقد يسهم هو بنفسه في إثارتها وباعثه التذكير بمقولة قديمة رددها بعض الفلسطينيين زمن ابي عمار، وتعاد الآن، تقول: إنه، وفي ظل الموجود، ومزري الحال في خرائب “اوسلوستان” الدارسة، فإن الرجل يظل بمثابة “شر لابد منه”، بمعنى أمرين:
إنه ليس هناك من اوسلوستاني واحد يمكنه ملء فراغه من بين معشر البدلاء والمتنافسين الكثر وغير المُقْنعين، لجهة القدرة على جمع شتات العشائر الأوسلوستانية (الفتحاوية) المتناحرة من ناحية، والمضي بعناده المعهود في القيام بالدور الوظيفي للسلطة في ظل الاحتلال، أو هذا “المقدَّس” وفق توصيفه، أي مواصلة التعاون الأمني ومحاولة وئد الانتفاضات وكبح جماح المقاومة، والذي هو عنده الضمانة الوحيدة لبقاء السلطة صهيونياً من ناحية أخرى.
…وخلاصته، موالاة التلويح لغير الفلسطينيين: إما أنا أو الخراب، انطلاقاً من حقيقة ثانية، وهى، أنه وبغض النظر عن دائم الكلام الصهيوني الاستهلاكي والابتزازي حول الشريك وانعدامهً، فإن السلطة البلا سلطة في ظل احتلال ودورها الوظيفي المشار إليه، إلى جانب تواصل تمسُّكها بنهجها التفريطي التصفوي إياه، والذي يعطي التغطية الكاملة ويتكفل بالوقت الكافي للصهاينة لاستكمال ما يلزم من المخططات التي تتطلبها استراتيجية التهويد، هي مكسب صهيوني بحت وكارثة فلسطينية بكل ما للكلمة من معنى، وعليه، يتوجب المحافظة عليها.
لذا فالصهاينة أولاً، والغرب ثانياً، وعرب التصفية والتخلي عن القضية القومية ما بينهما ومعهما ثالثاً، لن يسمحوا بانهيار السلطة ولا بزوال دورها، إذ، وهم مع ابي مازن ما دام حيا لانعدام بديله ولا من غيره يضمنون أن يعطيهم أكثر منه حتى الآن، هم أكثر المعنيين بخلق هذا البديل، وحتى استنساخه، ومن هنا تحتدم التحضيرات للحفلة التنكرية التي اشرنا إليها، والتي اثارتها القناة الصهيونية الثانية في آخر طبعاتها وتلقفها من يهمهم الأمر بعدها.
مرشحو ايعاري لخلافة أبي مازن ثلاثة يراهم الأنسب والأقدر على حمل بليتها، وهم محمد دحلان ومروان البرغوثي وناصر القدوة. الأول، هو المفضَّل عند الصهاينة والغرب وعربهم، والثاني، هو الذي يستحضر عادة من معتقله فقط للحؤول دون الأول والخلافة، أما الثالث، فالمستجد الذي يقول ايعاري أن “الرباعية العربية” قد طلبت من ابي مازن إنه أما وقد رفض استخلاف دحلانها فإنها ترى والحالة هذه أن عليه أن يستخلف ناصر القدوة.
هناك جملة حقائق مدركة ولا تغب عن اطراف اللاعبين في ساحة الخلافة الأوسلوية، أولاها، أن أبا مازن، وحتى اللحظة، لا يرى بديلاً لأبي مازن غير أبي مازن وحتى يقضي الله أمراً كان مفعولا، وإنه ما دام لم يغب فلا من مشكلة لدى أحد من هؤلاء في ذلك ولا منهم من يستعجل غيابه، بل يتخوفونه ولا يريدونه ويتحوطون إليه، وفي مقدمتهم رافضه شريكاً في سلامه وقابله شريكاً في التعاون الأمني معه، نتنياهو… هو يدرك أن هذه هي نقطة قوته وفيها وحدها يكمن سر ابقائهم حتى الآن عليه.
وثانيهما، أن دحلان، خصمه اللدود (فتحاوياً) ومنافسه المزايد عليه (اوسلوياً)، هو مرفوض منه ثلاثاً ومن المحيطين به قطعاً، ولدرجة الاستعداد للذهاب للمؤتمر السابع ل”فتح السلطة” لشرعنة اقصائه تنظيمياً والحؤول دون عودته، وشرعنة خلافة القدوة  لأبي مازن انتخابياً بحيث يتعدى هذا الاستخلاف تلقائياً السلطة لينسحب على منظمة التحرير أيضاً، أو سائر رئاساته المتعددة والعامة والطامة. ثم أن مسألة طي صفحة الانتخابات المحلية إلى حين قد لا تخلو بواعثاً من خشية فوز مريدي دحلان هنا أو هناك، ولعل أبو مازن اليوم يستحضر أكثر من غيره سابقة فرض استخلافه على ابي عمار، والتي كان دحلان إلى جانبه ابان تهيئتها، وشاركت فيها في حينه كافة الأطراف المعنية اليوم بموضوع خلافته.
وثالثهما، ن مقترحو استخلاف القدوة يرمون إلى ما يبيِّتونه، أنه، أما وأن البرغوثي الأقوى يرسف في أغلاله في معتقلات الاحتلال، فما الضرر من الأضعف جسراً لتبوِّء دحلان لهذه الخلافة لاحقاً.
كل حديث خلافة أبي مازن اذ يعني اطرافه، فهو لا يعني الفلسطينيين إلا بقدر ما يرمز إليه من عار المرحلة والأذى البالغ والإضرار المشين اللذين ألحقتهما أوسلو بالقضية…ما يعني هذه الأطراف وكل ما يهمها ليس سوى البحث عن سبل لتمديد عمر “أوسلوستان” وتفادي انهيارها بغياب سادن كارثتها وحارسها المصرُّ على تواصل اندياح تداعياتها التصفوية المدمرة.

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.