الهوية القطرية والهوية الوطنية ووحدة الأمة

المبادرة الوطنية الأردنية

10/10/2016

الهوية:

يمكن تعريف الهوية بشكل عام بأنها الثابت والمشترك بين مجموعات بشرية او بين أشياء او أحكام في بنية المجتمع الواحد، مقابل التمايز مع مجموعات بشرية أو أشياء أو أحكام  أخرى في بنية مجتمع آخر، هي ثابتة ومشتركة في مراحل محددة وأزمنة محددة، ولكنها متغيرة عبر مراحل تطور المجتمع المختلفة، وتطور التشكيلة الاقتصادية – الاجتماعية الخاصة به، وشكلها الأرقى الذي يفرض عملية التمايز المجتمعي، بناءً على تقسيم العمل بداخله، فيتمايز المجتمع نتيجة تقسيم العمل إلى طبقات وشرائح، تتكامل وتتمايز، تتصارع وتتنافس، بناءً على موقعها في الإنتاج، لتشكل الهوية الوطنية الموحدة المنتجة.

في المجتمعات التي أنجزت مهمات الثورة الوطنية البرجوازية – المنظومة الرأسمالية – وحققت الانتقال من الإقطاعية إلى الرأسمالية، فتحت الآفاق أمام تطور قوى الإنتاج ، انتقل المجتمع من الهويات الماقبل الرأسمالية الفرعية – المجاميع: القبلية العشائرية، الإثنية، الطائفية، المذهبية، الإقليمية – إلى هوية الأمة القومية الموحدة، هوية محددة بمعطيات النظام الجديد السائد، النظام الرأسمالي القومي. ومع الانتقال إلى النظام الرأسمالي المعولم، حدث تحول في تشكل هويات، غير تلك الهويات التي كانت سائدة، وفي العقود القليلة الماضية، ومع الانتقال إلى الرأسمالية المضاربة، بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، ظهرت هويات أخرى سواء عبر إعادة إنتاج هويات كانت قد إختفت، أو بناء هويات لم تكن موجودة أصلاً، مثلاً الهوية الأوروبية الجديدة، أو هويات معاد إنتاجها، كما هي حال الهويات الناجمة عن تفكيك جمهورية يوغسلافيا، وجمهوريات الاتحاد السوفياتي، ودول المعسكر الاشتراكي السابق، وهويات ناتجة عن تفكيك دول وأمم سابقاً، كثير من الهويات التي تم تصنيعها في القارة الأفريقية مثلاً، و الهوية الباكستانية الناجمة عن تفكيكها عن الهوية الهندية، والتي استندت إلى الموروث الديني في تشكّلها، ومن ثم الهوية البنجلادشية الناجمة عن تفكيك عن الهوية الباكستانية ذاتها…الخ وبناء هوية إسرائيلية استندت إلى هوية دينية.

على الصعيد العربي، بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وإلغاء الهوية العثمانية، تم تصنيع هويات التقسيم القطرية، هويات أقطار سايكس – بيكو، هويات تخدم إبقاء هذه المجتمعات والدول في مرحلة التشكيلة الاجتماعية – الاقتصادية  الماقبل الرأسمالية، تشكيلة المجاميع البدائية: القبلية والإثنية والطائفية والمذهبية، لخدمة مشروع الهيمنة – هيمنة المركز – القائم على نهب واستغلال ثروات ومقدرات وإمكانات الأمة.

تشكُل الهوية الوطنية المنتجة، مرتبط مباشرة بإنجاز مهمات الثورة الوطنية الديمقراطية، التي تفتح الآفاق أمام تطور قوى الانتاج الوطني، وتفسح المجال أمام عملية إدماج المجاميع الماقبل رأسمالية، والهويات الفرعية في هوية وطنية منتجة موحدة.

 

تتشكل “هوية الأمة” نتيجة دمج الهويات الوطنية المنجزة، في الواقع العربي القائم، بعدما يتم تخطي واقع المجتمع البدائي المتخلف، إلى المجتمع المنتج الحديث.

 

مدخل للحوار:

التفريق بين مفهومين: الهوية القطرية والهوية الوطنية، والتميز بينهما، شرط مسبق من أجل الدخول في حوار علمي موضوعي حول مسألة ما تزال ملتبسة وعصبوية وعصابية عند الكثير من النخب والمهتمين العرب.

1.   الهوية القطرية: هي تعبير عن تجميع هويات فرعية، هويات المجاميع الماقبل الرأسمالية، المجاميع البدائية: القبلية والإثنية والطائفية والمذهبية والإقليمية، لتتعايش مع بعضها البعض ضمن مساحة جغرافية – دولة – بحدود مفروضة بفعل قانون الهيمنة – التبعية، تبعية المحيط وهيمنة المركز الرأسمالي العالمي، ويتم ضمان استمرار هويات المجاميع لتتعايش فيما بينها بفعل القوة، في الوقت الذي لا يسمح لها بالاندماج فيما بينها.

2.   الهوية الوطنية: هي تعبير ونتاج مجتمع حديث منتج، وتتشكل – الهوية الوطنية – بفعل إنجاز مهمات الثورة الوطنية الديمقراطية : كسر التبعية وفتح الأفاق أمام تطور قوى الإنتاج الوطني، أي إحداث التنمية الوطنية المتمحورة حول الذات الوطنية، التي تشكل القاعدة المادية والشرط الرئيس لدمج المجاميع في مجتمع موحد وهوية وطنية واحدة، أي تحقيق مهمة الإندماج بين المجاميع لكي يتشكل المجتمع الموحد المنتج، والهوية الوطنية الموحدة.

ما زال النقاش حول الهوية يدور حول المفهوم العام، حيث تنخرط مجموعات “مسيّسة” في هذا النقاش من منطلقات مختلفة:

مجموعة تنطلق من منظار رومنسي للهوية يستند إلى مقولة الشعور المشترك واللغة والدين،

وأخرى تنطلق من مفهوم العصبة أو العصوبوية الدم والسلالة،

ومجموعة ثالثة تستند إلى مفاهيم أكاديمية بحته، أي تستند إلى قوالب من نماذج إجتماعية سائدة موصوفة بمنظومة محددة مسبقاً، بشكلها الأوروبي.

في المقابل هناك مجموعة محددة تنطلق من فهم صيرورة تشكل الهوية في سياق تطور موضوعي في الواقع، أي فهم تشكل الهوية في سياق تطور التشكيلة الاقتصادية – الاجتماعية، ودرجة تطورها، في مرحلة تاريخية محددة، كون الهوية منتجاً اجتماعياً يتطور مع تطور المجتمع ذاته، وليس شكلاً ثابتاً ولا معطىً ثابتاً.

يتركز  الحوار السائد اليوم، وفي معظمه بين النخب بشكلٍ أساسي، حول الهوية على بعدها النظري الأكاديمي المثالي، أي حول المفاهيم والمصطلحات، وليس في سياق تطورها الطبيعي، وضمن شروط نمط الإنتاج المحدد، ودرجة تطور التشكيلة الاقتصادية – الاجتماعية، لمجتمع بذاته.

أهمية الحوار حول هذا الموضوع، بعيداً عن التخندق والتعصب والأوهام الموروثة، يجب أن يتم على أرضية منهج التحليل العلمي، وبما يخدم الهدف من طرحه، بحيث يأخذ بنظر الإعتبار أهمية ووظيفة هذا الحوار في سياق المشروع الوطني ذاته:

مفهوم الهوية في سياق مشروع النضال، بل هو موضوع نضال في سياق مشروع،

وليس موضوع توافق أو اختلاف حول المصطلح والعنوان.

 

الهوية ضمن مشروع التحرر الوطني،

 

مهمة مشروع التحرر الوطني الرئيس، هي إنجاز مهمات الثورة الوطنية الديمقراطية، من أجل:

  • فتح الآفاق أمام التطور الطبيعي للمجتمع، أي كسر القيود والمعوقات أمام تطور قوى الإنتاج الوطني، وتحقيق التحول نحو الإنتاج على كافة الصعد: الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والروحية…الخ.
  • دمج المجاميع الماقبل الرأسمالية، المجاميع البدائية: قبلية، عشائرية، إثنية، مذهبية طائفية، إقليمية…الخ في مجتمع موحد ومنتج، وهوية اجتماعية واحدة منتجة، من خلال كسر التبعية للمركز الرأسمالي المهيمن، وتحقيق التنمية الوطنية المتمحورة حول الذات الوطنية.

بالمقابل يعمل المركز الرأسمالي وعلى كافة المستويات والصعد: الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والروحية، من أجل ضمان استمرار التبعية، على الحفاظ على بنية وهوية قطرية،بصفتها البنية السلبية الخانعة والمتناحرة فيما بينها، والقابلة بلا حدود للاستغلال، وغير مستعدة للمقاومة، مما يضمن استمرار هيمنة المركز على مجتمع مستهلك تتعايش مجاميع الماقبل الرأسمالية بداخله بتوتر دائم.

 

نظرة إلى الهوية في الواقع الأردني:

 

بحسب وعد بلفور، كانت جغرافيا شرق نهر الأردن مع جغرافيا غربه، تشكل الوطن القومي الموعود لليهود، ونتيجة لتبلور وعي لاحق للوعد، لدى الدولة الاستعمارية البريطانية آنذاك، تم استثناء شرق النهر من هذا الوعد عام 1920 ، وتقرر تشكيل إمارة شرق الأردن بعد عام، 1921، لخدمة إنفاذ مشروع ” سايكس – بيكو” تقسيم المشرق العربي، باعتماد قانون عزل الثروة عن الكثافة السكانية، إلى مناطق نفوذ واستغلال بين قطبي الرأسمالية القومية أنذاك: البريطانية والفرنسية، وتهيئة منطقة شرق النهر لتكون الحاضنة لعمليات التهجير القسري المبرمج للشعب الفلسطيني، من جهة، ومن جهة ثانية حاضنة لإستقبال لاجئين آخرين من دول المشرق العربي، حال إنفاذ مخطط  التشظي والانفجار، المخطط له مسبقاً في هذه المنطقة ( مشروع فرساي) وهي الحالة التي نعيشها اليوم، ومن هنا نستطيع فهم السبب الحقيقي الذي، كان وما زال، يقف خلف منهج إبقاء التشكيلة الاقتصادية – الاجتماعية الأردنية بدائية، وسمة سائدة عبر كل هذه العقود، أي منع تشكل المجتمع الحديث المنتج، ويستمر الخطاب الرسمي الأردني بمخاطبة الأردنيين “من كافة المنابت والأصول” بمعنى مجاميع وليس مجتمع.  

كان المجتمع في تلك المرحلة – قبل تشكل الإمارة ولعدة عقود لاحقة –  ينقسم إلى مجموعتين رئيستين:

  • مجموعة البدو التي تعتمد، الرعي والغزو نمط إنتاج، وهي الأقلية.
  • مقابل، مجموعة فلاحين وحضر، وهم الأغلبية، تعتمد، أنماط إنتاج بدائية، الزراعة والتجارة والحرف اليدوية.

وكانت البنية العشائرية هي المهيمنة على مجموعتين، العشائر البدوية والعشائر الفلاحية، وسادت علاقة التوتر والحروب والغزو فيما بينها، إنه المجتمع الماقبل الرأسمالي.

 

المرحلة الثانية:

فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ، وخصوصاً بعد ضم ما تبقى من فلسطين  ” الضفة الغربية” وتأسيس المملكة الأردنية الهاشمية، نشأ شكل مجاميع جديدة، مجموعة من اللاجئين شرق النهر، لا تنتمي لأي من المجموعتين السابقتين، ومدن وقرى غرب النهر مدنية وفلاحية. خلال فترة قصيرة تمكنت القوى الوطنية الأردنية، التي تشكلت إثر اندماج التشكيلات السياسية والأيديولوجية المتماثلة في الضفتين، من بناء الأطر الجماهيرية: العمالية والفلاحية والنسائية والطلابية والشبيبية، والأندية الثقافية والرياضية والاجتماعية، التي ساهمت في اندماج المجاميع، إلى حدٍ ما ولو ظاهرياً، كما وساهمت مؤسسات الدولة المختلفة ، وخاصة الأمنية: الجيش الأمن المخابرات في عملية الاندماج هذه.

 

المرحلة الثالثة:

مرحلة ما بعد أيلول عام 1970 حيث ظهر الشرخ الإقليمي وتعمق على مدى عقدين، كشرخ رئيس، مقابل تضاؤل أشكال الشروخ السابقة.

المرحلة الرابعة:

مرحلة الخصخصة، ما بعد إنفاذ “توافقات واشنطن ” ورفع يد الدولة عن رعاية المجتمع، والتي كانت بالأساس في الحدود الدنيا ، فعادت حروب المجاميع البدائية العشائرية إلى الظهور في المدن والقرى والجامعات، بالإضافة التي تفسخ العلاقات والعادات الاجتماعية وانفلاتها، وتفتيت نسيج المجتمع وتخلخل مؤسسات الدولة.

بسبب التبعية بقيت الهوية القطرية سمة المجتمع السائدة، طيلة عمر الدولة الأردنية، الإمارة والمملكة، سمة المجاميع الماقبل الرأسمالية : العشائرية والإقليمية والطائفية والجهوية والإثنية، سمة الهوية القطرية، هوية تجميع وليس دمج، تجميع هويات المجاميع الماقبل الرأسمالية.

بسبب قانون التبعية فرض ما يسمى بالهوية القطرية على الأردن، وكافة الدول العربية الأخرى،باستثناء مصر،  أي هوية المجاميع الماقبل الرأسمالية، نتيجة لحجز تطورها الطبيعي ، حجز التنمية الوطنية المتمحورة حول الذات الوطنية في هذه المنطقة، وإبقائها دول ومجتمعات مستهلكة.

أحد المهمات الرئيسة لحركة التحرر الوطني: إحداث “الإندماج المجتمعي” ادماج المجاميع الماقبل الرأسمالية لتشكيل المجتمع المنتج الحديث، والهوية الوطنية المنتجة.

الاندماج الوطني، هي الخطوة الأولى والشرط الرئيس، لتحقيق هدف وحدة الأمة العربية، عبر اندماج مكوناتها بعد نضوج شروطها، فتجربة الوحدة المصرية السورية وانهيارها في قمة النهوض ” القومي” مثالاً، وانفراط العقد الإجتماعي في العراق، والعودة إلى المجاميع الماقبل الرأسمالية، بعد الغزو الأمريكي مثالاً، والحالة السورية القائمة الآن، إلى حد ما، بعد الهجمة الإرهابية التابعة، وتقسيم السودان مثالاً آخر، وتفكيك ليبيا مثالاً، وتفخيخ اليمن وتفتيت الصومال، …الخ.

الوعي بعملية تزييف الوعي التي تمت طيلة الفترة السابقة، بخصوص خلق تماهي وهمي بين الهوية القطرية والهوية الوطنية:

الهوية القطرية، هي حاصل تجميع هويات المجاميع الماقبل رأسمالية،

الهوية الوطنية، هي حاصل إدماج هذه المجاميع في مجتمع موحد منتج حديث.

 

خلاصة

 

وجوب التمييز بين الهوية القطرية والهوية الوطنية في المضمون والصيرورة.

بناء الهوية الوطنية يشترط إنجاز مهمات الثورة الوطنية الديمقراطية.

الهوية القطرية هي حاصل تجميع هويات مجاميع الماقبل الرأسمالية البدائية ؟؟ ضمن حدود الجغرافيا، بحكم معادلة الهيمنة – التبعية.

وحدة الأمة، نتاج بناء الهويات الوطنية، ولاحقاً لها.

المعضلة القائمة تتمثل في  حالة العصاب السائدة بين صفوف ” النخب” في مناقشة موضوع الهوية، حيث يجري النقاش على أرضية استقطاب وهمي وساذج ، بين الهوية القطرية والهوية ” القومية ” استقطاب تزييف الوعي.

 الاستقطاب الحقيقي يجب أن يتم بين بناء “الهوية الوطنية الحديثة المنتجة” مقابل “الهوية القطرية” البدائية الماقبل الرأسمالية.

 مهمة بناء الهوية الوطنية المنتجة، خطوة أولى شرطية، من أجل وحدة الأمة وبناء الهوية العروبية الموحدة الجامعة، وهي مهمة رئيسة من مهمات مرحلة التحرر الوطني العربي.

شرط بناء هوية الأمة الموحدة المنتجة، يتمثل في إنفاذ مشروع التحرر الوطني العربي، وبناء الحامل الإجتماعي لهذا المشروع، وتحديداً من الشرائح الوطنية الكادحة والمنتجة.

إنجاز مهمة بناء الهوية الوطنية المنتجة وهوية الأمة، يشترط بناء أطر حقيقية ممثلة للشرائح الوطنية الكادحة والمنتجة: العمالية والفلاحية والصناعية والاتحادات الجماهيرية والأندية … الخ، وتحرير ما وجد منها في قبضة قوى التبعية المحلية، وتفعيلها في مجرى النضال اليومي، لكي تشكل الحامل الاجتماعي لمشروع التحرر الوطني، وبناء الهوية الوطنية المنتجة مقدمة لبناء هوية الأمة الموحدة المنتجة.

إحترام قوانين الصراع العلمي، وفي مقدمتها قانون التراكم وفي كافة المجالات: النضالية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

إنجاز الهوية الوطنية المنتجة مقدمة شرطية لإنجاز وحدة الأمة.

” كلكم للوطن والوطن لكم”

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.