تركيا امام الخيارات الاستراتيجية الجذرية :نجاة او انتحار ؟

العميد د. امين محمد حطيط

مع اندلاع الحريق العربي قبل سنوات ست ظهر لتركيا دور مركزي فيه قد لا يكون في التخطيط ولكن كان في التنفيذ والاستثمار بشكل واضح وأكيد وتصدت تركيا معتمدة على الإخوان المسلمين، وعاملة بتوجيه والتزام بالخطة الأميركية لإقامة الشرق الأوسط الأميركي الجديد الذي يطيح بمحور المقاومة ويضمن وجود إسرائيل وامنها ويحول المنطقة إلى مستعمرة أميركية بإدارة تركية عامودها الفقري في السلطة الإخوان المسلمون. ومن اجل هذا أطاحت تركيا بكل التفاهمات والتعهدات الاستراتيجية حيال سورية وبرزت كعدو رئيسي للدولة السورية بكل ما يتصل بها…لكن لم تنجح.

ومع فشل المشروع العدواني الأول الذي قاده اردغان ضد سورية بدأ التخبط التركي والذي بدا في بعض مراحله جنون يقترب من الانتحار كما حصل يوم اعتدى الطيران الحربي التركي على طائرة روسية فوق روسيا وأسقطها ما أدى إلى إعصار غضب روسي تسبب بعظيم الخسائر والمصائب التي لحقت بتركيا، خسائر لم تتوقف ألا بعد ان اعتذر اردغان واعترف بخطئه وتعهد بعدم التكرار.

ولكن اردغان لم يعمم تراجعه عن السلوك الخاطئ حيال كل الأطراف، حيث استمر في رعاية الإرهاب ضد سورية والعراق ثم تصرف حيال العراق بشكل عدواني مباشر وأرسل جنده إلى بعشيقة ومارس احتلالا فيها لم يتراجع عنه رغم كل الرفض العراقي والمطالبة له بالخروج، واتبع ذلك بمسرحية في سورية ادعى فيها انه يقاتل داعش ويبعدها عن حدوده مع سورية في حين يعلم الجميع ان داعش لا تقوى على البقاء والاستمرار ان أغلقت تركيا الحدود بوجهها.

لقد مارس اردغان العدوان الموصوف ضد العراق وسورية ممنيا النفس بموقع استراتيجي مميز في الخارطة الإقليمية والدولية وبعضوية قوية في الاتحاد الروبي لكنه فشل في كل ذلك وصدت الابواب الأوربية بوجهه فلجأ إلى سياسة الابتزاز بملف النازحين السورية فرد عليه الغرب بانقلاب دعمته أميركا وكاد ان يطيح به لو لم تتراجع أميركا عن دعمه في لساعات الأولى وتمكنه من العودة للامساك بالوضع والانتقام من الانقلابين وإطلاق عهد الاردغانية الإخوانية الإسلامية ليحل محل عهد الاتاتوركية العلمانية.

لقد كان الانقلاب العسكري التركي الفاشل  درسا قاسيا لا ردغان وضعه أمام حقائق كبرى و فرض عليه مراجعة للمواقف الخاطئة التي اتخذها حتى أوصلته إلى ما وصل اليه من درك اسفل إقليما و دوليا و بدا للفرقاء المعنيين بالمنطقة على الصعيد الإقليمي و الدولي ان مساعدة اردغان على مراجعة سياسته و تصحيحها فيه مصلحة لأمن الإقليم و لتركيا على حد سواء ، و من هنا نفهم كيف ان ايران لم تقطع العلاقة بتركيا رغم كل حماقاتها و عدوانها على سورية و العراق و محور المقاومة و رعايتها للإرهاب ، و كيف ان روسيا لم تتأخر في قبول ترميم علاقاتها بتركيا ما ان أبدت الأخيرة استعدادا للتراجع عن السياسة العدوانية الحمقاء تجاهها ، حتى ان الرئيس الأسد و رغم كل الفظاعات التي ارتكبتها تركيا اردغان ضد سورية و لا زالت ، ابدى موقفا مرنا من العلاقات التركية الروسية المستجدة فنظر إلى التقارب بصورة إيجابية و تمنى ان يثمر ذلك إلى ما فيه مصلحة امن المنطقة .

وعلى هذا الأساس فإننا نرى ان تركية اليوم أمام فرصة مهمة لإصلاح علاقتها بالجوار بدءا بسورية والعراق والتوقف عن تبني مشروع الاخوان الفاشل والاجرامي والذي يخدم في النهاية مصالح الغرب ويصب في طاحونة المشروع الصهيواميركي وبهذه المراجعة تصلح علاقتها مع مصر وتصلح علاقتها مع المثلث السوري العراقي المصري ما يعني بناء علاقة متينة مع العرب لان هذا المثلث هو الصلب والأساس في المشهد العربي.

و اذا عطفنا هذا على المستجد من علاقة مع روسيا و المستقر المنفتح على التطوير في العلاقة مع ايران لاستطعنا ان نقول ان امام تركيا فرصة تاريخية لإعادة ترميم موقعها الاستراتيجي العام في العالم و الانتقال من وظيفة الشرطي الاطلسي على البوابة الشرقية لأروبا و الذي يمارس العدوان و انتهاك حقوق الجوار ، إلى موقع الركن الهام في مجموعة استراتيجية مشرقية متعددة القوميات ذات عمق إسلامي متعدد المذاهب و عمق مسيحي منفتح على بقية الأديان و هنا تكون تركيا كسبت نفسها و تصالحت مع المحيط بعد نفسها  و انتقلت من موقع الأداة في المشروع الاستعماري الغربي الصهيواميركي الذي يرمي الى تدمير المنطقة و منع نهوضها إلى موقع الشريك في بناء نظام إقليمي و دولي متوازن يحفظ حقوق الذات و الغير و تكون شريكا في المشروع التحرري الذي يطمح الى إقامة منطقة سيدة متطورة منفتحة على العالم و تركيا في صلبها و أساسها .

وإذا كان اردغان المختص والمتميز في السنوات الست الأخيرة بارتكاب الفظاعات العدوانية وبصورة خاصة ضد سورية والعراق، والذي فاز بجدارة بجائزة الغدر والغرور والتكبر الفارغ، إذا كان لازال يذكر شيئا من القران فأننا نذكره بان الله الهم النفس فجورها وتقواها وانه هداها النجدين وها هما النجدان أمامه فإيهما يختار فهل يختار طريق الخير لنفسه وللمنطقة ويساهم في إنهاء الأزمات والحروب فيها أم انه يمعن في غيه ويتابع في طريق العدوان ويستمر في تدمير نفسه وتركيا والمنطقة.

اعتقد ان الفرصة التي فتحها الرئيس الروسي بوتين والرئيس بشار الأسد له كما والقيادات العراقية ستكون محل اختبار جدي لا ردغان، في لحظة بات الجميع يدرك فيها ان فرص نجاح العدوان على سورية والمنطقة باتت شبه معدومة وان أزمات المنطقة دخلت ربع الساعة الأخير لوضع حد للأساسيات فيها، إذ بعد تحرير الموصل سيكون العراق في موضع أخر وبعد إنجاز ملف حلب ستنتقل سورية إلى مشهد جديد لصالح الدولة السورية ووحدتها. وما هذا إلا لان المنطقة عرفت كيف تدافع عن نفسها وكيف تحطم مشاريع العدوان عليها والتي كانت تركيا اردغان عنصر ناشط فاعل فيها، فإذا تعقلن اردغان اليوم فأننا نعتقد ان مهل الخروج من الأزمات الإقليمية تقصر وفرص الانتصار الإقليمي على المشروع الغربي تتضاعف مع انضمام تركيا الى المعسكر الإقليمي الدولي الدفاعي…أما ان تلكأت فان الانتصار سيكون أيضا حاصلا ولكنها لن تكون جزءا من المنتصرين.

:::::

“الثورة”، دمشق

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.