خَطّانِ مُتَوَازيان

الطاهر المُعِز

تقديم:

لمْ أَعْتَد الخَوْضَ في مسائل ذات صِبْغَة ذاتية (شخْصِيّة) في الفضاء العمومي، وإذا كان مُنْطَلَق موضوع هذه الورقة ذَاتي فإن جَوْهَرَهُ مَوْضُوعِي، أو عام يتجاوز الذات الخاصّة إلى مجموعة من البَشَر…

توفِّيَت ابنتي “حيفا” بِشَكْلٍ مُفاجِئٍ في باريس يوم 19 أيلول 2016 في طريقها إلى العمل، قبل أسبوع واحد من بلوغ سنتها السادسة والثلاثين، ولم أفِقْ بعد من صدمة هذا الغِياب المفاجئ والأبدِي، إذ تَغَيَّرَتْ أشياء كثيرة في حياتي وفي ذِهْنِي…

إنَّ ما يَدْعُونِي إلى الخوض في هذا المَوْضُوع هو مُحاولة تُجّار الدّين التأثير على بعض أفراد عائلتي (اغتنام لحظات الضُّعْف والحُزْن واللوعة) ومُحاولَة فرض بعض المراسم والطُّقُوس، ولَمَّا لم يتمكَّنوا من ذلك، طَفِقُوا يُرَوِّجون الإشاعات والأكاذيب، وبَذَلُوا جُهُودًا كافية لكي تصِل هذه الإشاعات إلى أفراد عائلتي وعائلة “أم حيفا”، وطلب مني بعض الأصدقاء الرَّدَّ على هؤلاء، ولكني تريَّثْتُ لكي لا أَرُدَّ على هؤلاء الأشخاص بالذات ولكن لأَرُدَّ على “الثقافة” و”المُحيط العقائدي” الذي أنْتَجَ مثل هذه العَقْلِيّات المريضة والتي لا تنتج سوى التَّخَلُّف الفكري والحضاري والعقائدي، بل تُعِيدُ إنْتَاجَهُ لِيَسْتَمِرَّ في نَخْرِ مُجْتَمَعاتِنا، ويُلْهِينا عن مشاغِلِنا الحقيقية المُتَمَثِّلَة في النضال من أجل حياة أفضل…

لهذه الأسباب، أعْتَقِدُ أن ظاهر المَسْألة ذاتي وباطِنُها مَوْضُوعي، فهؤلاء الأشخاص كأفراد هم طَيِّبُون ويعتقِدون أنهم حَسَنًا فَعَلُوا بمُضايقَتِنا وبنشر النَّمِيمَةِ والقِيام بدور المُخْبِر الكَذُوب والمُتَطَوِّع (الّذِي لا يُرِيدُ جزاءً ولا شُكُورا) ولكنهم تَرَعْرَعُوا في مناخ يُمَجِّدُ هذه الخِصَال “الحَمِيدَة” عندهم والقبيحة عندنا، فنحن من فصيلتين مُخْتَلِفَتَيْن، وهذا جوهر الموضوع وأساس الإختلاف…

من الغزالي إلى حسن البنّا:

تَرَعْرَعَ هؤلاء القوم في بيئة تُناصِرُ الغزالي ضد ابن رُشْد، ونَهَلُوا من فَتاوي ابن تيمية وابن قيم الجوزية وحسن البنا وابو الأعلى المودودي وسيد قُطب وراشد الغنوشي، وغيرهم من نفس السُّلاَلَة الفِكْرِية، وهم بمثابة أسطورة الكهف لأفلاطون، لأنهم لم يلتفتُوا إلى باب الكهف حيث الضَّوْءُ، بل تَعَلَّقَتْ عيونهم وقلوبهم وعقولهم بالكُتُبِ والخُطَبِ التي تُفَضِّلُ الحديث عن نواقض الوضوء وعذاب القبر، بدل البحث في أساليب القضاء على الظلم والإضطهاد والإستغلال، ويَعْتَبِرون التَّدَخُّل في شُؤُون الغير واجب ديني يدخل في باب “النَّصِيحَة” وربما الوَعْظ والإرشاد، لأن الإنسان في نظرهم قَاصِرٌ بِطَبْعِه ويحتاج إلى من “يَعْلَمُون” لنُصْحِهِ وتَوْجِيهِهِ (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟)، أمّا المَرْأة فهي أكثر من قاصرة، وتحتاج إلى “كَفِيل” ذَكَر من المهد إلى اللحد…

من جِهَةٍ أُخْرَى فإنهم لا يُؤْمِنُون بحق الأفراد في اختيار طريقهم الفكري والفلسفي (حتى وإن لم يُلْحِقُوا أي أذًى بغيرهم) ويَعْتَبِرون التّدخل في شؤون الغير من باب “النّصيحة” التي يفرضها دينهم، فإن لم تنفع “النَّصِيحة” انتقلوا إلى المرحلة الأعْلى وهي النَّهْر حتى يَبْلغُوا مرحلة العقاب الذي قد يصِلُ إلى إهْدار الدّم، ولكنهم من جهة أخرى يُدافعون عن لبس النِّقاب في قاعات الإمتحان وفي الأماكن التي وجب مَعْرِفَةُ الأشخاص والتَّثَبُّت في هَوِيَّاتِهِم ومُقَارنة الصورة (في بطاقة الهوية أو جواز السفر) بوجه الشخص، ويعتبرون وضع النقاب من باب الحرية الشّخصية، أما اختيار مُناقَشَة أو مُعارضة بعض الفتاوى أو حتى الإختلاف مع الإمام الشافعي أو ابن حنبل فهو كُفْرٌ يَسْتَوْجِبُ القصاص وتَطْبِيق “الحُدُود”، ولا يُدْرِجُونَهُ ضمن الحرية الفكرية أو الحريات الشخصية، ناهيك عن الخروج عن الدّين أو الإلحاد…

من المُعْتَزِلَة إلى “الطّاهر الحَدَّاد”:

اتّسَم النقاش أو الصِّراع الفكري على هذه الأرض العربية بالتّنوّع والإختلاف (كما في كل بِقاع العالم) ولم يَكُن الفِكْرُ في يومٍ ما أَحادِيًّا، رغم مُحاولة الحُكّام فرض الرأي الواحد، وكما وُجِدَ تَيّار الغزالي، وابن حنبل، وُجِدَت أيضًا تَيَّارات عقلانية منها المُعْتَزلَة الذين دعوا اعتماد “العقل قبل النّقل”، وإخوان الصفاء وأبو ذر الغفاري الذي نفاه عثمان بن عفان (ممثل أثرياء الحكم الإسلامي) بسبب نقده اللاذع لمظاهر الثراء الفاحش لدى “الصحابي” عثمان وصحبه، وتيار “القرامطة” الذين اعتبروا بعض طُقُوس الحج (مثل الحجر الاسود) مَوْرُوثَة عن الوثنية، واعتبروا ان الإنسان (رجلاً كان أم امرأة) هو حر، وكانوا يُؤْمِنون بالمُساواة ويُطَبِّقُون “مشاعة الأرض والكَلأِ”، كما كان ابن خلدون عقلانيا في تفكيره وفي بحوثه، فيما قاوم بعض رجال الدين (المتنورين) الإستعمار في بُلْداننا، وأنجب التعليم الديني في “الأزهر” (مصر) وفي “الزيتونة” (تونس) مُفكّرين متنورين مثل على عبد الرّازق في مصر والطاهر الحدّاد في تونس، لِذلك فإن الخلاف داخل المنظومة الدّينية “قديمٌ” وليس “مُحْدَث”، وعمالة رجال الدين للسّلْطان قديمة أيْضًا، لذلك فإننا (أنا وأمثالي) لا نَرْغب في الدُّخُول في نقاش بيزنطي أو ذي صبغة فقْهِيّة، ونُفَضِّلُ البحث “فيما ينفع النّاس” أي في سُبُلِ الخُروج من التَّخَلُّف والجهل والفقر والجوع، وبناء مُجْتَمَعٍ يتساوى أفراده، بِغَضّ النظر عن جنسهم ولونهم ودينهم وطائفتهم ومذهبهم، ويتَمتّعُ فيه المنتجون بثمار عمَلِهم…

خاتمة:

كان مناضلو اليسار يناهضون القمع المُسَلَّط على الإخوان المسلمين في تونس ومصر وسوريا، بل ذهب البعض من “التقاطُع” معهم إلى التحالف بين بعض اليسار والإخوان المسلمين في البلدان الثلاثة بداية من سنة 2005، بينما كان راشد الغنّوشي (الذي هرب إلى بريطانيا) يأمُرُ مُرِيدِيه بجملته الشهيرة “احْنِ ظَهْرَكَ إلى أن تَمُرَّ العاصِفَة”، وبعد مُرُور العاصفة، انقضّت تيارات الإسلام السياسي على انتفاضات المَحْرومين، لأن الدكتاتوريات قَضَتْ على المُعارضين من اليسار فيما كان سفراء أمريكا يلتقون قادة الإخوان المُسْلِمين في وضح النهار، إضافة إلى آلاف المَساجد التي تُمَكِّنُ أعضاء تيارات الإسلام السياسي (“المُعْتَدِل” و”المُتَطَرِّف”) من الإلتقاء وبث الإيديولوجيا واستقطاب أعضاء جُدُد، ولم يُعْرَف عن تيارات الإسلام السياسي تضامُنُهَا مع أي تيار آخر، ولا دِفاعُها عن حُرِّيّات غير المُنْتَسِبِين لها…

يعيش الوطن العربي هيمنة وسيادة الثقافة الغيبية (الهيمنة بمفهوم انطونيو غرامشي)، هذا من الناحية الفكرية، بل تَعَدّوا ذلك إلى تنفيذ الإغتيالات السياسية لِمُخالِفيهم من اشتراكيين وقوميين عرب، في تونس، أما عن البرنامج الإقتصادي والسياسي فلم يختلفوا عن الأنظمة التي سبقت الإنتفاضات العربية وتزلَّفُوا للكيان الصهيوني ورفضوا تجريم التطبيع (لأنهم مُطَبِّعُون) وطَبَّقُوا بحماسة شديدة أوامر صندوق النقد الدولي في المغرب وتونس ومصر واليمن، واستغلّوا السّلْطة للإثراء السَّرِيع، وقَمَعوا الحريات، حيث تَكَفَّلَتْ مشيخة قَطَر بتزويد حكومات الإسلام السياسي بأسلحة قمع المظاهرات…

إن تقسيم الإسلام السياسي إلى “مُعْتَدِل” و”مُتَطَرِّف” هو تقسيم امبريالي أمريكي، أما نحن -من اكتوينا بنار الإسلام السياسي قبل بلوغه سدة الحكم- فإنَّنَا نُدْرِكُ جَيِّدًا ان هذا التقسيم اصطناعي فقد أعلن “راشد الغنُّوشي” ان عناصر المجموعات الإرهابية في تونس هم “أبناؤُنا” (أبناء “حركة الإتجاه الإسلامي” التي أصبحت تُسَمّى “حركة النهضة”) ويُذَكِّرُونه بشبابه، فقد كان (قبل لُجُوئه إلى بريطانيا واحتكاكه اللصيق بحسن الترابي) يُدافع عن نفس الأفكار وبنفس الأساليب، وكذلك “علي بلحاج” في الجزائر، وخرجت جميع التيارات الإسلامية الإرهابية (بدون استثناء) من رحم من تُسَمِّهِم الإمبريالية الأمريكية منظمات وأحزاب “الإسلام السياسي المُعْتَدِل”، ولكن قُدْرَتِهِم على التَّلَوُّن وممارسة “التَّقِيَّة” و”إحناء الظَّهر” أثناء فترات الضُّعْف والقمع جعلت منهم “مُعْتَدِلِين” ومُتَطَرِّفِين”، تقاسموا الأدوار، بدليل طمس حكومة الإخوان المسلمين الأدلة بخصوص اغتيال “شكري بالعيد” و”محمد البراهمي” في تونس

هذا هو جَوْهَر الخلاف، إنه خلاف حول الحلول المُقْتَرَحَة لخروج مُجْتَمَعاتنا من وضعها الحالي، فهي واقعة تحت هيمنة الإمبريالية، وثرواتها منهوبة ويعيش عُمّالُها ومنتجوها استغلالا فاحشا ونساؤها تَمْيِيزا واضطهادًا لا مُبَرِّرَ له، وينتمي الإخوان المسلمون (فِكْرِيًّا على الأقل) إلى فئة البرجوازية الكمبرادورية التي لا ترى ضَيْرًا في تَمْثِيل مصالح الشركات متعددة الجنسية ومصالح الدول الإمبريالية، واستغل الإخوان المسلمون الحكم في تونس لتوظيف مُنْتَسِبِيهم وأفراد عائلاتهم وأقاربهم، في الوظيفة العمومية دون احترام الإجراءات الشَّكْلِية التي كان نظام بن علي يحترمها في شكلها وليس في جوهرها… لذلك نحن خَطّان مُتَوازِيان لا يلتقِيان أبدًا، حتى بإذن الله !

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.